مقالات و محاضرات

 

 

ما زلنا في انتظار الاستحقاق البرلماني...

 

جميل عودة*

 

1- يترقب الشارع العراقي على أحر من الجمر نبأ انعقاد الجمعية الوطنية بكامل أعضائها. حيث مضت أسابيع على أول انتخابات برلمانية حرة في العراق في الثلاثين من كانون الثاني 2005، وما زلنا ننتظر من القوائم الانتخابية الفائزة الإعلان الصريح عن حكومتها المرتقبة.    

فهل تتمكن القوى السياسية المنتصرة لتوها في البرلمان العراقي الجديد، أن تثبت استحقاقها للفوز بثقة الجماهير العراقية؟

ثلاثة قوائم انتخابية لها حصة الأسد في مقاعد البرلمان، قائمة الائتلاف الموحد، وقائمة التحالف الكردستاني، والقائمة العراقية، وقائمة الائتلاف الموحد التي حصلت على 140 مقعد من أصل 275 مقعد، هي التي سوف تقود المعركة من اجل القيادة، وهي التي سوف تظفر بالنصيب الأكبر ، ولكن لن تتمكن من نصيبها حتى تشرك الآخرين في الأنصبة الباقية، لان المعارك السلطوية في العراق، لم يعد مثل الأول، حيث كان نفر من الانقلابيين يسطون على القصر الرئاسي في ساعة متأخرة من الليل، ليعلنون في الصباح ملكيتهم الخالصة لكل سلطات العراق وثرواته، إنما صار لتقلد المناصب الحكومية في العراق الجديد أصول وقوانين وآداب، وما لم تتمكن الكيانات السياسية منفردة من مسك مفاتيح اللعبة الديمقراطية بإرادة جماهيرية حرة، لن تتمكن من أكل حتى نصيبها، وقد تفسد اللعبة، وهي ترى الفساد بأم عينها دون أن تحرك ساكنا.

2- ولكي تتوج قائمة الائتلاف انتصارها بتشكيل حكومتها المرتقبة، فأنها بحاجة إلى قرابة 184 صوت مؤيد، حتى تستكمل النصاب القانوني المحدد، أي ثلثي أعضاء الجمعية الوطنية، وهو العدد اللازم لتأليف حكومة وطنية بنص قانون إدارة الدولة المؤقت. وبالتالي فهي أمام خيارين لا ثالث لهما، احدهما أصعب من الثاني، فقائمة الائتلاف الموحد إما أن تأتلف مع قائمة التحالف الكردستاني الحاصلة على 75 مقعد، لكي تتمكن من تأليف حكومتها، بلا حاجة إلى القائمة العراقية التي أحرزت المرتبة الثالثة، وإذا ما تحقق هذا الائتلاف الثنائي بين قائمتي الصدارة، فان من المتوقع أن تلعب القائمة العراقية دور المعارض للحكومة في الوسط البرلماني. أو تأتلف قائمة الائتلاف الموحد مع القائمة العراقية التي حصلت على 40 مقعد لتشكيل الحكومة الوطنية، ولكنها فيما لو حصل هذا الائتلاف سوف تظل بحاجة إلى مقاعد إضافية يلزم جمعها من الكيانات السياسية الأخرى التي حصلت على مقعدين.    

وبالتالي فإذا كانت العملية السياسية محصورة في ثلاث قوى أساسية، فلماذا تأخر التحالف السياسي من اجل تأسيس الحكومة العراقية المنتخبة، بعد أن أجريت الانتخابات على أحسن وجه، في ظل ظروف أمنية اقل ما يقال فيها أن الناخبين العراقيين يراودهم شعور بأنهم يزحفون طواعية نحو موت. هذا ما يطرحه الشارع العراقي في المجالس والمحافل والندوات الاجتماعية والسياسية، وهذا ما يجب أن تجب عنه تلك التكتلات السياسية الفائزة.

3-إن من المهم القول إن العمل السياسي في العراق الجديد ما زال في طور التكوين، حيث لم تكتمل معالم الخريطة السياسية ورسومها، لا على مستوى النظام السياسي العام، ولا على مستوى الحكومة والإدارة، من هنا يصعب تحديد الأولويات السياسية الوطنية الملحة، لان هذا التحديد يعتمد في الأساس على مصالح الأحزاب والكيانات السياسية التي بدورها تعبر عن منافع شرائح اجتماعية مختلفة كلها تريد أن تشترك في رفع الحجر؛ لا أن تتشرف برفعه وحسب، بل لتضع مبادئ حقوقها ومصالحها فيه ضمانا للتمتع بها فيما بعد. وهذا يعني أن فلسفة " أعطيني وخذ" في مرحلة التأسيس هي الفلسفة السياسية الحاكمة على سلوك الكيانات السياسية التي تبوأت مقاعد الجمعية الوطنية، وتظل هذه الفلسفة قائمة حتى يقتنع الأطراف بان القسمة كانت قسمة عادلة.

ومن هنا فان الائتلافات السياسية التي دخلت قبة البرلمان العراقي هي ائتلافات إنشاء وتأسيس، مهمتها الأولى تدوين المعايير والقواعد والمراجع العامة التي يرجع إليها في تمشية شؤون الدولة والحكومة، في قالب دستوري مكتوب يكسب مكانته وحصانته القانونية من قبول الإرادة الشعبية له، هذا أولا، وتشكيل حكومة عراقية مؤقتة بإرادتها التوافقية مهمتها إدارة شؤون السلطة حتى عشرة أشهر بالكثير، هذا ثانيا.

تأخر انعقاد جلسة الجمعية الوطنية الأولى مدة شهر ونصف الشهر، لم يكن مخالفة دستورية لقانون إدارة الدولة المؤقت، لان الدستور المؤقت لم يحدد فترة انعقاد أول جلسة لجمعية الوطنية، ولكن تلبية طموح الناخب العراقي، في أن يرى نوابه وهم يجلسون على مقاعد المجلس هي القضية التي تطرح بقوة، وتضع العديد من الأسئلة الضرورية وغير الضرورية التي تحرج التكتلات السياسية في البرلمان. والبحث عن المكاسب السياسية ينبغي أن لا يفسد العملية السياسية فيحول أطرافها الرئيسية إلى قوى متصارعة تندفع وراء طموحاتها الحزبية في تولي مناصب وزراية، لان المهمات السياسية التي تقع على عاتق التكتلات البرلمانية هي أنبل بكثير من أن يشغل الفرد الفلاني من هذا الحزب وزارة الخارجية أو أن يتولى ذاك الشخص منصب رئاسة الوزراء، فالعبرة هنا هو أن يقدم البرلمانيون أقصى الجود بالنفس لا التنازلات المتقابلة فقط، لان شعبا مثل شعب العراق يستحق الكثير من التضحية.

4- وبالتالي فان الأحزاب السياسية في البرلمان العراقي الجديد، مطالبة قبل غيرها في:

تحديد وقت انعقاد الجمعية الوطنية تحديدا مؤكدا، لان الإعلان عن الجلسة الأولى يترك انطباعا ايجابيا لدى عموم الشعب العراقي، ويمحو سوء الظن وكثرة الشكوك في عدم قدرة البرلمانيون في إدارة شؤون البلد ديمقراطيا.

أن تبادر الأحزاب السياسية جميعها، بالتضحية بمصالحها الشخصية مقابل المصلحة العامة بالتنازل عن بعض حقوقها في المناصب الوزارية والسيادية، وأن تولي القضايا الكبرى الأهمية القصوى.

أن تطرح المطالب والحقوق الاجتماعية والسياسية في قاعدة البرلمان، ليصوت عليها البرلمانيون بالإيجاب أو السلب أمام أنظار الشعب العراقي.

انجاز المسؤوليات الرئيسة المناطة بالجمعية الوطنية في الزمان المحدد لها بحسب قانون إدارة الدولة المؤقت. لان انتهاء عمل الجمعية في الوقت المقرر من شانه أن يوحي للشعب العراقي أن القوى السياسية البرلمانية كانت أهلا لهذه المهام والمسؤوليات.

 

*باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث

 

Shrsc.com