مقالات و محاضرات

 

 

الخليج وأجندة المحافظين الأمريكيين الجدد 

 

د. فاطمة الصايغ

 

كانت علاقة أمريكا بالخليج حتى الستينات علاقة قائمة على التعاون المتبادل بين الطرفين. فقد نجحت الولايات المتحدة حتى ذلك الوقت في بناء علاقات متميزة مع عدد من دول الخليج كالمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان والبحرين.

أما مع دول الخليج الأخرى فكانت العلاقات قائمة على المصالح البسيطة الاقتصادية منها والثقافية. وعلى الرغم من

أن أمريكا كانت قد أعلنت منذ العام 1945 على لسان رئيسها آنذاك فرنكلين روزفلت، أن المملكة العربية السعودية

شريك مهم للولايات المتحدة وأنها تستحق أن تمنح فيما سمي “عقد الإعارة والتأجير” (أي أنها تستحق أن تعطى

قروضا تخصم بعد ذلك من أموال النفط المشترى)، إلا أن السعودية لم تحظ بأهمية استراتيجية في السياسة الأمريكية إلا في بداية الثمانينات عندما ظهرت الحاجة لدى الولايات المتحدة لوقف الزحف السوفييتي في وسط آسيا وفي بعض مناطق الشرق الأوسط.

عسكرياً، كانت الولايات المتحدة، حتى عقد الستينات تعتمد على قوة حليفتها بريطانيا في توفير الدعم لها في منطقة الخليج ولتوفير خط منتظم من إمدادات البترول الخليجي الذي كان يضخ للولايات المتحدة. ويبدو أن الولايات المتحدة قد وضعت لنفسها سياسة قائمة على البقاء بعيدا عن الأضواء معتمدة على القوة البريطانية لتوفير غطاء عسكري للمنطقة بأسرها ومعتمدة أيضا على قاعدتها المتواضعة في البحرين والتي كانت آنذاك تغطي التزاماتها العسكرية والأمنية البسيطة. فلم يكن للولايات المتحدة نفوذ كبير في الخليج العربي أو المحيط الهندي. ولذا لم تكن البحرين إلا مكانا ترفع عليه أمريكا علمها. فلم تكن الولايات المتحدة أو حلفاؤها الغربيون معتمدين على البحرين كقاعدة قدراعتمادهم على نظام الشاه في إيران لتوفير الدعم العسكري واللوجستي للغرب في منطقة الشرق الأوسط.

لقد كان الشاه حليفا قويا للغرب في حربه الضروس ضد الشيوعية وانتشارها خصوصا في منطقة الشرق الأوسط الاستراتيجية والغنية معا.

ولكن في نهاية السبعينات حدثت تغيرات جوهرية على صعد عالمية وإقليمية متعددة. ففي الخليج قامت في إيران عام 1979 ثورة إسلامية قلبت الموازين الدولية العسكرية والاستراتيجية رأسا على عقب. فقد بدأت الثورة الإسلامية في إيران تنظر للولايات المتحدة نظرة سلبية. فعوضا عن اعتبارها الشريك والحليف الاستراتيجي أصبحت أمريكا بالنسبة لإيران العدو والشيطان الأكبر. وتأجج الشعور الوطني الإيراني متخذا من الإسلام موئلا وستارا ومصدرا للمنطقة بأسرها ايديولوجية جديدة قائمة على الانتماء للإسلام وعلى تأجيج الشعور الوطني والقومي.

أما على المستوى العالمي فقد شهدت نفس الفترة غزواً سوفييتياً لأفغانستان، الأمر الذي ألهب حماسة المسلمين في أجزاء كبيرة من العالم الاسلامي. ونجحت الجهود المكثفة لبعض الجماعات الأصولية في ردع النفوذ السوفييتي. وما أن حلت السنوات الأولى من عقد الثمانينات حتى كان النفوذ السوفييتي في أفغانستان قد شهد اندحارا كبيرا على يد الأصوليين الإسلاميين الذين استفادوا كثيرا من دعم الجناح الأمريكي المحافظ لهم. وبالتأكيد لعبت الدوافع السياسية والايديولوجية لهذه الأطراف دورا كبيرا في التعاون العسكري والسياسي بينهما. فقد عقد المحافظون الجدد في الولايات المتحدة والإسلاميون الأصوليون في أفغانستان مع بعضهم البعض حلفا تعاونيا مشتركا. وهكذا دفعت المصالح المشتركة الطرفين للتعاون مع بعضهما، وكانت نتيجة هذا التحالف طرد السوفييت نهائيا من أفغانستان.

منذ ذلك الوقت أدركت الجماعات الأصولية في أفغانستان أن الوقوف في وجه قوة عظمى أمر غير مستحيل وأدركت

التيارات المحافظة الجديدة في الولايات المتحدة أن الحياد عن المبادئ أمر ممكن إذا ما تطلبت المصالح السياسية ذلك.

وعلى الرغم من التفاهم الكبير الذي ساد بين الولايات المتحدة وبين أنظمة الحكم في منطقة الخليج العربي طوال عقد الثمانينات، جزئياً لمقاومة المد الإيراني القادم من غرب الخليج، وجزئياً لتلك العلاقة الاقتصادية القائمة على المصالح المشتركة للطرفين، إلا أنه بدا واضحا أن الولايات المتحدة قد أخذت توجه اهتماما كبيرا بما يحدث من تطورات في داخل مجتمعات الخليج. وكان أكثر ما يقلق الولايات المتحدة هو ذلك الشعور الديني المتزايد والذي كان في البداية موجها نحو الشيوعية ولكنه الآن بدا كأنه ضد كل ما هو ليس إسلاميا أو ليس شرقيا. وعلى الرغم من النفور الذي بدأت الولايات المتحدة تشعر به في المنطقة الا أنها لم تكن بعد تربط بين النوازع الدينية في هذه المنطقة وبين تلك الدوافع التي ظهرت في إيران في أعقاب الثورة الإسلامية. فلم تخطر في ذهن المحافظين الأمريكيين فكرة احتمال ظهور علاقة تأثر أو تعاون بين العرب وإيران في العداء للغرب. كما لم تشك الولايات المتحدة يوما في أن العداء المنبعث من منطقة الخليج يمكن أن يكون موجها ضد مصالحها. لقد كانت الولايات المتحدة، حتى وهي في قمة صراعها مع السوفييت، مصممة على اجتياز كافة العقبات والعمل على تصفية كل القوى المناوئة لها.

في بداية التسعينات انهار الاتحاد السوفييتي وانتهت الحرب الباردة التي ظلت لعقود عاملا مؤثرا في العلاقات الدولية وفي مصالح القوى العظمى في منطقة الشرق الأوسط. لم تبق بعد انهيار الاتحاد السوفييتي قوة قادرة على تحدي الولايات المتحدة في الخليج والشرق الأوسط سوى العراق. وعلى الرغم من علاقات المصالح التي سادت بين العراق والولايات المتحدة إبان الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) إلا أن كلا الطرفين لم يعمل بعد انتهاء تلك الحرب على التمهيد لعلاقات صحيحة وصحية بينهما. وبينما لجأت إيران بعد الحرب إلى التنمية الداخلية والتركيز على التصنيع الحربي وإصلاح ما أفسدته الحرب، لجأ صدام بعد انتهاء الحرب مع إيران إلى العزف على نغمة جديدة وهي بناء إمبراطورية معتبرا نفسه سليل المجد والشرف. ولم يتوان صدام في سياسته تلك، والموجهة خصيصا نحو إيران، عن التطلع لبناء إمبراطورية عربية يكون هو السيد المطلق فيها. هذا الشعور بالعظمة قاد صدام إلى مغامرته الخاسرة ألا وهي غزو الكويت معتقدا بأن الطريق قد أصبح ممهدا أمامه وأنه ليس هناك من رادع يردعه.

ومما شجع صدام على خوض تلك المغامرة الخاسرة غموض أجندة القيادة الأمريكية تجاهه واعتقاده الخاطئ أن ما سيقوم به سوف يكون متوافقا مع أجندة المحافظين الجدد.

أجج الصراع على الزعامة في الخليج عدة صراعات أخرى بعضها ايديولوجي والبعض الآخر سياسي. وسرعان ما تجاذبت منطقة الخليج المصالح والصراعات التي أخذت تكبر وتكبر إلى أن انفجرت في ما يسمى أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001. وكما ساهم هذا الحدث في تضخيم الرغبة في التغيير السياسي في أجزاء كثيرة من الخليج والشرق الأوسط، ساهم أيضا في إبراز أجندة المحافظين الجدد القائمة على التطرف الفكري والعنصري.

بالإضافة إلى ذلك ساهمت السياسات العنصرية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط وخاصة في العراق وفلسطين في تأجيج الشعور الديني وزيادة نسبة الراديكالية في المنطقة بأسرها.

هذه الأوضاع المعقدة السائدة في عصرنا الحالي تدفعنا إلى التساؤل عن احتمال تجدد ذلك التعاون الذي تبلور في الماضي بين الأصوليين في منطقتنا والمحافظين الجدد في الولايات المتحدة واحتمال ظهوره مستقبلا وتأثيره في الخليج.

قد تكون الإجابة عن هذا السؤال أن هذا الاحتمال وارد لأن الولايات المتحدة لا تزال تعاني من تنامي تيارات المحافظين الجدد ومن أجندتهم المعقدة ولا يزال الخليج يعاني من تبعات بعض الأفكار الأصولية.

وكل ذلك حسب كاتبة المقال .

المصدر: الخليج الاماراتية - 26-9-2005