رؤى علمية في فكر الإمام الشيرازي : الشباب

 

 

 

لقد كان الإمامُ الفقيد سبّاقاً إلى التأكيد على أهمية الأخذ بنهج رعاية الشباب وتوظيف طاقاته لما فيه الخير والنفع العام، وخص سماحته على أهمية هذه المرحلة العمرية في العديد من النصوص والمواقف الدالة على أن الشباب الصالح هو ثروة إسلامية لا تقدر بثمن لذلك كتب (رحمه الله) كتاباً خاصاً للشباب تحت عنوان (الشباب) عالج فيه مشكلة الشباب في هذا العصر قائلاً في مقدمة الكتاب:

(مأساة الشباب في هذا القرن من أكبر المآسي.. حيث لم يعرفها التاريخ المكتوب فيما سبق.. وذلك لأن الشباب قديماً لم يكونوا طبقة مستقلة لا تستثير الكبار ولا تأخذ بنصحهم.. وإنما هم تبع لآبائهم الناضجين.. فكانوا يوردونهم الحياة تدريجياً بنضج لا بأس به حتى يسدّوا مسدّ الآباء.. فلم تكن مشاكلهم إلا بمقدار المشاكل الطبيعية للإنسان حيث قال أمير المؤمنين الإمام علي (ع) :(دار بالبلاء محفوفة).

لأن الإنسان في هذه الدنيا، مهما كانت شرائطه، فعادةً ما يكون مبتلى ببعض المشاكل كالفقر والمرض والعدو والقلق وما أشبه ذلك، وهذه المشاكل بمقدارها الطبيعي كانت من  قبل وستكون، وكما هي للآباء عن دورهم، وكذلك للأبناء.

ولكن الكلام في مشاكل اليوم التي تجاوزت حدها الطبيعي بكثير، فالمناهج في هذا القرن أوجدت فاصلاً حديدياً بين طبقة الآباء وطبقة الأبناء، وكذلك بسبب الجوّ الذي هيأوه للأبناء في المدارس والنوادي والصحف والمحلات والإذاعة والتلفاز والفديو والسينما ومختلف المنظمات والتجمعات غير الصحيحة. كما اتهمت الآباء بالخرافة والرجعية وعدم الفهم وما أشبه مما سبب عزوف الأبناء عن الآباء وهذا أول الوهن.

بالإضافة إلى تبعيد الشباب بمختلف الوسائل ـ عن الله واليوم الآخر، فلا رقابة ذاتية ولا أبوية ولا غيرها من الأسباب، وبذلك اصبحوا في واقع الحياة قبل أن تعركهم التجارب، فأصبح الكثير من القرارات التي اتخذوها لأنفسهم خاطئة.

وبالإضافة إلى المشاكل الأخرى التي غطت حياة الشباب، من البطالة والفقر والمرض والتسيب والقلق وغير ذلك، مما لم يفرّق في ذلك شرقاً عن غرب، وغرباً عن شرق، ومسلماً عن غير مسلم وبنين عن بنات، فالكل في البلاء سواء.

نعم وقع العبء الأكبر على النساء، حيث حرمن على الأكثر من دفء العائلة، وصرن سلعة رخيصة بيد طلاب الهوى والشهوات أو وسيلة من ارخص الوسائل لترويج البضائع وجلب الزبائن في واجهة الإعلانات وما أشبه ذلك)(11).

نرى أن الإمام (رحمه الله) يعالج في ذلك الكتاب القضايا التي يعاني منها الشباب، ويرسم لهم منهجاً للإنقاذ، انسجاماً مع رؤيته التغييريه لهذا العالم المتخبط بالمشاكل، والذي لا سبيل إلى إنقاذه منها إلا بالإسلام، وبتكوين المجتمع المسلم.

وهكذا في كل مرحلة من مراحل عمر المرء، يجد الفرد المسلم أمامه طريقاً واضحاً يضمن له تحقيق التزاماته، ويوفر له سبل تأكيد ذاته ومعناه الإنساني العميق.

وقد وضع الإمام الفقيد آلية الوصول إلى ذلك، بإعطاء عناية أكبر لتوعية الإنسان بطبيعة كل مرحلة من مراحل النمو ومتطلباتها الضرورية وتوعيته، وكذلك بكل ماله من حقوق وعليه من واجبات تجاه ربه ومجتمعه فإن هذه التوعية يجب أن تكون من مهمات كل فرد من الأفراد لأنها مسؤولية شرعية لابد من أدائها، حفظاً للحياة الإنسانية نفسها، تلك الحياة التي وضعها الله سبحانه وتعالى أمانة في عنق كل إنسان.

ذلك لأن هدف الفكر الإجتماعي الحضاري عند الإمام الشيرازي بناء مجتمع إسلامي يوفر لجميع أفراده الحياة المرفهة والعيش الكريم.

ويرى الإمام الفقيد (رحمه الله) أن هذه الغاية لا يمكن إدراكها وتحقيقها إلا بمشاركة أبناء الشعب في تحمل أعباء مسؤولية التغيير ومهمة البناء من أجل تطوير الحياة والحفاظ على قدسيتها، وفتح الأبواب للوصول إلى هذه الغاية، ومن هنا نرى سماحته يجيب على سؤال في كتاب الشباب مفاده.

(هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتبليغ والإرشاد خاص بعلماء الدين أو يعم جميع الفئات في المجتمع الإسلامي)؟ فيجيب (قدس سره): (يعم جميع المسلمين بشروطه) ، إن عملية التوعية واجبة على جميع أبناء المجتمع.

ومن هذا النص، يتبيّن أن الحياة الإنسانية في مفهوم الفقيد، ليست كمية مهملة، أو عفوية، بل هي العمل والتواصل بين جميع البشر، وذلك هو ما نفهمه من تركيزه على الحرية وحقوق الإنسان. والإمام الشيرازي (قدس سره) يعتبر أنّ الحلول التي يقدّمها الإسلام يجب أن تدعمها مشاركة الجميع في بذل الجهد الواجب، تحقيقاً للهدف الذي يسعى إليه الناس جميعاً.

وفي الختام نراه يخاطب الشباب بقوله (وأنتم أيها الشباب المؤمنون قد خصكم الله عز وجل بعظيم الأجر والثواب كما جاء على لسان رسوله الكريم (ص) حيث يقول: (سبعة في ظل عرش الله عز وجل يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله عز وجل)(12) ويقول(ص): (ما من شاب يَدعُ لله الدنيا ولهوها، وأهرم شبابه في طاعة الله إلا أعطاه الله أجر اثنين وسبعين صديقاً) (13).

ونرى في جانب آخر دعوة الإمام الشيرازي (رحمه الله) باستمرار، القادة المهتمين بأمور الشباب أن يسارعوا بتزويج الشباب بنين وبنات، وفي أعمار مبكرة، وكذلك يعتبر سماحته هذا النهج عاما لكل المسلمين فيقول(قدس سره).

(من الضروري على القادة المهتمين بأمور الشباب أن يزوجوا الشباب بنين وبنات وفي أعمار مبكرة، حيث أن الشباب في تلك الأعمار في قمة الشهوة وهيجانها، كما اللازم أيضاً تحطيم معوقات الزواج، من المهور الكثيرة، والتشريفات الكبيرة التي لا تنالها عادة أيدي الشباب).

وفي جانب نهضة الإمام الحضارية لتزويج الشباب فإنه يشير إلى تكوين منظمات للزواج تسهل عملية زواج العزاب بمختلف المساعدات فيقول(رحمه الله) (من اللازم جداً أن تشكل في كل منطقة منظمة عملها تسهيل زواج العزاب بالمساعدة المالية والمساعدة الأدبية، فإن ذلك يوجب تقديم الحياة من ناحية، وسدّ أبواب الفساد من ناحية أخرى، والتقليل من الأمراض الناشئة من العزوبية من ناحية أخرى)(14).

وهكذا كان (رحمه الله) وحتى أيامه الأخيرة من الداعين بشدة وبقوة إلى ضرورة التسريع في تزويج العزاب، بغض النظر عن المعوقات المادية والمعنوية، مؤكداً صواب آرائه بأن الطاقة الجنسية إذا لم تصرف في موردها الصحيح صرفت في الإنحراف، فيقول (وهكذا مما يزعمون من المعوقات كالدراسة، أو الذهاب إلى الجندية، أو أنه بعد لم يكوّن نفسه أو ما أشبه ذلك من الأعذار التي تصادم الفطرة ولا تنسجم معها. ومن الواضح أن الطاقة الجنسية إذا لم تصرف في موردها الصحيح صرفت في الإنحراف، والانحراف يوجب الأمراض والمشاكل الصحية والنفسية المعقدة).

لذا فإن الإمام الشيرازي (رحمه الله) حريص في رفع الوعي العام وتوجيه الشباب بضرورة أن يتم الزواج تحت إشراف الآباء فكثيراً ما ينتخب الولد من لا تليق به، وكذلك الفتاة، فيؤكد رؤيته الشيرازية بأن عدم النضج يوجب كثيراً من الإنحرافات السلوكية في البيت العائلي، مما ينتهي كثير من الأحيان إلى كارثة الطلاق، بالإضافة إلى هذا يحدد الإمام الفقيد الأسلوب الذي تنتهجه بعض الحكومات لوضع القوانين الكابتة التي تمنع الزواج المبكر، وربما عن أصل الزواج، كأن لا يتزوج العربي بالعجمية أو العكس، أو العراقي بالمصرية إلى غير ذلك مما ينافي ومبدأ الأخوة الإسلامية الذي هو المعيار عقلاً وشرعاً. وهنالك كثير من الناس يقفون بدورهم سداً دون الزواج المبكر وسهولته بشروطهم المجحفة الأهوائية وتشريفاتهم المكلفة وقد قال سبحانه وتعالى: (يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) (الأعراف: 157) فالإصر هو الحمل الثقيل الذي يوجبه المجتمع على أي شأن من شؤون الحياة كشأن الولادة والزواج والختان والسفر والقدوم منه، وحتى الموت.

وفي ختام القول نرى كيف الإمام (رحمه الله) يخاطب الشباب الذي يعتبرهم سماحته مفخرة الأمة الإسلامية وأمل المستقبل فيقول (قدس سره).

(أيها الشباب، أنتم القوة والمنعة، والطاقة والإندفاع ومفخرة الأمة ومنطلق العمران والتقدم، فعليكم أن تهتموا بأنفسكم أكبر اهتمام ، وتعرفوا قدر أنفسكم أحسن معرفة وأن تجعلوا من أنفسكم أداة علم ومعرفة وثقافة وفضيلة وبناء وإصلاح وتقدم ورقي وعمران وعزة).

ثم يدعوهم (قدس سره) إلى زيادة التحصيل والجد والإهتمام بالعمل (فإذا كنتم طلاباً فارفعوا مستوى ثقافتكم ولا ترضوا بالتأخر في مجال العلم والمعرفة، ولا بالتأخر في مجال الإنتاج والإختراع والإكتشاف، وإن لم تكونوا طلاباً فعليكم بالجد والإهتمام والعمل الموكول إليكم من تجارة أو زراعة أو عمارة أو بناء أو فلاحة أو غيرها، وعليكم بالإتقان في كل أعمالكم فقد قال رسول الإسلام (ص) (رحم الله امرءاً عمل عملاً فأتقنه).

تعلموا.. أكتبوا.. علموا.. إرشدوا .. إعملوا.. إخترعوا.. إكتشفوا.. عمروا.. إزرعوا.. تقدموا.. تزوجوا.. إبنوا.. إرتقوا.. تاجروا.. إرفعوا مستوى بلادكم.. انشروا دينكم.. قدموا أمتكم.. تنافسوا في الخير).

كل هذه التعاليم الشيرازية التي شكلت البؤرة الروحانية لفكر الإمام حول قدسية التزام الشباب بهذه التعاليم وجعْلِها دستوراً في بناء الدولة الإسلامية الحديثة. وبذلك يحث الشباب الإلتزام بالقرآن والسنة وآراء العلماء فيقول (رحمه الله) (واعملوا بنصائح القرآن الحكيم والسنة المطهرة، وآراء ذوي الخبرة من كباركم  فقد قال الإمام علي (ع) (رأي الشيخ أحب إليّ من جلد الغلام).

المصدر:مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث