الفصل السابع في ميثاق الأمم المتحدة .... هل يخدم «السلام الدولي» أم مصالح الكبار دون غيرهم؟!

 

ثائر السهلي

 

 

ميثاق الأمم المتحدة بأبوابه التسعة عشر وبنوده المئة والأحد عشر بنداً، ثم التوقيع عليه يوم 26 حزيران (يونيو) 1945، وأصبح نافذاً في 24 تشرين الأول (أكتوبر) 1945، ويعتبر النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية جزءاً متمماً للميثاق وفي 17 كانون الأول (ديسمبر) 1963، تم إدخال تعديلات على عدد من بنود الميثاق، كتوسيع عدد أعضاء مجلس الأمن من أحد عشر عضواً إلى خمسة عشر عضواً بتعديل المادة 23. كما تم تعديل المادة 61 لتسمح بزيادة عدد أعضاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي من ثمانية عشر عضواً إلى سبعة وعشرين عضواً، وتعديل المادة ذاتها في 24 أيلول (سبتمبر) 1973 بزيادة عدد أعضاء المجلس المذكور إلى أربعة وخمسين عضواً وفي 20 كانون الأول (ديسمبر) 1965، جرى التعديل الأهم، من وجهة نظر بعض القانونيين، حيث أدخلت الجمعية العامة للأمم المتحدة تعديلات على المادة 109 من الميثاق وتقضي بجواز عقد مؤتمر عام لأعضاء الأمم المتحدة لإعادة النظر في الميثاق في الزمان والمكان اللذين تحددهما الجمعية العامة بأغلبية ثلثي أعضائها، وبموافقة تسعة من أعضاء مجلس الأمن (دائمين أم غير دائمين)، أما الفقرة الثالثة من المادة نفسها، والتي تتناول مسألة النظر في إمكانية الدعوة إلى عقد هذا المؤتمر، فقد بقيت في صيغتها الأصلية بإشارتها إلى «موافقة سبعة من أعضاء مجلس الأمن» وسمح الفصل السابع من الميثاق، بشن عمليات عسكرية لقوات تحالف دولي في الحرب الكورية (1950 ـ 1953)، وفي حرب الخليج الثانية في العام 1991، كما لعب دوراً في التمهيد لغزو العراق في العام 2003، وتشكلت بموجبه قوات «حفظ السلام» في كوسوفو، وتيمور الشرقية، سيراليون، الكونغو.. وغيرها.

السماح بإجراءات عقابية

وسمح الفصل عينه لمجلس الأمن باتخاذ «إجراءات عقابية» إذا ما ارتأى أن هناك ما يهدد «السلام والأمن الدوليين»، وهو ما يدعم اتجاهاً قانونياً يدعو إلى تضييق وتحديد مجال التدخل، ليقتصر على العمل الجماعي في إطار الأمم المتحدة، ويرفض استخدام القوة من قبل دولة ذات سيادة، على دولة أخرى ذات سيادة دون تبنٍ واضح للأمم المتحدة وبقرار وفق البند السابع، ودون تقديم بينة واضحة حول «أهلية» و«الصلاحية الحصرية» التي تضطلع بها الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن (الولايات المتحدة ـ فرنسا ـ بريطانيا ـ روسيا والصين) التي من المفترض بها أن تحاجج بكون واقعة ما تشكل دون سواها «تهديداً للأمن والسلام الدوليين»، ودون تعريف واضح لـ«السلام والأمن الدوليين». وهو ما يدفع بدول «العالم الثالث» والدول الصغيرة إلى التخوف من إمكانية استغلال هذه النقطة للتدخل في شؤونها الداخلية، تحت عناوين ومسميات عدة لا تعريف واضحاً ومحدداً ومتفقاً عليه دولياً لها، كـ«الإرهاب» و«السلام والأمن الدوليين» و«القانون الدولي» و«الشرعية الدولية» وأسفرت قرارات مجلس الأمن وفق الفصل السابع في العراق، عن نتائج كارثية أدت إلى موت ملايين الأطفال العراقيين نتيجة للحصار الذي طبق عليه على امتداد عقد ونيف من الزمن. كما واجهت قرارات المجلس نفسه فشلاً كبيراً في تطبيقها على امتداد عقود من الزمن، على الأرض بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية ويناقض الفصل السابع في مضمونه المادة 4 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تدعو جميع الدول إلى «الامتناع عن استخدام القوة أو التلويح باستخدامها ضد دولة أخرى بما يمس إقليمها أو استقلالها (..)». وهذا بحد ذاته سلاح تلجأ إليه الدول الفقيرة والمحايدة في وجه التدخلات الخارجية بغطاء دولي.

مناورة أميركية

وللالتفاف على هذا السند القانوني، قدم الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، مقاربة تقوم على استيفاء ثمانية «معايير» قبل إقرار أي مشروع قرار يسمح باستخدام القوة. وهو ما فعله وزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول، حين اقترح الإجابة على ستة أسئلة قبل شن عمل عسكري ضد دولة أو جهة ما بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهي:

* هل توفرت «سلطة شرعية لها صلاحية الحرب»؟

* هل توافرت «قضية عادلة»، تشكل مبرراً مشروعاً لشن الحرب؟

* ما هي الأسباب والدوافع وراء شن الحرب؟

* هل تم استنفاذ جميع الوسائل الأخرى قبل اللجوء إلى العمل العسكري؟

* الإعلان الصريح (عدم شن أي حرب مباغتة).

* هل يتناسب قرار الحرب مع مستوى الضرر؟

* هل هناك فرص كبيرة للنجاح؟

غموض «مذنب»

في حين تسمي المادة 41 من الفصل السابع استخدام القوة صراحة بـ«استخدام القوات المسلحة»، وحين تطلب من مجلس الأمن «ما يجب اتخاذه من التدابير التي لا تتطلب استخدام القوات المسلحة لتنفيذ قراراته، وله أن يطلب إلى أعضاء الأمم المتحدة تطبيق هذه التدابير»، فإن المادة 42 تتحدث بغموض شديد عن الأعمال العسكرية وتشير إليها فقط بـ«الأعمال»، حين يجيز مجلس الأمن لنفسه «أن يتخذ بطريق القوات الجوية والبحرية والبرية من الأعمال ما يلزم لحفظ السلم والأمن الدولي، أو لإعادته إلى نصابه»، إذن فالمادتان المذكورتان لا تشيران صراحة إلى استخدام القوة العسكرية ضد دولة ذات سيادة، فالمادة 41 تمنع استخدام القوات المسلحة إلا في حالة استنفاذ جميع «التدابير» الأخرى ـ وهنا نعود إلى دائرة الجهة التي تمتلك قدرة التمييز والتقييم فيما إذا استنفذت جميع هذه «التدابير» الأخرى أم لا.

والمادة 42 «في حالة» استنفاذ مجلس الأمن جميع «التدابير» الأخرى، لا سيما المذكورة في المادة 40 التي تنص على مهمة مجلس الأمن في حال «وقع تهديد للسلم أو إخلال به» هي دعوة «المتنازعين للأخذ بما يراه ضرورياً ومستحسناً من تدابير مؤقتة التي لا تخل بحقوق المتنازعين ومطالبهم أو بمركزهم»، فإنه يتوجب على هذا المجلس اتخاذ «بطريق القوات» من الأعمال ما يلزم لحفظ «السلم والأمن الدولي»، أي لا ذكر واضح لاستخدام القوة العسكرية وشن الحروب في المادة 42، وهي متروكة للتفسيرات الأحادية، فيلجأ «الخمسة الكبار» إلى تأويل وشرح النصوص بحسب ما تقتضيه مصالحهم، أو مصالح حلفائهم ومن حيث المبدأ، فإن مهمة «الأمم المتحدة» ومجلس الأمن هي حفظ السلام والأمن الدوليين بالطرق السلمية، وعدم شن أي حروب إلا بعد استنفاذ جميع الطرق السلمية، لتجنب إشعال مناطق «آمنة» بصراعات تتحين الفرصة المناسبة لتطل برأسها وتؤدي فيما تؤدي إليه إلى تفتيت المجتمعات وتقسيمها على أسس عرقية ومذهبية.

قرار ما بين «فصلين»

القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن، والقاضي بوقف «الأعمال الحربية» في لبنان، صدر وفق الفصل «السادس والنصف» إذا جاز التعبير، أي أنه صدر بمقتضى الفصل السادس الذي يدعو إلى حل النزاعات الدولية سلمياً، ويحمل آليات الفصل السابع، حين يهدد باستخدام «القوة الدولية» ضد كل قوة تعترض التنفيذ الطوعي للقرار المذكور.

ففي فقرته التمهيدية العاشرة، وفي إشارة مباشرة للفصل السابع، أورد القرار أن «الوضع في لبنان يهدد السلام والأمن الدوليين»، وهي الفقرة التي تدور حولها كافة بنود الفصل السابع. كما ترد «تلميحات» مطعمة بنكهة الفصل السابع في نص القرار، حين يطلب من القوة الدولية «يونيفيل» المساعدة بتأمين الحدود اللبنانية لمنع تهريب الأسلحة كما «يدعو الحكومة اللبنانية إلى تأمين حدودها والمداخل الأخرى لمنع دخول الأسلحة والمعدات المتصلة بها إلى لبنان من دون موافقتها. كما يطلب إلى «يونيفيل» كما تنص الفقرة 11 «تقديم المساعدة إلى الحكومة اللبنانية نزولاً عند طلبها، أي أن القرار يمنح «يونيفيل» صلاحية استخدام القوة لمنع دخول الأسلحة إلى لبنان بدون موافقة حكومته، وبذلك تنتقل «يونيفيل» من موقع المراقبة و«حفظ السلام» إلى موقع المساهمة في «فرض السلام»، أي المساهمة العملياتية في بعض المهام على الأرض وبمعنى آخر، أجاز القرار لـ«يونيفيل»، «القيام بكل التحركات الضرورية في مناطق نشر قواتها وفي إطار قدراتها، للتأكد من أن مناطق عملياتها لا تستخدم للأعمال العدائية بأي شكل، ومقاومة المحاولات عبر وسائل القوة لمنعها من أداء مهماتها بتفويض من مجلس الأمن».

تلميحات الفصل السابع من شأنها أن تفتح الباب أمام التأويلات الخاصة بكل طرف، كما أشير في فقرة سابقة. وتتخذ إسرائيل ذريعة فشل «يونيفيل» في أداء بعض «مهامها» وتوليها نيابة عنها تنفيذ هذه المهام بنفسها، كما هو حال غموض عبارة «إيقاف كل الأعمال الحربية» الواردة في القرار، وبالأمس فقط كان «دفاع إسرائيل عن نفسها» هو المبرر الأكثر بيعاً في سياق تبريرها لحربها وعدوانها المدمر على لبنان، وهي ثغرة، كغيرها من الثغرات، يتوقع أن تسعى إسرائيل أن تتسلل من خلالها، للانتقام من فشلها الذريع في عدوانها الأخير على لبنان ومقاومته.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: www.alhourriah.org/?page=ShowDetails&Id=635&table=articles