مقالات و محاضرات

              

 

لتحيا الفيدرالية...

 

 

كتب هاشم صالح تحت عنوان :

الفيدرالية في العراق : أرقى نظام سياسي في العالم :

ربما كان العراق قد اصبح مختبرا للتطور والمعاناة الابداعية بالنسبة لجيرانه وللعالم العربي كله. وربما كان يدفع الآن فاتورة التقدم السياسي والحضاري عن الجميع. وما النقاشات الصاخبة التي تدور الآن حول دستوره العتيد إلا اكبر مثال على ذلك. ونتأمل ان تتمخض هذه المناقشات والولادة العسيرة المرافقة لها عن مولود جديد يكون قدوة لنا جميعا.

واول خطأ ينبغي تحاشيه هو الخوف من كلمة فيدرالية او ادانتها قبل فهمها فهما صحيحا. فالواقع ان ارقى الدول في العالم هي ذات نظام فيدرالي لا نظام مركزي صارم. نضرب على ذلك مثلا سويسرا. فهي تدعى بالاتحاد الفيدرالي السويسري لأنها تضم العديد من الكانتونات ذات الاستقلالية الذاتية والمرتبطة في ذات الوقت بالدولة الفيدرالية.

وبالتالي فالفيدرالية تعريفا هي عبارة عن مشروع سياسي يحاول التوفيق داخل الدولة الواحدة بين فئتين او عدة فئات متمايزة عن بعضها البعض لغويا، او دينيا، او مذهبيا. والفيدرالية تحاول ان تقنع هذه الفئات بالتعايش السلمي مع بعضها البعض في الوقت الذي تكون منفصلة ايضا عن بعضها البعض لكيلا تعتدي احداها على الاخرى.

بمعنى آخر فإن الفيدرالية هي عبارة عن تسوية صعبة تتم بين عدة فئات متصارعة او متنافسة على السلطة والنفوذ والثروة والوظائف داخل نفس البلد الواحد.

والبديل عن الفيدرالية هو الطغيان والاستبداد اقصد طغيان احدى الفئات على جميع الفئات الاخرى وقمعها والاستئثار بثروة البلاد وسلطتها بشكل كامل او شبه كامل. وهذا ما كان حاصلا في العراق على مدار ثمانين سنة من تأسيس الدولة العراقية بعد الحرب العالمية الاولى على يد الانكليز (1921) فطيلة العهد الانكليزي، ثم ما يدعى بالعهد «الوطني» الذي تلاه كان العراق المركزي وغير الفيدرالي محكوما من قبل فئة واحدة هي العرب السنة.

وهي فئة لا تشكل اكثر من عشرين بالمائة من عدد السكان. وهذا هو سبب اضطرابات العراق المتواصلة على مدارالسنين.

فتارة كانت الحكومة المركزية في بغداد توجه حملات الى الشمال لقمع الاكراد، وتارة كانت توجه حملات الى الجنوب لقمع الشيعة. ولهذا السبب فإن هذه الفئة هي وحدها التي ترفض النظام الفيدرالي الآن. ولذلك سبب واضح:

فهي غير مستعدة لأن تتخلى عن امتيازاتها التاريخية. انها لا تقبل بأن تشاطرها الفئات الاخرى، ولأول مرة، حكم البلاد وثرواتها. وهذا موقف متشنج يضر بالعرب السنة انفسهم لأن العام تغير ولأن الناس اصبحوا سواسية في عهد الحداثة الكونية.

ولهذا السبب فهم يتهمون الفيدرالية بالتقسيم والانفصال والخيانة!.. وهو فهم ضيق وخاطئ لكلمة الفيدرالية والحقيقة هذا النظام الحديث الذي تطبقه ارقى دول العالم: كالنمسا المؤلفة من تسع دول فيدرالية، والمانيا المؤلفة من ست عشرة ولاية او اقليما، وكل اقليم يشكل دولة مستقلة على المستوى الداخلي، وكندا المؤلفة من عشرة اقاليم مستقلة ذاتيا ومتحدة مع بعضها البعض في آن معا. وقل الامر ذاته عن استراليا المؤلفة من ست مقاطعات او دول، وبلجيكا المنقسمة الى ثلاثة اقاليم اساسية على الصعيد اللغوي. فواحد ناطق بالفرنسية، وثان ناطق بالهولندية، وثالث اصغر وهو ناطق بالالمانية.

وقد كان النظام الفيدرالي آخر ما توصل اليه علماء اوروبا وفلاسفتها بعد طول تفكير في الشؤون السياسية. وكان من اكبر مؤيديه الفيلسوف الالماني ايمانويل كانط، والفيلسوف الفرنسي مونتسكيو صاحب النظرية الشهيرة للفصل بين السلطات الثلاث: التشريعية، فالتنفيذية، فالقضائية. وهناك آخرون عديدون، بل وحتى فرنسا البلد الاكثر مركزية في العالم، اصبحت الآن تتبع سياسة اللامركزية وتعطي الكثير من الصلاحيات للاقاليم البعيدة عن العاصمة لكي تدير شؤونها بنفسها. فأهل مكة أدرى بشعابها، كما يقول المثل العربي.

لماذا اخترع فلاسفة اوروبا هذا النظام الفيدرالي الحديث؟ لكي يتحاشوا الحروب الاهلية والمجازر وتحكم فئة واحدة ببقية فئات الشعب واضطهادها لها من خلال احتكار السلطة لوحدها. فسويسرا مثلا منقسمة على نفسها تاريخيا من كلتا الناحيتين: الدينية واللغوية. فهي مؤلفة من مذهبين كبيرين متعادلين تقريبا من حيث العدد: المذهب البروتستانتي والمذهب الكاثوليكي والخصومة اللاهوتية بينهما لا تقل عمقا وخطورة عن الانقسام الحاصل بين السنة والشيعة في العراق.

الفرق الوحيد هو ان الفهم الليبرالي او العقلاني للمسيحية انتصر أخيرا في سويسرا وعموم اوروبا الغربية على الفهم الاصولي القديم. ولذلك خفت حدة الحزازات المذهبية بين كلا الطرفين الى درجة انهم اصبحوا يصلون مع بعضهم بعضا احيانا في نفس الكنيسة.. وقد ساهمت الحركة المسكونية، اي حركة التقريب بين المذاهب المسيحية وتجاوز احقاد الماضي، في تحجيم العصبية المذهبية هناك. والعراق لا يستطيع ان يفعل ذلك في المدى المنظور، وكذلك كل العرب، فالتطور صيرورة تاريخية معقدة وتتطلب عدة اجيال لكي تنجح ونحن لا نزال في بداية البدايات فيما يخص تحرير الفكر العربي من الرواسب الطائفية والمذهبية وتوليد عقلية اخرى جديدة غير عقلية القرون الوسطى (انظر مقالة مشاري الذايدي عن تجديد نظام التعليم في السعودية بتاريخ2005/8/23). ولذلك ارى ان النظام الفيدرالي هو انسب نظام للعراق وربما يفيد العراق في المدى المنظور. والسؤال المطروح هو التالي:

هل سنتوصل اليه قبل الحرب الاهلية أم بعدها؟ من المعلوم ان سويسرا لم تتوصل اليه الا بعد الحرب الاهلية بيالكاثوليك والبروتستانت. ولكننا نأمل ان تتحمل كل الفئات العراقية الكبرى مسؤولياتها وبخاصة العرب السنة والعرب الشيعة وان تتوصل الى الفيدرالية بدون حرب اهلية مدمرة سوف يخسر فيها الجميع وسوف ترتد وبالا على العراق وتدمره اكثر مما هو مدمر حتى الآن. فقد كفاه دمارا وخرابا. وشعب العراق يستحق مصيرا آخر.

ولكي نطمئن الجميع على ان الفيدرالية لا تعني الانفصال او التقسيم نقول لهم بأن السياسة الخارجية والمالية والدفاع الوطني والخطوط العريضة للاقتصاد القوي تظل من اختصاص الدولة الاتحادية التي سيشارك فيها الجميع بحسب احجامهم وقوتهم واما التعليم والشؤون الثقافية والبوليس والادارة المناطقية او المحلية فهي من اختصاص كل اقليم على حدة. وهناك علاقة جدلية بين الدولة الاتحادية والاقاليم المستقلة ذاتيا والموجودة داخلها.

فالدولة الاتحادية تتحكم بها بقدر ما تتحكم الاقاليم بالدولة الاتحادية وتؤثر عليها. وبالتالي فهناك علاقة تأثر وتأثير متبادل.

اخيرا سوف اقول ما يلي: ان اشهر الانظمة الفيدرالية في العالم هي: الولايات المتحدة الاميركية والمانيا والنمسا وسويسرا وبلجيكا وكندا والهند والمكسيك.. الخ. واما اسبانيا وايطاليا وانكلترا فهي دول لا مركزية، لكنها اصبحت تنمو الآن باتجاه الفيدرالية، والاصلاح الدستوري الجاري حاليا في ايطاليا سوف يحولها الى جمهورية فيدرالية عما قريب.

وحدها فرنسا من بين كل الدول الكبرى للاتحاد الاوروبي لا تزال دولة مركزية، ولكن كما قلنا سابقا فإنها ابتدأت تفكر بتطبيق نظام اللامركزية واعطاء الاقاليم صلاحيات واسعة وتسجيل ذلك في الدستور.

وبالتالي : 

فلتحيا الفيدرالية اذن! وليسقط نظام الاستبداد والطغيان والاستئثار الفئوي بالسلطات والثروات وليذهب الى غير رجعة!

المصدر :الشرق الأوسط - 27-8-2005