مقالات و محاضرات

 

 

تحت قبة البرلمان

 

  نزار حيدر

 

إذا تحولت طريقة تشكيل الحكومة العراقية المؤقتة الحالية ، إلى قاعدة ، فعلى العراق السلام ، إذ سنكون ، وقتها ، أمام كارثة حقيقية.

فهذه الطريقة التي اعتمدت الثالوث المشؤوم (المحاصصة والتوافق والفيتو) تؤسس لتفتيت النسيج الاجتماعي العراقي المنسجم ، منذ آلاف السنين ، وتزيد من قوة الانتماء العرقي والديني والطائفي ، على حساب الانتماء للوطن .

نعم ، قد نقبلها كحل استثنائي لوضع استثنائي ، من أجل أن نتجاوز به مرحلة استثنائية ، أما أن تتحول إلى قانون وقاعدة ودستور وطريقة عمل ثابتة ونموذج يحتذى ، يبنى عليه المستقبل ، فهذا ما يلزم أن يرفضه كل مواطن عراقي ، حريص على العراق وشعبه .

حتى كحالة استثنائية ، كان يمكن أن يتم الاعتماد على الفائزين بالانتخابات ، بالإضافة إلى من شارك فيها ، وان لم يفز ، لأن مجرد مشاركته فيها ، دليل على قبوله بقواعد اللعبة الديمقراطية ، كما يقولون .

أما أن نتجاوزهم إلى من رفض الانتخابات ، سواء من أيتام النظام البائد ، أو الإرهابيين ، أو من يدعمونهم بالفتوى الطائفية والمال الحرام والإعلام المضلل ، وغير ذلك ، من أجل ترضيتهم على حساب الدم العراقي الطاهر الذي تحداهم أيما تحد ، لإنجاح العملية السياسية ، فهذا أمر غير مقبول بتاتا.

إنها مكافأة خاطئة ، في الوقت الخطأ ، في المكان الخطأ ، لجهات خطأ ، نتمنى أن يضع الدستور العراقي الدائم المرتقب ، حدا لها ، ليطمئن العراقيون إلى أن عراقا جديدا قيد التأسيس والإنشاء ، لا يقوم على أساس المحاصصة ، بكل أنواعها .

ليس بالضرورة أن يكون التوافق على حساب المبادئ والدم ، إذ كان يمكن تحقيقه تحت قبة البرلمان ، التي تحتوي على كل أطياف المجتمع العراقي .

إن هذه الطريقة الخطيرة :

أولا ؛ تعرقل تقدم العملية السياسية ، ولقد رأينا جميعا ، كيف ولدت الحكومة الحالية ، بسبب اعتماد هذه الطريقة ، بعملية قيصرية دامت ثلاثة أشهر ، كاد الجنين أن يموت في بطن أمه ، لولا الإسعافات الطارئة التي شملته في اللحظات الأخيرة .

أما في كردستان العراق ، فلقد ظلت نفس الطريقة تعرقل التئام جمع أول برلمان منتخب بعد سقوط الصنم ، على مدة أربعة اشهر كاملة .

ثانيا ؛ إنها تشل فاعلية صندوق الاقتراع، بل قد تصيبه بالسكتة القلبية ، أو الدماغية ، لا فرق ، وتقضي عليه .

إن جوهر الديمقراطية ، هو الإذعان لنتائج صندوق الاقتراع ، أما جوهر المحاصصة والتوافق والفيتو ، فهو ، تجاهل عدد الأصوات المشاركة في أية انتخابات ، وعدم الاكتراث بها ، ما يعني ، أنها تلغي صندوق الاقتراع ، ولا تعيره أية أهمية .

كذلك ، فان جوهر الديمقراطية ، هو نظرية الأكثرية والأقلية ، أما المحاصصة وأخواتها ، فلا تعترف بهذه النظرية ، لأنها في الأساس تلغي صندوق الاقتراع الذي يحدد دون سواه ، هذه الأكثرية أو تلك الأقلية ، وهو الأمر المعمول به في كل النظم الديمقراطية المتحضرة في العالم .

نعم ، نحن نرفض الأكثرية والأقلية ، المبنية على الأسس الطائفية أو العرقية أو الدينية ، ونتمنى أن نصل بالعراق إلى أكثرية وأقلية سياسية ، تبني أسسها على الهوية الوطنية  فقط ، ولكن هذا لا يبرر للمحاصصين حماسهم أبدا .

والظريف في الأمر(أو قل ، المضحك المبكي) هو أن أشد المتحمسين للثالوث المشؤوم ، يتنكر له وينقلب عليه ، حال فوزه بأغلبية المقاعد في أية انتخابات عامة أو محلية ، كما هو الحال مثلا ، ما نراه الآن في كردستان العراق ، أو في أي مجلس بلدي آخر في العراق ، يكون الفائز فيه هو أحد المتحمسين للثالوث المشؤوم ، هذا يعني أن المحاصصين أنفسهم ، يرفضون الثالوث في قرارة أنفسهم ، إلا أنهم يتوسلون به ، ويلجأون إليه ، كلما فشلوا في حصد أغلبية المقاعد في هذه الانتخابات أو تلك ، فهم مصداق المثل العراقي المعروف الذي يقول (تريد أرنب ، خذ أرنب ، تريد غزال ، خذ أرنب) .

على كل الفرقاء ، أن يتركوا المراهنة على هذا الثالوث المدمر ، ولابد لهم من تحدي الضغوط الدولية والإقليمية التي تمارس ضدهم ، والتي تشجع على ذلك ، فان من مصلحة العراق أن يتم اعتماد نتائج صندوق الاقتراع في العملية السياسية وما يترتب عليها ، مهما كانت ، سواء وافقت الرغبات الذاتية أم عارضتها ، لنحترم رأي الشعب ، ولا نستخف بعقول الناس ، ولنتعلم كيف نتحدث تحت قبة البرلمان ، بعيدا عن بيوت الرفاق والغرف المظلمة ووراء الأبواب المغلقة ، ولنتعلم مناقشة كل شأن عام من فوق الطاولة ، وليس من تحتها .

إن الدول المتحضرة تحرص على مناقشة كل القضايا العامة ، تحت قبة البرلمان ، لأن ذلك ؛

أولا ؛ يعلم الزعماء ، فن الحوار والنقاش بوضوح وصراحة وشفافية .

إن البرلمان ، أكاديمية لتعليم فن الحوار والجدال بالتي هي أحسن ، بين الفرقاء .

ثانيا ؛ يذكر الزعماء ، دائما ، بالرقيب الحي (الشعب) ، ما يجبرمتحدثهم  على  استحضار المصلحة العامة ، عندما يناقش أمرا من الأمور ، دون كل المصالح والاعتبارات الأخرى .

ثالثا ؛ كما أنها مدرسة كبيرة للشعب ، الذي يتابع جلسات الزعماء على الهواء مباشرة ، فيشاركهم الحوار والنقاش وإبداء وجهات النظر ، كما أنه ، بهذه الطريقة ، يتعرف على زعمائه أكثر فأكثر ، فيكتشف المخلص منهم من الوصولي ، والكفوء عن غيره ، وصاحب الرأي والرؤية والنظرة العميقة للأمور ، عن السطحي خالي الوفاض من الفكر والرؤية ، والمتحمس لتحقيق حاجات الناس ، عن اللص الذي يتخذ من السلطة ، وسيلة للوصول إلى مآربه ، والى الثراء الفاحش من المال العام .

كما أنه ، بذلك ، سيطلع على تفاصيل الخطط والبرامج التي ستعتمد كمشاريع عمل للنهوض بمستواه الحياتي ، وعلى مختلف الأصعدة ، وكيف تتبلور هذه الخطط وتناقش المشاريع .

رابعا ؛ يرفع من مستوى الوعي السياسي العام ، لدى الشعب، وهذا ما يساهم، بشكل كبير، في ترسيخ مقومات النظام السياسي الديمقراطي.

ولهذا السبب ، على وجه التحديد ، تخشى الأنظمة الديكتاتورية الشمولية ، من تزايد الوعي السياسي لدى الناس ، لان العلاقة بين الاستبداد والوعي هي علاقة عكسية ، فكلما زاد الوعي السياسي لدى المواطن ، تقلصت حظوظ النظام الاستبدادي بالاستمرار ، والعكس هو الصحيح ، فكلما تقلصت دائرة الوعي السياسي لدى الشعب ، تمدد النظام الشمولي وتجذرت أقدامه في الأرض ، ولهذا السبب يحرص الديكتاتور على السيطرة على حركة المعلومة ، ويراقب حوارات الناس بعضهم مع البعض الآخر، بل يعمد إلى مراقبة حتى حوار المواطن مع نفسه ، والتجسس على أحلامه في المنام ، خشية أن يتساءل عما لا يعنيه ، أو ليس من اختصاصه ، برأي النظام ، كالميزانية العامة للبلاد ، مثلا ، والتي ظلت سرية للغاية طوال حكم نظام الطاغية الذليل صدام حسين .

خامسا ؛ وتحت قبة البرلمان ، نحقق مبدأ التداول السلمي للسلطة ، بعيدا عن لعبة الانقلابات العسكرية (السرقات المسلحة) ، فلن يدبر أمر بليل ، أبدا ، أما الثالوث المشؤوم ، فهو قاب قوسين أو أدنى من خيوط المؤامرة ، وهو يشبه ، إلى حد بعيد ، لعبة الانقلابات العسكرية ، ولكن بأقنعة جديدة ، وأدوات مختلفة ، وشعارات أكثر بريقا وجاذبية ، أما النتيجة ، فواحدة ، وهي ، في جوهرها ، سحق إرادة الشعب ، والتجاوز على صوت المواطن ، والاستهانة بخيارات الناس .

إذن ، تحت قبة البرلمان ، تكمن إرادة الشعب ، ولذلك يجب أن ينبثق منها كل شئ وينتهي إليها الأمر، لأنها مصدر الشرعية ، ومأوى الرقابة والمساءلة والمحاسبة .

يلزم أن يرتفع الجميع إلى مستوى الوعي بأهمية ما تحت قبة البرلمان ، ليتعاون الجميع من أجل بناء نظام سياسي ديمقراطي حقيقي راسخ ، لا يتزعزع ، أو تهوي به الريح في واد سحيق .

ومن أجل الوصول بالوعي العراقي إلى هذا المستوى من النضج ، أعتقد جازما ، بأن النصوص لا تكفي أبدا ، بل يجب أن تصدق النوايا التي في الصدور، فالزعيم الذي لا يؤمن برأي الشعب ، ولا يعتقد بصندوق الاقتراع ، لا تنفع معه النصوص والاتفاقات والأيمان المغلظة ، مهما كثرت وتعددت وتشبعت ، وتكررت تواقيعه عليها .

مرة ، نقل لي صديق ، قصته التالية مع شرطي المرور : 

يقول صديقي ؛ 

ذات مرة ، كنت أقود سيارتي مستعجلا في حالة طارئة ، فمررت بإشارة المرور الحمراء ، فتجاوزتها ، من دون أن أعير لها أي اهتمام ، فلحق بي شرطي المرور وأوقفني ، ليحاسبني على ذلك ، فبينما هو يحاول أن يعظني بسبب الخطأ المروري الذي ارتكبته ، وما يترتب عليه من مخاطر جمة محتملة ، ممسكا بالقلم ليسجل لي الغرامة المالية المترتبة على المخالفة ، بادرته بالقول ؛

أرجوك ، سيدي شرطي المرور ، سجل لي مخالفة إضافية على تجاوز الإشارة الضوئية التالية كذلك ، لتريح بالي وتستريح نفسك ، إذ ليس في نيتي التوقف عندها  كذلك .

صعق الشرطي من جرأتي وأسقط في يده ، متسائلا ، ولماذا ؟ وهو يظن بأنني أتحداه بوقاحة.

أجبته بالقول ؛ لأنه ليس في نيتي الالتزام بقانون المرور والإشارات الضوئية ، لغاية الوصول إلى غايتي .

وهكذا هو حال من ليس في نيته الالتزام بقواعد لعبة الديمقراطية ، فإذا لم يصدق النية ، ويقرر  في دواخله وأعماق نفسه ، الاعتراف بها والتوقف عندها ، فلا تنفع معه كل العهود والمواثيق والاتفاقات المبرمة ، حتى إذا وقع عليها بالحبر الأحمر القاني ، إذ ليس في نيته ، والحال هذه ، الالتزام بعلامات الديمقراطية وإشاراتها الضوئية ، وعلى رأسها ، احترام رأي الشعب وإرادته التي ترسمها صناديق الاقتراع .

النوايا ، إذن ، وليس النصوص ، هي التي ترسم معالم النظام السياسي الديمقراطي الجديد في العراق .

لقد كثرت الاتفاقات والبنود والمعاهدات بين العديد من الفرقاء واللوائح ، وفي كل خطوة سياسية جديدة ، تتكرر النصوص ، ويتجدد التوقيع بحبر جديد، وكأن كل فريق متربص بالآخر ، خائف منه ، في قلبه منه ريبة ، وكل ذلك بسبب عدم صفاء النوايا التي إن لم تحسن وتتغير فان احتمال تحقيق النجاحات يبقى ضعيفا دائما ، وهذا ما نراقبه الآن على الساحة السياسية في كردستان التي عادت إليها (أو كادت) أجواء التوتر بين الحزبين الكبيرين المتحالفين (استراتيجيا) ، إلى العلن مرة أخرى ، ما يذكرنا بظروف عقد التسعينيات التي شهدت ، بسبب ذلك ، اقتتالا داخليا مريرا ، كان المنتصر فيه ، خاسرا جملة وتفصيلا .     

إن عدم اكتراث الأنظمة الاستبدادية الحاكمة في البلاد العربية والإسلامية ، ومنها النظام البائد في العراق ، بجوهر القيم الديمقراطية ، وعلى رأسها ، قيم الحرية والمساواة والمشاركة والشراكة الحقيقية وحقوق الإنسان والحريات الشخصية ، وتاليا ، هروبها من تحت قبة البرلمان التي تحولت ، في ظلها ، إلى اصطبل كبير، أو زريبة ضخمة ، يجمع بين جدرانه الأربعة ، كل إمعة ناعقة ، صماء بكماء عمياء لا تصغ إلا للزعيم الأوحد ، ولا تتكلم إلا بما يرضيه ، ولا ترى إلا ما يقربها إليه زلفى ، إن ذلك ، هو الذي أنتج كل هذا التخلف المرعب الذي تعيشه الشعوب العربية والإسلامية ، وهو السبب الحقيقي الكامن وراء الهزائم المتتالية التي شهدتها الأجيال المتعاقبة ، الواحد تلو الآخر ، بدءا من ما بات يعرف بهزيمة حزيران (عام 1963) والتي تصادف ذكراها هذه الأيام ، ومرورا بآخر هزيمة تسببت بها هذا النوع من الأنظمة ، وأقصد بها هزيمة النظام السياسي العربي القومي العنصري السني الطائفي ، المتمثل بنظام الطاغية الأرعن الذي كان قد سلم البلاد والعباد إلى المحتل الأجنبي ، من دون عناء أو مقاومة تذكر ، ليختفي في جحر، ويستخرج من بالوعة ، وهو البطل القومي العروبي الاستثنائي الأوحد.

إن التجاوز على ما تحتضنه قبة البرلمان، من إرادة شعبية انتخبت ممثليها عبر صندوق الاقتراع، وبأية حجة أو دليل ، ستجر البلاد إلى نفس النهايات التي انتهت إليها بلداننا ، وعلى مدى نصف قرن أو أكثر ، ولذات السبب ، ولذلك ينبغي لزعماء العراق الجدد ، سواء أكانوا في السلطة أو خارجها ، أن يتعلموا من تجربة الأنظمة سيئة الصيت ، من أجل حاضر أفضل ومستقبل أأمن .

نتمنى أن لا يرد في مسودة الدستور الدائم، الذي كلفت لجنة خاصة بتدوينه، أي نص أو كلمة، بل ، ولا حرف واحد ، يشم منه رائحة الثالوث المشؤوم ، حتى لا نؤسس العراق الجديد على قاعدة خطأ ، لا تغفرها لنا الأجيال القادمة ، وليتذكر الجميع ، بأنهم يدونون ويصوتون للمستقبل ، وليس للحاضر فقط ، ولذلك ، يجب الأخذ بنظر الاعتبار مصالح الأجيال القادمة ، وعدم الانشغال بالبحث عن حلول للمشاكل الآنية فقط ، مهما تعقدت .