رؤى علمية في فكر الإمام الشيرازي : البيئة النفط والثروات الطبيعية

 

 

 

لم يغفل الإمام الفقيد تنبيه المسلمين إلى حقيقة أساسية معروفة وهي أنّ تزايد أهمية البلدان الإسلامية ومصادر ثروتها الطبيعية مدعاة لطمع الطامعين وعرضة لمحاولات السيطرة الإستعمارية حيث أن هذه الثروات ضاعت بسبب ضياع المنهج الذي ينظمها والفكر الذي يسيرها، بالإضافة إلى انعدام المسؤولية الوطنية، فلابد هنا من توفر الوفاء والعزم والإخلاص لإنقاذ البلاد الإسلامية من الإستعمار والخراب، ووضعها في طريق التنمية الشاملة، طريق التغيير نحو الأفضل، وهنا تتحقق النظرة التوحيدية الشمولية للإمام (قدس سره) تجاه المسائل الإقتصادية عامة، هذه النظرة الشمولية لا تنحصر على هذا الجيل فقط، بل تتعداها إلى مصلحة الأجيال المستقبلية القادمة.

النفط، والثروات المعدنية الأخرى يرى سماحته أنّها ملك لهذا الجيل والأجيال القادمة، كما أنها يجب أن تكون في خدمة البشرية جمعاء. وأن لا تباع بأسعار زهيدة ورخيصة إلى بلدان الدول الكبرى، بل تباع بالأسعار الحقيقية العالمية التي تحددها المنظمات الدولية فيقول (قدس سره).

(إن النفط أخذ يضخ بكميات هائلة من المخازن التي أودعها الله سبحانه وتعالى في الطبيعة، وأخذت البلاد التي ظهرت فيها هذه المادة بكثرة لتبيعها إلى البلدان الغربية بأثمان رخيصة جداً، ثم تصرف تلك البلدان النفطية الأثمان في غير المصارف المقررة اقتصاداً وشرعاً،  أي أن كلاً من الموازين الإقتصادية والموازين الإسلامية تخالف الضخ بهذه الكمية الكبيرة، ثم تخالف هذا النوع من البيع ثم تخالف هذا النوع من الصرف)(15).

هنا تتسع نظرة الإمام الفقيد من ناحية البيع والإستفادة من عائدات النفط، فالأموال تهدر فيما لا فائدة لها، على أنه يجب أنْ تستغل هذه الأموال في البناء وتحقيق العدالة الإجتماعية فمن ناحية الضخ صارت الدول الأوروبية والإستعمارية تستخرجه وتخزنه في أراضيها كمخزون استراتيجي لحين نفاذه من الدول المنتجة ثم بعد ذلك تبيعه بأغلى الأسعار، فيقول (قدس سره).

 (كون الضخ بهذه الكمية، غير جائز شرعاً، وذلك لأن كل ما في الكون حق لهذا الجيل والأجيال الآتية، فالله سبحانه خلق كل الكون لكل البشر، ابتداءاً من آدم (ع) وانتهاءاً إلى آخر فرد من البشر، وقد دلت على ذلك الآيات والروايات، وكل ما في الكون من الخيرات الدورية، كمياه البحر، وغير الدورية كالمعادن المقدرة بأقدار خاصة بحيث تنفذ بعد أخذها، جعل لمجموع البشر، فاللازم أن يصرفه البشر بدون تقتير ولا إسراف كما قال سبحانه (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ) (الإسراء:29) وقال: (الَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا) (الفرقان: 67).

وهنا يوضح (قدس سره) أن المعادن، والنفط بالذات ملك لكل الأجيال، كذلك فهي أيضاً ملك لجميع البشر من الجيل الواحد، فلا يحق لفئة من الجيل أن تستغل هذه الثروات المعدنية دون مشاركة بقية الجيل بها فيقول سماحته (رحمه الله) (لا يحق لجيل من البشر أن يصرف مقداراً أكثر من حقه، كما لا يحق للبشر أن يصرف بعضهم مقداراً اكثر من حقه فمثلاً النفط جعل لمائة جيل، كل جيل يتمتع منه مقدار مائة مليون برميل فلا يحق لجيل أن يأخذ منه مائة مليون وبرميل واحد اكثر، كما أن المائة لكل الجيل فلا يحق أن يستبد به بعض الجيل).

ونرى (قدس سره) يعرض مسألة توزيع الثروات على البلدان فيقول: (يحسب كل الموارد الأرضية وتوزع على الجميع بالعدالة، فالكل يجب أن ينعموا بالكل حسب العدالة فإذا كان هنالك بلد بلا وارد فله حق أن يأخذ من سائر الواردات، إذ الحدود الجغرافية لا اعتبار لها في العقل ولا في الشرع بل (هي أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم).

إذ العقل يرى تساوي البشر بالنسبة إلى خيرات الأرض إلا الذي يفوق الآخر بالكفاءات وبالعمل وبما أشبه).

ثم ينتقل الإمام الفقيد ـ تغمده الله برحمته ورضوانه ـ إلى مسألة تسويق النفط والثروات الطبيعية، فيرى أنها يجب أن تباع حسب قيمتها الحقيقية ولا تباع بأبخس الأثمان إلى البلاد الأوروبية والإستعمارية فيقول (قدس سره).

(يجب أن يباع المستخرج بالقيمة العادلة، بينما ترى انه يباع الآن إلى البلاد الإستعمارية بقيمة تافهة جداً، ففي الحال الحاضر يباع البرميل بثلاثين دولار ـ بعد تصعيدات مكررة في القيمة ـ والحال أن البرميل يساوي مائتي دولار ـ على ما حدده بعض الخبراء ـ آخذاً النسبة من التضخم الموجود في الحال الحاضر)

لذا من الواجب علينا أن نحيط جميع المحاولات المعادية للإسلام والمسلمين، وأن لا نبيع النفط بدون حدود وكما تشتهيه الدوائر الغربية والصهيونية العالمية وبالأسعار التي تحددها الشركات الاحتكارية، مما يسبب انخفاض الأسعار ونفاذ النفط وتضييع حقوق الأجيال القادمة وهنا لابد من التفكير جدياً بالبحث عن بديل للنفط بالثروة الممكنة وقبل فوات الأوان(16) وذلك برصد مقدار معين من عائدات النفط وصرفها ـ كما يؤكد ذلك سماحة الإمام الفقيد في رؤيته المستقبلية للنفط ـ في خطط مستقبلية تستطيع أن تسد النقص الحاصل عند نضوب النفط فهنالك موارد كثيرة يمكن استخدامها بطريقة بحيث توفر رأس المال الكبير للدول النفطية، إذا أحسنت استخدامها ويحتاج هذا البديل إلى تربية الكادر الخبروي لإدارة المعامل مع سائر شؤونها.

وما أضفاه الإمام الشيرازي بكتاباته الغزيرة من حيوية تحث على إيجاد بدلائل عن النفط في حالة نفوذه، فيدعو (قدس سره) إلى التخطيط لتلك الأمور عن طريق:

1- إقامة السياسة الصناعية على قاعدة حاجة الأمة في الحاضر والمستقبل وليس حسب المخطط المرسوم من قبل الدول الكبرى والذي تسير على طبقة الدول المتخلفة، فلقد حول الإستعمار البلاد الإسلامية إلى مستعمرة تدر عليه بالأموال الطائلة لسد حاجاتها لا لسد حاجات الدول المتخلفة. وهنا يؤكد سماحته (قدس سره) أن ربط الصناعة بالحاجة هي أهم قضية في استثمار عائدات النفط للأمور المستقبلية.

2- رعاية التنسيق والتوازن بين مختلف المعامل المحتاج إليها في البلاد الإسلامية كي لا يحدث إفراط وتضخم في جانب وتفريط ونقص في جانب آخر.

3- تحقيق التعاون الإقتصادي بين الدول الإسلامية قال تعالى: (تعاونوا على البر والتقوى)(17) فبالوحدة الإسلامية يحرز التقدم.

بعد ذلك تتسع نظرة الإمام (رحمه الله) إلى مسألة مهمة تكمّل الدورة الإقتصادية النفطية، هي مسألة صرف عائدات الثروة النفطية، فرغم أن تلك العائدات هزيلة ومخزية وتافهة، فإنها تصرف في غير موقعها، حيث تستغل في أشياء لا تنفع البلاد والعباد، فنرى سماحته ـ رحمه الله برحماته الواسعة ـ يؤكد على أوجه ذلك الصرف اللامسؤول والذي يؤدي بالتالي إلى تبديد الثروة.

(إن ما تأخذه الدول النفطية من النقد تافه في قبال البرميل، وتصرف في مصارف محظورة شرعاً وعقلاً، فالضخ بهذه الكميات الضخمة خلاف المشروع، والبيع بهذه القيمة التافهة خلاف المشروع وصرف القيمة في الموارد التي تصرف فيها خلاف المشروع) وبعد أن يذكر الإمام ما سبق أن نبّه إليه، من أنه لا يحق لجزء من الجيل الحالي يمتلك كل تلك الثروة، يبين أن ما يجري على أرض الواقع، يسير عكس تلك القاعدة في تثمين الدور والأراضي وغيرها من أجل إسكان الناس وإعطائهم أموالاً كان يجب صرفها في التطوير والتعليم وغيرها، ويعتبر سماحته (رحمه الله) تلك المسألة البادرة الأولى في اوجه تبديد الثروة لهذا الجيل والأجيال القادمة والتي لها حقها المعلوم في هذه الثروات.

وعلى حساب هذه الرؤية المنطلقة من الأساس الشرعي الذي يشكل بؤرة فكر الإمام (رحمه الله)، يجب على الدول النفطية جميعاً أن تعلم أن التعويل على النفط في تمشية الأمور المالية للدولة وهدره بطرق جشعة، سوف يسبب تحطيماً كاملاً لتلك الدول وشعوبها، حيث أنه من الضروري على المجتمع أن يفهم عدم الإعتماد الكلي على النفط في تمشية الأمور المالية، ناهيك عن تبذيره وتقديمه للمستعمرين لقمة سائغة. ولأن النفط ثروة زائلة وناضبة فيؤكد الإمام(قدس سره) أن تُستخدم لبناء ركائز اقتصاد سليم منتج يغني في المستقبل عن الإحتياج إلى الدول الأخرى، ورؤية الإمام هذه رؤية متقدمة وواعية جداً فالإعتماد على ثروة ناضبة يلحق بالبلاد أضراراً جسيمة.

وقد أثّرت هذه الرؤية في كتابات بعض المصلحين والمفكرين المعاصرين، فظهر تأثيرها مثلاً في كتابات العالم المعروف ميسنر(18) الذي قرر بناء على رؤية الإمام الشيرازي(قدس سره)، وشواهد الواقع المعاش، أن أشرس المخاطر التي تواجهها الدول اعتمادها الكلي على ثروات ناضبة، من غير أن تستغل تلك الثروات لبناء أسس اقتصاد سليم في دولة سليمة، أي في دولة استطاعت أن تنقل أفرادها المشتتين إلى منتجين واعين، وهي نفس النظرة التي تبناها كثير من العلماء المعاصرين، والتي تشهد للإمام الشيرازي(قدس سره) بأعلميته الواضحة وصحة توجهاته في المسائل التي تهم المجتمع ومستقبله، ومن أجل أن تنتقل هذه الرؤية إلى الواقع تطبيقاً وتحقيقاً، فقد حلل الإمام الشيرازي (رحمه الله) في المورد ذاته، أسباب هذا التبذير والفساد والإصرار على تبديد ثروات الأمة، وما نتج عن ذلك من ويلات ومآسي ومخاطر على المجتمعات الإنسانية فيقول (قدس سره): (هنالك في جملة من البلاد النفطية مشاكل إجتماعية أورثها الانحراف عن قوانين الله سبحانه، وذلك يرجع إلى سياسة المستعمر الذي أراد الانفلاق والتشتت في البلاد، ليكون كل الأمر بيد زمرة قليلة ليتسنى له القبض على زمامهم، لينهب خيراتهم ويصرف بقية الخيرات على الفعالية والخدمة في الحقل الصحيح).

ولا نعرف أحداً تناول موضوع النفط والثروات الطبيعية بشموليتها للجيل الحاضر والأجيال الآتية غير سماحة الإمام(قدس سره) ، وذلك انطلاقاً من البؤرة الشرعية التي تكون منطلق جميع الأشعة التي تتصل ببناء الدولة المعاصرة والمستقبلية في الإجتماع والإقتصاد والسياسة وهذا مفهوم جديد للعدالة في الفكر المعاصر.