مقالات و محاضرات

 

أين إعلامنا؟

 

المهندس فؤاد الصادق

 

اين إعلامنا مِن إنجازات وإمكانات التطور المتنامي المتسارع في تقنيات الإتصال والمعلومات؟

وأينْ يقف إعلامنا من التحديات الكبيرة التي أفرزتها ثورة تكنولوجيات الإتصال والمعلومات؟

لنستعرض جوانب موجزة من الأمرين:

●في ظل الثورة الرقمية العظمى التي ما تأخرت يوماً عن إحداث وخلق إنفجارات وهزات تقنية هامة وفاعلة في التعاطي مع الفكر والثقافة، وتنميط سلوكيات الآخرين، والذي مِن أبرزها ولادة تقنيات خاصة بنشر وزرع الأفكار الذي بات يُعرف بـ:

(تقنيات بث الأفكار)[1]

أجل، تقنيات بث الأفكار التي من أبرز مظاهرها تنشيط التفاعلية المستمرة بين المُرسِل والمُتلقي.

(تقنيات بث الأفكار) عبارة مُنَمّقة قلّموا أظافرها لتكون مُستساغة ودية جذابة تُبررُ للوجه المُنفِّز الآخر الذي لا يعدو عن:

(تقنيات زرع الأفكار)

(تقنيات قولبة سلوك المُتلقي)

(تقنيات قولبة نظرة المُتلقي إلى العالم الخارجي)

(تقنيات قولبة مواقف المُتلقي الفردية)

(تقنيات قولبة المواقف الجماعية للمُتلقي)

(تقنيات اختراق لأوعيّ المُتلقي و تنميطه)

وتقنيات... وتقنيات تُساندها بكل فاعلية آخر النتاجات والإفرازات العملية للبحوث النفسية، الاجتماعية والنفسية الاجتماعية التي تتمحور حول:

أحدث وآخر الأساليب والوسائل والآليات والحجج الإقناعية اللازمة للخطاب الإعلامي، لدفع المُتلقي إلى تأييد ما ورد فيها في اللاوعي أو اللاشعور، حتى أن لكثير من وسائل ومراكز الإعلام أسست بنوكاً معلوماتية مستقلة لهذه الأساليب والحجج الإقناعية الخاصة بالإعلام.

● وبلغ الأمرُ حداً سمح لبعض دعاء الهيمنة العالمية التصريح بأنَّ:

الهيمنة لمْ تُعدْ مُمكنة بالمال والإقتصاد والسلاح، بل لابدَ من السيطرة والتأثير على نُظم المفاهيم وامتلاك تكنولوجيات العقل التي أوشكت تُمثل تكنولوجيات العصر السياسية.

و وعت هذه المجموعة من الطامعين للتسلط على العالم الدور الحيّوي لتكنولوجيات العقل أو تكنولوجيات السياسة، ولهذا عادت جادة أكثر بكثير في نشر أفكارها و وجهات نظرها السياسية حول قضايا العالم، وتبرير حروبها ومواقفها وإنحيازها لهذه الدولة أو تلك و....، و على هذا الطريق جاءت ولادة ما يُسمى بـ :

(دبلوماسية الشبكات)

وراح آخر يُصرح ـ ودونما أي حرج ـ:

(إذا اُريد للهيمنة الإستمرار، فلابد من السعي إلى تدجين النفوس، ومراقبة العقول)

●حدد الرئيس جورج دبيلو بوش أهداف الإذاعة الأمريكية الجديدة بتاريخ 25/2/2001 خلال إحتفال بالذكرى السنوية الستين لإنشاء إذاعة صوت أمريكا في:ـ

(خلق فهمٍ أفضل لمبادئ و تحركات الولايات المتحدة الأمريكية)

فيما صرح الجنرالُ ويزلي بأن:

(الحرب الحديثة لها أربعة أسس هي: الإعلام، العلاقات العامة، ومِن ثم: التعاون مع الحلفاء والتوافق بين البنتاغون والخارجية).

●أن المحطات التلفزيونية الفضائية والصحف إنتاجها بالكمبيوتر، وبثها عبر الأقمار الصناعية. وهذا ليس إلا الخطوة الأولى لثورة تكنولوجيا المعلومات، ولاسيما إذا نظرنا إلى عشرات ـ بل مئات ـ الأقمار الصناعية التي شقت طريقها إلى السماء في الأعوام الأخيرة من القرن العشرين.

ومنها كمثال: الثريا، عربسات، إنمار سات، إريد يوم، سكاي بريدج، آيكو، جلوبال ستار، ورلد سبيس، تيلديسك وأوديسي، والتي تتجاوز كلفتها عشرات المليارات نعم عشرات المليارات من الدولارات وبمنافسات محتدمة وعمليات إندماج لا مثيل لها في الحجم... والنمو والتطور المتسارع وإلى حد كبير عاد معه من الصعب اللحاق به في تأمين أسماء ومفاهيم للأجهزة والمؤسسات والتقنيات الجديدة، فمثلاً مازال البحث قائما حول:

الاسم الذي يمكن إطلاقه على البث التلفزيوني عبر الشبكة العالمية www و...

●وتطورت التقنيات المرتبطة بالإعلام وتعددت وتكاثر إنتاجاتها إلى حدٍ أقلق الخبراء تجاه إفرازاته وفتح مئات وربما أكثر من ذلك من هذه البحوث المقلقة، كالذي يُطلق عليه:

(طوفان المحتوى)

الذي يمكن أن يزيد في تضليل المجتمع بدلاً من توعيته.

● لم تتأثر التغطية الخبرية فحسب إلى حد كبير ـ بالتطور الثوري لتكنولوجيات الكمبيوتر، الفضاء و الإتصالات، بل راحت مهنة الصحافة مثلاً تواجه أخطر التحديات التي لم تصادفها منذ ظهور المطابع في القرن السابع عشر، ولاسيما حين إنضمت عدة صحف عربية إلى صفوف هذه التغييرات المستجدة، و التي أطلقها النشر الإلكتروني على شبكة الإنترنت و الشبكة العالمية:  www.

فدخلت الصحافة العربية هذا العالم لأول مرة عام 1988 ليصبح إصدار الصحيفة يتم بالكامل عبر عمليات إلكترونية متكاملة بدءاً من تلقي أخبار الوكالات والمراسلين والبحث عن المعلومات المكتوبة والمصورة، وذلك من وكالات وبنوك المعلومات الدولية، مروراً بمعالجة الأخبار والتقارير وكتابة المقالات وتحريرها وتصحيحها، وتصميم الرسوم والصور وإعدادها، وتركيب الصفحات وإنتهاءاً ببثها إلى:

مراكز الطبع في العواصم المختلفة.

إضافة إلى إمكانية بث جميع هذه الصفحات إلى أي جهاز كمبيوتر متصل بالشبكة. وليس هذا فحسب بل ويمكن أيضاً وأثناء إنهماك المحرر في كتابة مقالته على الكمبيوتر تواصل الملفات ـ و هي على الشاشة ـ استلام آخر التقارير التي تبثها وكآلات الأنباء التي تشترك الصحيفة في خدماتها، وإضافة إلى تقارير مكاتب الصحيفة نفسها في العواصم الأخرى، إضافة إلى استطاعتها في نفس الوقت من تلقي محتويات كبريات الصحف العالمية ـ وحسب اشتراكها ـ وذلك في يوم سابق لصدورها، وبشكل يحث استخدام موادها.

فمثلاً صحيفة الحياة التي تصدر بطريقة الكترونية متكاملة متصلة تتلقى محتويات صحيفتي : (نيويورك تايمز) و (فاينانشال تايمز) في اليوم السابق لصدورها ويحق لها استخدام موادها.

هذا وهناك برنامج خاص يقوم بمعالجة الأنباء والتقارير تلقائياً، بل ويوزعها فور إنجاز ذلك على المحررين و الأقسام حسب الطلب. ويمكن لكل محرر فتح ملفات أخرى حول مواضيع محددة يريد معرفة آخر التطورات والمستجدات بشأنها، كما يمكنه طلب خلفيات عن أي موضوع من بنوك المعلومات الخمسة التي تشترك الصحيفة فيها.

إضافة إلى تمكن كل محرر من طلب خلفيات عن أي موضوع من بنوك المعلومات فهرساً بنحو 124 تقريراً بلغات عالمية عدة. ويمكن لمحتويات هذه التقارير أن تُشكل كتاباً عن الموضوع في أكثر من ألف صفحة.

●أما عن الفرص الذهبية التي قدمتها التطورات التكنولوجية، فأكثر هذه التطورات في الصحيفة إثارة للخيال، هو ما حدث لقسم الإنتاج الصحفي.

فهذا القسم الأساسي الذي كان يتكون من أجهزة التنضيد والتصوير والرسم والتصميم والتركيب ومعداتها. لم يعد يحتل بمجموع حجمه البشري والفني والمكاني وتكلفته أكثر من ربع الحجم العام للصحيفة، بل أقل من ذلك إذا عرفنا أن قسم بث الصفحات الجاهزة قد تحول إلى مجرد لمسة أنامل من المصمم على لوحة المفاتيح أو الماوس.

ففي الإنتاج الإلكتروني يقوم شخص واحد ـ أمامه جهاز كمبيوتر و إلى جانبه ماسحة (اسكنر) ـ بجميع عمليات الإنتاج ابتداءً من تصميم المواضيع والصفحات وتجهيزها بالخطوط والرسوم والصور، ومروراً بتنفيذها وتركيبها وتصويرها وطبع الأفلام، وانتهاءً ببث الصفحات إلى مراكز الطبع في العواصم العربية والعالمية.

وهنا لا يتم استخدام ورق ولا عمليات لصق ولا صمغ ولا قياسات للصور ولا أحماض ولا ماكينات ضخمة مكلفة، حيث تنتقل الصور الفوتوغرافية المرسلة الكترونياً عبر الشبكة المحلية، والصور الفوتوغرافية الورقية تحول عبر الماسحة إلى شاشة المصمم. مباشرة، وعلى الشاشة تجري للصورة عمليات تعديل قياساتها ومواصفاتها المختلفة.

●أما الأرشيف فصار أرشيفاً إلكترونياً، وصار للصحف ممكناً الإستغناء عن الأرشيف التقليدي الذي كان يحتل أدراجاً ومساحات واسعة. ومن الواضح أن أرشيف الصحيفة هو ذاكرتها التي تحتوي على مليارات المعلومات المخزونة على شكل معطيات الكترونية في أدراجها الخاصة، وفي بنوك المعلومات الفورية، وشبكة الإنترنت، فبنك (ديالوج) الأمريكي مثلا يضع تحت تصرف الصحف المشتركة فيه ملايين المعلومات، منها على سبيل المثال أحدث المعلومات حول ملايين الشركات العربية وغير العربية علاوة على محتويات عشرات الألوف من المجلات العلمية والتكنولوجية والإقتصادية والسياسية، ويجري تحديث محتويات هذه المجلات والمطبوعات التي تضاف إلى بنك (ديالوج) و يحتوي أيضاً على ملايين براءات الإختراع من (55) بلداً حتى عام 1997م.

●ومما هيئه الإنتاج الإلكتروني لإعلام ليُسهل القيام بالمسؤولية الحضارية من جهة، ويُتم علينا الحجة أكثر هو تأمين حرية التعامل عبر الحواجز اللغوية، فأذابت وبسخاء الحدود التي تفصل بين نص باللغة العربية أو نصوص باللغات الإنجليزية أو الفرنسية، حيث يمكن استدعاؤها و معالجتها في آن واحد على الشاشة، وترجمة النص إلى آخر، أو تضمين نص عربي بكلمات من نصر إنجليزي و بالعكس.

وليس هذا فحسب بل بالطريقة نفسها يمكن استدعاء رسوم الجرافيك واستبدال شروحها الإنجليزية بترجمتها العربية، وخلال دقائق قليلة فقط يظهر رسم الكرافيك الذي أرسلته وكالة (رويتر) مثلاً أو (اسوشيتد برس) بخط عربي جميل، يتم اختياره من بين عشرة خطوط يمكن الاختيار بينها، وادخالها مع الجرافيك ضمن الصفحة مباشرة.

● ولم يتوقف الدعم التكنولوجي عند هذا الحد بل تجاوزه إلى تناول التكاليف الباهظة للإنتاج الصحفي الإلكتروني الذي كان يبلغ ملايين الدولارات وخرج منتصراً وقدم للرأس مال المحدود مشروعه في تخطي هذا المانع الاستراتيجي القديم، حيث إن الإنتاج الإلكتروني لأي صحيفة يومية لم يكن ممكناً ـ قبل نحو عشرات سنوات ـ ما لم يتوفر له جهاز كمبيوتر ضخم، يكلف مع إجهزته ونفقات تأسيسه وإدارته ملايين الدولارات، لكن الحال تغير وتماماً بعد ظهور الكمبيوتر الشخصي، لأن هذا الكمبيوتر الشخصي لم يعد شخصياً كما هو اسمه، إلا اللهم من جهة الحجم المنضدي وسهولة النقل و التدرب و الكلفة الإقتصادية، لكن قوته جعله قادراً على القيام بوظائف أجهزة الكمبيوتر الضخمة من حيث الإنتاج والتخزين والسعة والتصميم وغير ذلك، فالكمبيوترات الشخصية وحدات إنتاجية قائمة بحد ذاتها، و هي في الوقت نفسه محطات في شبكة الكترونية.

وإضافة إلى كل الإنجازات المتقدمة، فإن ما سبق يساهم أيضاً في تسهيل بناء الإنتاج الإلكتروني للصحيفة على أساس لا مركزي، وهي قفزة حاسمة و في غاية الحساسية تظهر أهميتها المباشرة في الجانب الإقتصادي أولاً، والأمني ثانياً. وفي القيمة المضافة لتفاعل هذين الجانبين ثالثاً.

وبهذا أمكن إنجاز وإنتاج الكتروني متكامل لصحيفة يومية بكلفة زهيدة، وبطريقة لا تهددها مخاطر وجود جهاز كمبيوتر مركزي يمكن بإرباكه أو بعطله أن ينتهي إلى شل العملية الإنتاجية برمتها أو انهيارها. حيث يتم الإنتاج الإلكتروني للصحيفة عبر أجهزة ومحطات متعددة، كي لا ينتهي توقف أحدها إلى عطل النظام كله، علماً أنه بتبنيّ الإنتاج الالكتروني نتمكن وبكفاءة متابعة التطور العاصف السريع المتزايد المتواصل الذي يميز التكنولوجيا الالكترونية، أي يمنحنا نظاماً قادراً على تغيير أجزائه وتفاصيله مع استمرار العمل.

● وضمنت التطورات الأخيرة دخول الصحيفة إلى كل مكتب وبيت و مكتبة ومحل و.... وبكل سهولة، فحين تحولت الصحافة من الصحافة التقليدية إلى صحافة الشبكات ـ بالمعنى المتقدم ـ وراح عدد من الصحف العربية كالحياة والشرق الأوسط والنهار، وعدد من العالمية كواشنطن بوست ونيويورك تايمز الأمريكية، وتايمز وديلي تلجراف و ايفننج ستاندرد البريطانية، كلها تُصدر طبعات الكترونية خاصة على شبكة الإنترنت وبذلك أصبحت الآن هذه الصحف في متناول ملايين المشتركين في شبكة الإتصالات العالمية World Wide Web والتي يُطلق عليها إختصاراً: (ويب) أو (www) وهي تتيح لكل مشترك أينما كان أن يقرأ الصحيفة على شاشة جهازه الشخصي صباح كل يوم.

ولا يحتاج الشخص إلى اكثر من جهاز كمبيوتر، وجهاز مودم يربطه بالهاتف، وبرامج تتيح التجول في أرجاء الشبكة ـ في كثير من البلدان ـ ما بين (10- 30 ) دولار شهرياً.

● كما خففت هذه التطورات وما رشح عنها الرقابة على المطبوعات، وضربت بالبيروقراطية المرسومة عرض الحائط، لكون نقلها يتم عبر الإشارات الإلكترونية إلى القارئ مباشرة عبر خطوط الهاتف والأقمار الصناعية.... وبدأت تلعب بمصير الصحافة الكبيرة التي تستمد إنتشارها، ونفوذها ومواردها الإعلانية من قدرتها على الوصول إلى أكبر عددٍ من القراء، وبلغ القلق مبلغه حتى عاد البحث والنقاش جدياً للإجابة على:

● كيف ستصمد الصحافة الكبيرة في وجه منافسه الصحافية المحلية (!) الصغيرة؟

لأنه مع توافر تكنولوجيا النشر والتوزيع العالمي لكل من يستخدم بضعة أجهزة كمبيوتر شخصي و مودم و هاتف.

وطال النقاش حول إمكانية إطلاق اسم (صحيفة محلية) على صحف عربية محلية تصدر حالياً طبعات الكترونية عبر الشبكة على الصعيد العالمي، وحجم التأثير الذي يمكن أن تتركه على الصحف العربية الدولية التي تمتلك إمتيازاً للوصول إلى القراء يومياً في معظم بلدان العالم إلى غير ذلك، علماً أن التقنيات الحديثة المتسارعة عالجت في صحافة الشبكات الحصول على الطبعة الورقية أيضاً، بل و أكثر من ذلك قدمت حلاً لإيصالها المدن الصغيرة والأماكن النائية. فماذا تنتظر أكثر من ذلك؟

نعم عاد الحصول على طبعة ورقية لأي صحيفة معروضة على الشبكة أمراً ممكناً ومُيسراً، وتقوم بذلك مكاتب متخصصة ظهرت أخيراً، و يتعاقد البعض منها مع الصحف حول تقديم هذه الخدمات، ويتوقع إنتشارها في المدن الصغيرة والأقاليم النائية التي يصعب إيصال الصحف إليها، أما حالياً فهي تنشط حالياً في الأماكن التي تحفل بالمناسبات العالمية كالألعاب الأولمبية التي يحضرها جمهور غفير من بلدان مختلفة، يرغب في قراءة صحيفته المحلية المُفضلة.

وستُحدِث مكاتب الطبع المذكورة قفزة نوعية أخرى في عالم النشر حين تتوجه نحو التعاقد مع الصحف (بل وحتى الكتب والأبحاث) المحلية لطبع موادها و بثها حول العالم.

كان هذا بعض الإمكانات والإنجازات التي جندتها التقنيات و التكنولوجيات المعاصرة للإعلام.

لكن في الوقت نفسه التحديات كبيرة جداً

●أجل التحديات كبيرة في الوقت نفسه كبيرة جعلت مثلاً خبراء التلفزيون ـ الغربيون و العرب ـ على التحذير من تحول عصر المعلومات العظيم (الذي تفاءلوا به من قبل) إلى عصر التشويش الكبير، ويكررون ويعيدون سؤالهم:

(كيف يمكن كسب الرهان على البرامج و المحتوى، إذا كانت الشركات الكبرى تنفق مليارات الدولارات، لشراء حقوق البرامج و الأفلام وإحتكارها؟)

وهل إنتهت الإنجازات و الإمكانات التي قدمتها التطورات المتسارعة للإتصال والمعلوماتية والكمبيوتر؟

وهو متواصل فهذا الراديو الفضائي، وبعده راديو الإنترنت و....و.... وكل صباح بل في كل ساعة خدمات و وسائل و إمكانات جديدة، فالمطلوب كي نبدأ.

● فقد أصبح متاحاً أن يحمل أي فرد راديو ترانزيستور صغير في كفه، وهو متعدد الوظائف يستقبل البث الإذاعي عبر الأقمار الصناعية مباشرة، ويمكن تشغيله بالبطارية أو التيار الكهربائي الرئيسي أو الطاقة الشمسية. وهذا الراديو الفضائي سيكون متعدد الوظائف يحتوي على شاشة بلورية صغيرة تعرض رسائل النداء، الفكس ومعطيات الكمبيوتر وصور الفيديو و...، وهذا الراديو سيُضاهي ـ من ناحية جودة البث ـ موجات FM، وينافس في نقاء الصوت الأسطوانات المدمجة أو المضغوطة الـ CD.

ويعمل نظام البث الإذاعي الرقمي عن طريق إرسال الإشارات الإذاعية من خلال طبق إرسال صغير إلى قمر صناعي ثابت في المدار الجغرافي.

ويقوم القمر الصناعي بإعادة الإرسال مباشرة إلى ملايين أجهزة الترانزيستور المحمولة، ومن الجدير بالذكر أن سعر هذا الراديو هو العامل الأهم والحاسم في تطويره لأنه موجه بشكل خاص لسكان الدول النامية.

لماذا؟

و ما الذي يمليه علينا!؟

و ما الذي يوفره لنا!؟

علماً أن شبكة الراديو الفضائي (وورلد سبيس) تستخدم ثلاثة أقمار صناعية، وتغطي بها القارات النامية الثلاث، أفريقيا وأسيا وأمريكا اللاتينية، وكان ضمن خطتها إطلاق أول قمر لتغطية المنطقة العربية وأفريقيا، وتشمل تغطية كل قناة (14) مليون كيلومتر مربع...

فأين كان البث الإذاعي.. و أين أمسى و....

وعلى الرغم من كل هذا فإن مشروع الراديو الفضائي يعتبر مشروعاً متواضعاً للمشاريع الأخرى والقادمة مستقبلاً من الفضاء. وعلى سبيل المثال لا الحصر. فما زالت شركة (الكاتيل) الفرنسية تعمل لبناء كوكب يضم (48) قمراً لمشروع الهاتف الفضائي (جلوبال ستار)، و هي تُطورُ مشروعاً جديداً لبناء كوكبة أخرى من أقمار الإتصالات، و تتكون الكوكبة التي أطلق عليها اسم (اسكاي بريدج) أي الجسر السماوي من (64) قمراً، تقوم بتقديم خدمات الإتصال المتفاعلة و المتعددة الوسائط (MuHimedia) وتشكل كوكبة الأقمار الجديدة هياكل إرتكازية من نوع متقدم قادر على:

تأمين جميع أنواع خدمات الإتصالات الصوتية والمرئية وتراسل المعطيات وليس هذا فقط وإنما:

هذه الكوكبة من أقمار (اسكاي بريدج) تغطي الكرة الأرضية كلها براً وبحراً، وتتيح أيضاً نقل المكالمات الهاتفية ورسائل الفكس، و تستخدم التقنية التفاعلية لنقل البث التلفزيوني والإذاعي بإتجاهين، هذا وتدعم (اسكاي بريدج) إقامة خدمات هامة عديدة وكثيرة أخرى...

ويحتار المرء في الاسم الذي يريد اختياره لهذا الجهاز فإذا قلنا إنه:

(( راديو الإنترنت التفاعلي متعدد الوظائف))

فربما لا يؤدي الغرض تماماً، وقد يكون الأفضل تسميته بـ :

(( الراديو التلفزيوني))

وذلك من شأنه تعديل التحكم الإحتكاري البيروقراطي بالإعلام، و ينقله جزئاً أو كلاً إلى المستمعين والمشاهدين وموردي المعلومات، و ينتقل الجمهور من الإستهلاك السلبي إلى تجنيد هذه الإمكانات كقوة التسجيلات الصوتية والمرئية وذكاء الكمبيوتر ومعلومات الإنترنت إلى جانب الامكانات التي تؤمنها الشبكات الرقمية لكل فرد كي يبث برامج إذاعية وتلفزيونية ويدعو مؤسستانا الإعلامية والقائمين عليها إلى إعادة النظر في دورها وبرامجها وسياستها، ويوسع هامش الحرية الإعلامية ويعدم مبررات التقاعس، وتتم الحجة أكثر فأكثر فهو هو الطريق مفتوح فاعدوا العدة .... المادة.... الخطاب...

وأخيراً في الأعوام الماضية غير البعيدة بدات في صحف الشبكات ظهور الصورة المتحركة والذي خلق صحافة أخرى علاوة على الجامدة أطلق عليها (الصحافة المتحركة) إنها خطوة صغيرة واحدة، لكن كما يعتقد الكثيرون تمهد لخطوات عملاقة، وتخلق شكلاً جديداً آخراً من الصحافة يُطلق عليها:

((الصحافة متعددة الوسائط))

وهي أكثر جذباً لكونها تعرض نصوصاً وصوراً فوتوغرافية ولقطات فيديو صوتية، وهو أعمق من التلفزيون، لإمتلاكه ذاكرة (حية) متفاعلة، تحفظ المعلومات وتفهرسها وتستعيدها فورياً. و بهذا:

يمكن لقارئ الصحافة المتفاعلة متعددة الوسائط أن يصبح صحفياً إلى حدٍ كبير حيث يختار بنفسه مواد صحيفته اليومية من بين عشرات أو مئات المصادر المرئية والصوتية والمعطيات، ويقوم برنامج كمبيوتر متخصص بإنتقائها وإعدادها تلقائياً، علماً أن هذا البرنامج لا تفوته آخر المعلومات الواردة من مواقع الأحداث.

وفي خضم هذه القفزات النوعية المنقطعة النظير:

كيف يفكرون!؟

و ما هي طموحاتهم و...

نعم قاد التطور المذكور إلى تحرك عمودي وأفقي ومنافسة وصراع لم يشهد العالم مثيلاً له، وتنامي الطموح إلى حدٍ يستدعي ولادة التكتلات العملاقة، فمثلاً مشروع الهاتف الفضائي ( اريد يوم) الذي يتضمن:

(66) قمر إتصالات

و تساهم فيه:

( شركة الإلكترونيات الأمريكية ـ موتورولا ـ )

( شركة صناعة الفضاء ـ لوكهيد مارتين ـ )

إلى جانب: (18) شركة من مختلف دول العالم (!) بينها أسماء عمالقة الأبحاث والصناعة والإستثمارات الفضائية مثل:

( مركز خروشوف لأبحاث و إنتاج الفضاء)

و التابع للدولة في روسيا، إضافة إلى:

(كوسيرا)

(كوربوريشن)

(متسوبيشي)

(سوني)

هذا علاوة على شركتين سعوديتين للإستثمارات.

فكل الأسماء الرنانة، والمبالغ الهائلة اتجهت ومازالت نحو صناعة المعلومات والاتصالات بشكل يصعب إحصاءها فمثلاً:

شركة (بوينج) التي إندمجت مع ماكدونال دو جلاس وروكويل أعلنت عن المشاركة في رأس مال تيليديسك، التي يساهم فيها بين جيتس رئيس شركة مايكروسوفت، و يستهدف مشروع تيليديسك بناء شبكة إنترنت في السماء.

وتتولى شركة بوينج الإشراف على تصميم وبناء وإطلاق مئات الأقمار الصناعية وذات المدار الأرضي المنخفض، وتقدر تكلفة هذا المشروع بنحو (9) مليارات دولار.

وذلك لتقيم شبكة اتصالات واسعة النطاق، لديها قدرة على تقديم خدمات الإنترنت ومؤتمرات الفيديو والإتصالات المتفاعلة متعددة الوسائط في آن واحد.

وتتيح شبكة تيليديسك للشركات والمؤسسات إمكانية الإتصال مباشرة بفروعها وزبائنها المنتشرين في أي مكان من العالم ( و المهم) دون المرور بالشبكات الدولية أو المحلية، كما أن المدار المنخفض جداً لكوكبة أقمارها يجعلها أقرب إلى الأرض بنحو (50) مرة من أقمار الإتصالات الثابتة المتزامنة مع حركة الأرض، وبهذا الإقتراب يمكن تحاشي التأخير الملحوظ في الإتصالات المباشرة عبر الأقمار الصناعية. كما يُعين المدار المنخفض على استخدام طرفيات و هوائيات قليلة الحجم والتكلفة... ولقد بلغ التحرك والإندماج والطموح إلى حد كبير جداً؛ جداً حتى بدأت بحوث جدية طويلة عريضة تدرس الموضوع من شتى جوانبه لتجيب:

هل الأسواق والمدارات المحيطة بالأرض تتسع لهذا العدد الكبير من الأقمار.

فأين نحن من هذه الإمكانات الهائلة المتنامية بوتيرة متسارعة يكاد يصعب على البعض تصورها!؟

وما هي مسؤولياتنا لمواجهة التحديات التي أفرزها وما برح عصر إنفجار تكنولوجيات وتقنيات الإتصال والمعلومات!؟

أجل أين نحن من كل ذلك؟

وما هي مسؤولياتنا الحضارية في هذه الحقبة القاتمة المشرقة!؟

التي لم تتعدد جبهات المواجهة فيها فحسب، بل تعددت المواجهات نفسها فتداخلت وتشابكت مواجهات الأفكار مع مواجهات الأرواح ونحن أصحاب رسالة عالمية تشمل التفاني في الدقة لا لإنتشال البشرية فقط بل، وكما ورد عن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه أفضل الصلاة والسلام):

( اتَّقُوا اللهَ فِي عِبَادِهِ وَبِلادِهِ، فَإِنَّكُمْ مَسْؤولُونَ حَتَّى عَنْ الْبِقَاعِ وَ الْبَهَائِمِ)[2]

وعنه أيضاً حول الدور الحيوي الحاسم للإعلام الذي يمكن له أن يقلب موازيين الأمور، و يُغير آليات المواجهات:

(رُبَّ قَوْلٍ أَنْفَذُ مِنْ صَوْلٍ)[3]

و لذلك أكدّ على الاستمرارية دائماً و أبداً على الحركة الإعلامية:

(فَلاَ تَكُفُّوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقٍ)[4]

وعنه (عليه أفضل الصلاة والسلام) أيضاً:

(وَلاَ يُدْرَكُ الْحَقُّ إِلاَّ بِالْجِدَّ)[5]

ونوّه أيضاً إلى خطورة الخطاب أو الإعلام أو حتى الكلمة التي يمكن أن ترسم التنمية والرفاه والتقدم أو الانحسار والتخلف والتقهقر.

(فَرُبَّ كَلِمَةٍ سَلَبَتْ نِعْمَةً، وَجَلَبَتْ نِقْمَةً)[6]

ودملْ من إعتذار أو تبرير حين يُقف المرء ليُسأل مع كل هذه التحديات المنقطعة النظر إلى جانب كل إمكانات عصر الثورة المعلوماتية و الإتصال:

﴿ وَقِفُوهُم إنَّهُم مَسئُولُون﴾[7]

فأين إعلامنا!؟

وكيف نريد مواجهة التحديات الخطيرة المعاصرة!؟

مع هذه الرسالة العالمية التي لا تُعنى بأمور الشعوب و الأوطان و الأقطار فقط، بل البيئة و الحيوان و النبات و....

و نترك التقيّم للقارئ درءاً لتجاوز الخطوط العريضة الحمراء (!!)

1- راجع للتفصيل عنوان: (Techniques de pens‘ee  )

2- نهج البلاغة ـ الخطبة (167) ـ السطر (5).

3- نهج البلاغة ـ قصار الحكم ـ الرقم (394).

4- نهج البلاغة ـ الخطبة (216) ـ السطر (24).

5- نهج البلاغة ـ الخطبة (29) ـ السطر (3).

6- نهج البلاغة ـ قصار الحكم ـ الرقم (381).

7- الصافات ـ الآية (25).