الأخلاق بين النظرية والممارسة:

                                                    الفرق بين الأخلاق والعلوم الأخرى

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 في محاضرة سابقة ذكرنا أن هناك فروقاً بين الأخلاق والعلوم الأخرى، وأنّ الأخلاق علم وعمل، ونذكر الآن فروقاً أخرى، ومنها:

1- الأخلاق بحاجة إلى مثابرة لبلوغ أعلى المراتب

لا شك أن مَن يتخصص في علم واحد ويستفرغ له كل وسعه وجهده يبلغ أعلى الدرجات فيه ويتفوق على مَن كان ذلك العلم أحد اهتماماته، والأخلاق تحتاج إلى التفرّغ والجد والمثابرة مِن أجل بلوغ المراتب العالية فيها، وذلك لأسباب منها: أنّ المستوى الذي يبلغه الأخلاقي – وطالب العلم الديني خاصة – يؤثر في أداء دوره في المجتمع وتشجيع الناس نحو الفضائل الأخلاقية والاجتناب عن رذائل الأخلاق. فقول طالب العلم وفعله وسيرته وتاريخه يشجع الناس على الفضيلة إذا كان هو مِن أهل الفضيلة، ولكن مجرد عدم كونه كذلك يدفع الآخرين نحو الرذيلة.

يقول الشهيد الثاني الشيخ زين الدين العاملي (ت:966هـ) في كتابه "منية المريد في آداب المفيد والمستفيد" وهو كتاب حري بطالب العلم الديني أن يطالعه، لأنّه يؤثر كثيراً في تغيير سلوكه في الحياة إلى درجة كبيرة. يقول (رضوان الله عليه):

(واعلم أنّ المتلبس بالعلم) أي طالب العلم الديني (منظور إليه) أي ينظر إليه الناس (ومتأسى فعله وقوله وهيأته) أي يُتخذ أسوة وقدوة (فإذا حسن سمعته وصلحت أحواله وتواضعت نفسه وأخلص لله تعالى عمله انتقلت أوصافه إلى غيره مِن الرعية وفشا الخير فيهم وانتظمت أحوالهم. ومتى لم يكن كذلك) أي لم يلتزم بالفضائل بل اكتفى بالواجبات والمحرمات (كان الناس دونه في المرتبة التي هو عليها) أي أنّ الناس لا يلتزمون حينئذٍ حتى بالواجبات والمحرمات، (فكان مع فساد نفسه منشأً لفساد النوع وخلله) خلافاً لعامة الناس. (وناهيك بذلك ذنباً وطرداً عن الحق وبعداً). ثم يقول بعد ذلك:

(إنّ عامة الناس أبداً) أي دائماً (دون المتلبس بالعلم بمرتبة) أي أنّهم أدنى منه بدرجة. (فإذا كان - طالب العلم - ورعاً تقياً صالحاً) أي ملتزماً بالفضائل فوق التزامه بالواجبات والمحرمات (تلبست العامة بالمباحات) أي لا ترتكب المحرمات ولا تترك الواجبات (وإذا اشتغل بالمباح) أي اكتفى بفعل الواجبات والإنتهاء عن المحرمات (تلبست العامة بالشبهات) فهي كما قلناه دونه بدرجة، وهكذا: (فإن دخل في الشبهات تعلق العامي بالحرام، فإن تناول الحرام كفَر العامي)[1].

أي لا ينبغي لطالب العلم أن يفعل كل مكروه بدعوى أنْ كل مكروه جائز ولا يترك المستحبات بدعوى أنّ كل مستحب جائز الترك؛ لأنّ ذلك سيكون سبباً في تساهل العامي حتى في الواجبات والمحرمات.

أما إذا عمل طالب العلم بالفضائل أي ترك المكروهات وأتى بالمستحبات ولم يتوقف عند مستوى التقيّد بالواجبات والمحرمات فهذا يعني أن العامة سيكونوا عدولاً أي ملتزمين بالحدود الشرعية بأجمعها.

لا ينبغي لطالب العلم الديني أن يقول إنّ حسن الخُلق جيد ولكنه ليس بواجب فلماذا ألتزم به؟ أو أنّ سوء الخُلق في حدود منه مكروه، فلماذا ألتزم بتركه؟ والصلاة في أول الوقت فضيلة ولكنه ليس بواجب فلا يخلّ بعدالتي لو تسامحتُ به! وهكذا... ثم يسوّغ ذلك لنفسه بالقول : "إنّ أتقى الناس مَن عمل بالواجبات".

فإنّه لو كان وضع العالِم أو الطالب الديني كذلك فإنّ الوسط الذي يعيش فيه والأشخاص الذين يشهدون سيرته لا يتوقفون عند ذلك الحد، لأنهم دونه درجة، وليست تلك الدرجة هنا إلاّ التورط بالمعاصي وترك الواجبات؛ لأنّ العامي إذا رأى قدوته يصلي صلاة الصبح قبيل طلوع الشمس مثلاً فسيستهين بالواجب نفسه، وإذا رآه يفعل مكروهاً فإنه سيتهاون بالحرام! ولسان حاله يقول: هذا رجل عالِم أو سيّد فاضل وهو يفعل كذا أو يترك كذا، فماذا تنتظر مني؛ أنا الإنسان العادي؟!.

أما لو تورط المتلبس بلباس أهل العلم بترك الواجب أو فعل المحرم - والعياذ بالله - كما لو قتل إنساناً ظلماً أو اغتاب أو اتّهم مؤمناً فإن عامة الناس سيكفرون حينئذ - على حد تعبير الشيخ الشهيد (رحمه الله)-.

إذن على طالب العلم الديني أن يولي الالتزام بالفضائل والأخلاق عناية فائقة بل يجعلها همه الأكبر ويصبّ اهتمامه وتركيزه عليها حتى يتفوق فيها، لأنّه كلما ارتفع مستواه فيها ارتفع مستوى التزام الناس بها بالتبع. وهذا أحد الفروق التي تميّز الأخلاق عن سائر العلوم والفنون كالفقه والأصول والبلاغة والفلسفة والحكمة والخطابة وغيرها.

2- الرقي في الأخلاق أصعب منه في العلوم الأخرى

الفرق الآخر بين الأخلاق والعلوم الأخرى يكمن في صعبوته قياساً لها، فهو أصعب حتى مِن الفقه الذي يُعد أصعب العلوم وأوسعها مسائل. وتكمن صعوبة الفقه في أن مسائله أوسع وأكثر عدداً مِن مسائل العلوم الأخرى كالنحو والأصول. ولذلك ترى الفقيه يتفرغ خمسين سنة للفقه ومع ذلك عندما تسأله عن بعض المسائل يقول لك يلزم أن أراجع. ونادراً ما تجد فقيهاً مجتهداً بالفعل في جميع مسائل الفقه - أي يملك قوة استنباط فعلية بحيث عندما تعرض عليه أية مسألة يتمكن أن يخرجها حالاً-.

أنا شخصياً رأيت عدة مرات مجتهدين معروفين بالفقه (رحمة الله عليهم) طرحت عليهم مسائل ولم يترددوا في قول لا أدري، مع أنّ بعضهم قضى ثمانين سنة في الفقه، فكيف لا يدري وماذا كان يعمل طيلة هذه المدة؟

الجواب إنّ الفقه واسع وعميق ولذلك ترى الألوف مِن طلاب العلوم الدينية يبدأون دراستهم لا لكي يصبحوا وكلاء أو خطباء، بل ليكونوا فقهاء مجتهدين متبحرين، فهم يتطلعون إلى المرجعية ... ولكن كلما يتقدمون في مسيرتهم يجدون صعوبات وصعوبات، فيتناقص العدد المتجه إلى هذا الهدف ويبدأ الآخرون بالتخصص في مجالات أخرى. فلو فرضنا أنّ الذين بدأوا بهذه النية كانوا ألفاً فإنّ مئة منهم ستركون الاستمرار بعد مرور سنتين، وهكذا يستمر العدد بالتناقص مع مرور السنوات حتى لا يبقى مِن الألف الذين بدأوا دراستهم بهذه النية سوى عشرين أو ثلاثين شخصاً فقط.

قال لي شخص قضى عشرين سنة مِن الدراسة: لقد يئست مِن أن أكون مجتهداً، لأن كل مسألة أواجهها أجد فيها صعوبة بالغة.

فقلت له: لا تيأس.

أقول: إنّ الأخلاق أصعب مِن الفقه ولا ينبغي لنا أن نستسهله، لأنّ الأخلاق تعني صناعة الإنسان، وإنّ فقهاء عظماء قالوا: مِن السهل أن يصبح المرء مجتهداً ولكن مِن الصعب أن يصير إنساناً.

وبعضهم قال: بل مِن المستحيل.

ولا شكّ أنّ المقصود بالإستحالة هنا ليس الإستحالة العقلية بل كون القضية بالغة الصعوبة.

لقد تقدم منا أنّ الاجتهاد في الفقه مِن أصعب الأمور، فما الذي جعله كذلك؟

إنّ مِن جملة ما جعل بلوغ مرتبة الإجتهاد الفقهي صعب المنال كون النتيجة فيه لا تحصل بسرعة، قياساً للفنون الأخرى.

فإنّ الدراسة والتفرغ والتركيز لمدة سنتين قد تكفي لأن يصبح الشخص المستعد خطيباً يرتقي المنبر ويستمع إليه الألوف مِن الناس، بل يمكن أن تحفظ آيات مِن القرآن الكريم وبعض الأحاديث الشريفة وقصيدة وبعض القصص، لترتب مجلساً ثم ترتقي المنبر.

المهم أنّ الشخص قد يحصل على ثمرة أتعابه بعد مرور سنتين فقط.

هكذا الحال بالنسبة لوكلاء المراجع.

فمَن أراد أن يصير وكيلاً في منطقته ومدينته، يأتي إلى إحدى الحواضر العلمية كقم المشرفة فيدرس خمس سنوات أو عشراً مثلاً يتعلم خلالها الرسالة العملية وشرائع الإسلام والعروة الوثقى وبعض الأخلاقيات ويصبح رجلاً صالحاً ثم يعود إلى بلده بعد أن يعطيه أحد المراجع وكالة عنه، وهكذا يحصل على نتيجة أتعابه بعد عشر سنين.

أما إذا أردت أن تصير فقيهاً فإنّ ذلك يتطلب منك دراسة متواصلة لمدة عشرين وربما ثلاثين سنة، لا لكي تلمس النتائج بل لتواجه المشاكل أولاً.

وهذا يتطلب - حقاً - شخصاً لا طمع له لأي نفع أبداً، بل يثابر على الدرس ولا ييأس.

ومِن هنا كان الإجتهاد في الفقه عملاً بالغ الصعوبة.

أقول: إنّ الارتقاء في مراقي الأخلاق والفضائل أصعب مِن الإجتهاد في الفقه؛ لأنّ ثمرته ونتيجته أبعد منالاً وأعسر حصولاً مِن الفقه.

فلا يلمس المرء نتيجة سعيه إلاّ عندما يصبح ذا قلب سليم وتصبح الأخلاق والفضائل ملكات لديه، عندها يشعر بلذة الأخلاق والوصول إلى مراتبها العالية، وعندها يعرف قيمة ترويض النفس ومخالفة الشهوات.

ولا تصبح الأخلاق ملكة حب الخير في كل أبعاده.

فإذا حصل على الملكة شعر باللذة وبدأ يلمس نتيجة أتعابه في مجال الأخلاق والفضائل. فمن يبلغ الهدف الذي كان يسعى إليه يحصل على لذة.

سأل أحد العلماء خطيباً بمحضري عن مصدر موضوعٍ له نقله على المنبر، فقال الخطيب في جوابه: إنّ المنبر كالفرس الجموح لا تستطيع أن تمسك به إذا انطلق بك.

وهذا برأيي ناتج مِن الإحساس باللذة الحاصلة بسبب الوصول إلى نتيجة الأتعاب. فهو نوع مِن فرح الإنتصار.

وهذا الأمر لا يحصل في مجال الأخلاق بنحو سريع بل هو شيء بعيد بطيء؛ لذلك أصبح الارتقاء في مدارج الأخلاق صعباً بل أصعب مِن الإجتهاد.

وخير دليل على ذلك الواقع الخارجي فإنّ عدد مَن بلغوا مرتبة الإنسان الكامل أندر مِن عدد المجتهدين.

ويمكنكم أن تكتشفوا ذلك بأنفسكم، فإنّ عمق المسائل الأخلاقية وعدم الوصول السريع إلى النتيجة يجعل المرء يشعر وكأنه غارق في المجهول.

ومِن هنا كانت الأخلاق - كالإجتهاد في الفقه - أمراً صعباً ورواده قليلون.

وإلاّ فمَن مِن الناس لا يحب أن يصبح ذا فضائل، كما أنّ أيّ طالب علم يتمنى أن يصبح فقيهاً ولكن صعوبة الطريق وطوله حتى الوصول إلى النتيجة تصرفهم عن المواصلة لأنّ الإنسان بطبعه يتعجل النتائج.

ولا نقصد بصعوبة الأخلاق صعوبة تلقي دروس في الأخلاق كمطالعة كتاب جامع السعادات أو إلقاء المحاضرات الأخلاقية أو الإستماع إليها... فهذه تمثّل علم الأخلاق. إنّما المطلوب مِن الأخلاق هو العمل. وما نعنيه بالفضائل ليس معرفتها بل العمل بها.

كما لا نريد مِن التصريح بصعوبة الأخلاق صرْف الناس عنها بل لكي يتم الإهتمام بها أكثر، لأنّ الطالب إذا استسهل الأخلاق وتهاون بها لا يواصل الشوط حتى الأخير لما سيواجهه مِن صعوبات.

فإنّنا ننبّه في البداية على الصعوبات وطول الطريق ليأخذ الطالب أهبته ويستعد ويشمر عن ساعد الجد ويحسب للأمر حسابه؛ فإنّ نتيجة الأخلاق لا تُلمس بسرعة، ولذة الإحساس بالسمو الروحي لا تحصل إلاّ بعد عناء وصمود، وهذا مِن الفوارق التي تميّز الأخلاق عن العلوم والفنون الأخرى.

 3- غياب التشجيع في مجال الأخلاق

مِن الفوارق الأخرى بين الأخلاق والعلوم الأخرى أنّ الإنسان جُبل على حب التشجيع وبه يتقدم في كل مجال مِن مجالات الحياة، ولكن مَن يسلك طريق الرقي في الأخلاق عليه أن لا يترقب التشجيع في هذا المجال، بل ليتوقع التثبيط أيضاً. فهذا حال المجتمع في الغالب.

فطالب العلم قد يتوفر على مادة درسه عدة ساعات فيتقنها، ثم يأتي في اليوم القادم ويبدأ بطرح بضعة أسئلة على أستاذه فيعرف الأستاذ مِن هذا الطريق أنّ هذا الطالب قد طالع درسه بدقة فيشجعه بالقول "أحسنت، استمر على هذا المنوال، وكلما استجد لديك سؤال فاطرحه للمناقشة".

وهكذا يستمر الطالب بالتشجيع حتى يتفوق ثم يقوم بتدريس المادة بعد أن بلغ فيها المستوى المطلوب.

أما في الأخلاق والالتزام بالفضائل فالأمر مختلف، لأنّ معظم الناس يثبطون المرء ولا يشجعونه.

مثلاً: لو حدث شجار بينك وبين أحد أرحامك، وأردت أن تضغط على نفسه وتصله وقرّرت أن تزوره وتصفح عنه وتسدل الستار على ما حدث بينكما، فإنّ معظم الناس لا يشجعونك ويضعون أمامك الأعذار والعراقيل.

يروى أنّ أحد مراجع التقليد كان مبتلى بشخص يشتمه ويسيء الأدب والكلام معه حتى في المجالس، ويبدو أنّه كان مِن حاشيته.

فاتفق أن رأى المرجع في يوم ما وحيداً فانتهز الفرصة وشكا له الحاجة إلى المال، ولم يبخل عليه المرجع بل أغدق عليه ولم يردّه خائباً، ولكنّ العجيب أنّ هذا الشخص لم يتراجع عن سبّ ذلك المرجع وانتقاصه، وأخذ يقول:

إنّ فلاناً أعطاني المال لقطع لساني وكمّ فمي ولم يكن إعطاؤه لله، وإنّ فمي لا يغلقه المال!

وعندما بلغ الأمر بعض أصحاب ذلك المرجع تأثروا كثيراً وعقدوا اجتماعاً ثم انتدبوا أجرأهم ليكلّم المرجع.

وبالفعل توجه الشخص إلى المرجع وسأله إن كان قد أعطى فلاناً مالاً؟!

فقال المرجع:

ولِمَ؟ وما الذي حدث؟

عندها قال الشخص: أتعلمون أنّه كان يشتمكم؟

قال: نعم.

قال: وتدرون أنّه لا يزال يشتمكم ويدّعي أنكم لم تعطوه المال مِن أجل الله بل ثمناً لسكوته أو رياءً؟

وأضاف المعترض: هب أنّا لا نقول إنّك عالم ديني ومرجع تقليد، ولكنا نقول إنك رجل مؤمن؛ أفيصحّ تشجيع مَن يسبّ مؤمناً؟ ألا يشكل إعطاؤكم المال لذلك الشخص تشجيعاً له؟! أليس في عملك تربية له على إهانة العلماء وتشجيعاً للآخرين فتستمر هذه السنة حتى بعد وفاتكم؟ و... و....

وهنا رفع المرجع رأسه ولم يزد أن قال: أنا أسألك الآن، هلْ هذا الرجل أعزب أمْ متزوج؟

أجاب: متزوج وله أولاد.

قال المرجع: وكيف وضعه المادي؛ فقير أمْ غني؟

قال: بل فقير، لا يملك داراً، بل هو مستأجر لها.

فقال المرجع: لنفرض أنه ارتكب حراماً إذ شتمني، ولكن ما ذنب زوجته وأطفاله إذا كان سيعود إليهم في المساء ولا مال عنده يقوتهم به؟؟!

أرأيت كيف أنّ المرء أراد أن يلتزم بالفضائل كان المثبطون أكثر مِن المشجعين؟!

ثم مثال آخر مِن واقع الحياة العامة. هلْ فكرتم لماذا كان عدد طلاب العلوم الدينية قليلاً جداً إذا ما قيس إلى طلاب العلوم الحديثة؟ هلْ لأنّ الأمة لا تحتاج إلى مرشدين أكثر مِن العدد الموجود؟!

أم لأن السبب هو أنّ التشجيع نحو طلب العلم الديني أقل مِن التشجيع نحو طلب العلوم الحديثة. فلو أراد أب تسجيل ولده في الحوزة لتلقي العلوم الدينية فإنّ أغلب أفراد العائلة والأقارب سيعارضون أو يبدون عدم ارتياحهم وربما نجحوا في ثنيه عن قراره.

ولكن لو انصرف الابن عن التحصيل في المدارس الحديثة وأراد أن يتعلم إحدى المهن مثلاً، فإنّ جل أفراد العائلة والأقرباء سوف يبدون دهشتهم لدى والديه ويقولون إنه مِن الواجب عليهما إرساله إلى المدرسة لكي يتخرج مهندساً أو طبيباً وما أشبه.

وهذا يدل على أن التشجيع نحو المدارس الحديثة موجود خلافاً للمدارس الدينية حيث تنتظر التثبيط أكثر مِن التشجيع!

وهكذا الحال بالنسبة للأمور الأخلاقية، فلو نوى الإنسان أن يصبر أو يصدق أو يفي بالوعد في الموارد التي تتزاحم مع مصالحه الشخصية فإنّ معظم الناس يحاولون ثنيه. ولذلك يحتاج الالتزام بالأخلاق والفضائل والرقي فيها إلى صبر وصمود وتركيز ومثابرة.

 4- لابد لطالب العلم أن يحذر الشبهات 

أما الفرق الآخر بين الأخلاق وغيره - إضافة لما مرّ- فهو مزاحمة الشبهات. فإن الناس المثبطين والهوى والشيطان والشهوات تجعل الفضيلة مشتبهة بالرذيلة.

فمثلاً الصبر فضيلة ولكن الذل رذيلة. فإذا عزم المرء على الصبر في موقف ما، قال له المحيطون به: إنّ الصبر جميل ولكن هذا ليس موضعه، بل هذا ذل منك ويذكرون له الحديث الشريف:

(إنّ الله أوكل إلى المؤمن أموره كلها، ولم يوكل إليه أن يذل نفسه)[2] وهذا هو الفخ الذي هلك فيه خلق كثير.

مثال آخر: الكرم خلق محمود ويقابله الإسراف فهو مذموم. ولكن ما أكثر الحالات التي يقوم المرء فيها بعمل ينمّ عن الكرم لكن الآخرين يصورونه له مِن الإسراف والتبذير الممقوت؟!

أنا شخصياً أتذكر أن أحد الإخوان أهدى دورة مِن كتاب بحار الأنوار إلى مكتبة عامة في كربلاء. ولم تكن الدورة مطبوعة بالكامل يومذاك بل لم تبلغ مجموع الأجزاء الصادرة العشرين، ولم تزد قيمتها على عشرة دنانير، وكان المرتب الشهري للطلبة يومذاك ديناراً واحداً فقط، فكان الاخ يوفر بعض مرتبه لشراء الكتب ومنها اشترى هذه الأجزاء التي أهداها للمكتبة.

وأتذكر أنّ شخصاً آخر مِن أهل العلم أنّب الشخص الـمُهدي تأنيباً شديداً وقال: أتزعم أنّك قمت بعمل جيد؟ وهل هذا مطلوب منك؟ وأضاف: كان يلزم عليك أن تتعلم موضع الكرم أولاً! واستمر في تقريعه والمسكين ساكت!

وهكذا الحال لو أردت الإيثار أو غيره مِن الأخلاق الحميدة لا يدعك مَن حولك حتى يشتبه عليك الأمر.

وهذا الفرق يختلف عن السابق حيث كنت تعلم أنه تثبيط، أما الآن فتمويه أيضاً.

وهذا منشأ لكثير مِن البدع الموجودة وما نشهده مِن صراعات بين المؤمنين، فهل تظن أنّ أطراف الصراع مِن المؤمنين كلهم يعلمون ما يعملون ويعلمون أنه عصيان؟! كلا، بل كل يزين له أسلوبه ويتصور أنه على حق.

قيل إنّ أحد العلماء كان يقول: أنا أغفر لكل مَن يستغيبني إلاّ الذي يفسّقني ويستغيبني فإني لا أغفر له.

فبعض الناس لو قلت له: لماذا تستغيب؟

يجيبك بالقول: "ماذا نفعل وقد اعتدنا على ذلك".

ثم يستغفر الله تعالى. ولكن بعضاً آخر يدعي أن هذا مِن مستثنيات الغيبة، مبرراً قوله أن الشخص الذي يغتابه إنما هو رجل فاسق متجاهر بالفسق وأنه مِن الذين تجب غيبتهم ليحذر الناس منهم.

ثم يصوّر لك الرجل الذي يغتابه مبتدعاً ويأتيك بحديث (باهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام، ويحذرهم الناس ولا يتعلموا مِن بدعهم...)[3] ليزين لك غيبته.

لكن ما هي البدعة؟ ومَن هو المبتدع حقيقة؟

هذا ما يموَّه أحياناً على كثيرين حتى على العاصي نفسه، كمَن يشرب خمراً دون أن يعلم أنه خمر، فهو ليس بعاصٍ وإن عمل محرماً، أو كما يقول الفقهاء والأصوليون: إنّ المعصية هنا فعلية وليس فاعلية، وأن المعصية التي إن جهر بها جازت غيبته وجاز تأنيبه هي المعصية الفاعلية. وما أكثر الحالات التي تشتبه فيها الأمور على الإنسان ويموّه عليه. 

الخلاصة

هذه بعض الفوارق بين الأخلاق وبين العلوم الأخرى، ولذلك نحتاج معها إلى التوسل بالله تعالى والإستمداد منه. ولولا أن يمدّ إلينا الله تعالى يد قدرته و يحفظنا ويعصمنا لما استطعنا أن نعمل شيئاً ولا أن نصل إلى النتيجة.

هذا وينبغي لنا أن نركز على الأخلاق حتى نصبح فيه كذي الفن الواحد وحتى نحصل على ملكة الفضائل والأخلاق، وعلى القلب السليم، فإنّه الإستثناء الوحيد في الآية المباركة:

﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلاّ مَن أتى الله بقلبٍ سليم[4]

فبهذا القلب السليم نستطيع مكافحة تثبيط الناس وتميه النفس الأمارة بالسوء.

فمتى أيقنّا أن طريق الأخلاق صعب وشائك وشعرنا في كل آنٍ أنه بحاجة إلى تفرغ ومثابرة وصبر (بل واستمداد مِن الله قبل ذلك كله)، وأن علينا أن نحذر الإنزلاق دوماً، فلنعلم حينئذٍ أننا بدأنا بسلوك الطريق، وأننا سوف نصل بالتوكل على الله إلى الغاية المتوخاة مِن بعثة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال:

(إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق)[5]

نسأل الله تعالى التوفيق لي ولكم.

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

 المصدر: كتاب محاضرات فكرية روحية تربوية- آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي الصفحات 109-120.

 


 

1- منية المريد ص 162-163.

2- الكافي: ج5،ص63

3-  الكافي: ج2، ص375.

4- سورة الشعراء 88-89.

5- بحار الأنوار: ج68، ص382.