رؤى علمية في فكر الإمام الشيرازي : التعليم

 

 

 

لا نكاد نجد كتاباً من كتب الإمام الفقيد من غير تأكيد متواصل ومستمر على دور العلم والتقنية في التطور الإقتصادي والإجتماعي، فإذا رجعنا إلى بعض كتب سماحته، سنجد هذا التأكيد المتواصل والحث على طلب العلم انطلاقاً من الحديث الشريف (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة)، واستجابة لمتطلبات العصر الحديث والتطور العلمي، التقني ويريد الإمام محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) من العلم أن يقوم بدور خيّر، وإن تطبيقاته يجب أن تقترن بالتقدم الذي يتلائم مع معطيات الحياة الإنسانية بقيمها وأصالتها وطموحها إلى المستقبل، لذلك يقول (قدس سره).

(ولا يخفى أن العلم قد يفيد نفس العالم، وقد يفيد حتى عائلته، وقد يفيد حتى مجتمعه، وقد يفيد حتى المجتمعات الأخرى، وقد يفيد أولاده، والأجيال في المستقبل)(7).

وعلى هذا فإن الإمام يرى أن التوقف عن مواصلة التطوير العلمي، لهذا السبب أو ذلك مسألة ضد الإنسانية، لأن التاريخ لابد أن يسير دائماً إلى الأمام. وقد قدم الإمام رؤى تتمتع بالتركيز على النتائج الإقتصادية والإجتماعية والسياسية للبحث العلمي والتطور التكنولوجي، بما نراه واضحاً وساطعاً في النظريات الإقتصادية للإمام الشيرازي، بحيث أن علماء الاقتصاد المرموقين لم يستطيعوا أن يضيفوا إلى رؤى الإمام الشيرازي إضافة تذكر.

إن مراجعة سريعة لكتابات الإمام الفقيد تثبت بما لا يقبل جدلاً السبق الشيرازي في مضمار التنبيه على منزلة التعليم والعلم والتكنولوجيا في مسألة التطور العام للبلدان الإسلامية، حين يكون العلم مبنياً على الصالح العام، ومن أمثلة ذلك تشخيص سماحته للنوع الآخر من التعلم والعلم، وهو التعلم الذي يحطم البنية التحتية للمجتمع والإنسانية، وهو ذلك المنهج الذي وضعه المستعمرون للبلاد الإسلامية فيقول (قدس سره):

(العلم الذي يوجب تحطم الإقتصاد، أو حياد عن الإقتصاد، وهذا هو المنهج الذي وضعه المستعمرون للبلاد التي استعمروها سواء في داخل مدارسها، أو سائر وسائل إعلامها، أو في المدارس التي تستقبل شباب البلاد المستعمَرة)(8).

وهنا عرض الإمام (رحمه الله) صوراً من الواقع الحالي في دول العالم الخاضع لتوجيهات الإستعماريين، وفضح سماحته عمليات تخريب الإقتصاد والإجتماع، والخطط التي ينفذها الأعداء بكل همة ونشاط، واللامبالاة وعدم الإهتمام التي يواجهها الناس، غير مهتمين بالأخطار الجسيمة التي تحملها تلك المخططات لهم ولأولادهم وأبناء مجتمعهم. يقول (قدس سره):

1- أنهم بواسطة عملائهم سواء كان العملاء في السلطة أم لا، يروجون الإهتمام باللغة الأجنبية فترى الشاب لا يهتم بلغته الأصلية، ويهتم باللغة الأجنبية، بدعاية أنها لغة العلم والمعرفة، والذي يفضح هؤلاء أن لغة العلم عدة لغات فلماذا الإهتمام بأحدها.

2- الإهتمام بالدراسة في الخارج (الغرب) بترويج إنهم أحسن علماً حتى يتدفق القادرون على الدراسة في الخارج.

3- إفراغ الدروس في داخل البلاد من المحتوى المثمر، فالدروس صورة لا تأتي بالنتيجة المطلوبة وحيث أن الدروس فارغة عن المحتوى، لا يرغب حتى نفس الطلاب في استيعابها.

4- التقليل من فرص الدراسة الجامعية في الداخل.

5- الإهتمام في البلاد الأجنبية لعدم استفادة الطلاب هناك، فائدة تخدم وطنهم وذلك بعدة أمور.

6- الإهتمام لإبقاء الطلاب المتفوقين في الخارج وعدم عودتهم إلى وطنهم، فهم يستفيدون من نبوغ طلاب البلاد المتخلفة بينما البلد المتخلف يزيد تخلفاً على تخلفه.

7- الذي يرجع من طلاب الخارج إلى بلاده يدخله المستعمر في استثماراته في الداخل فالمستعمر يستفيد منهم إستثمارياً وإعلامياً.

8- أما كيف أن طلابنا لا يرتبطون ببلادهم فإنهم لم يربّوا تربية عملية ليتمكنوا من العمل. كما أن فراغ محتوى الدروس عن الواقعيات يجعلا لطالب لا يعرف العلم بلغة العمل.

9- وحيث أن المؤسسات سواء الأهلية أو الحكومية لا تجد الكفاءة في طلاب بلادها، تضطر إلى استخدام المستشارين الأجانب. مما يكون فيه مزيد من تحطيم البلاد اقتصادياً وسياسياً.

وهذا النقد الذي وجهه (قدس سره) قبل ربع قرن لأساليب التعليم والدراسة في البلدان الإسلامية، إلتفت إليه مؤخراً بعض المفكرين والمنظرين التربويين ولكن من دون أن يضعوا حلاً ينفصل عن هذه المسيرة المشبوهة لنظم التعليم.

أما سماحته فقد رسم في كتبه العديدة منهجاً متكاملاً لتحويل التعليم من شكله الحالي الفارغ من المحتوى إلى شكل علمي نافع وذلك عبر المنهج التالي:

- مزج العلم بالإيمان، حيث أن الإيمان أكبر محفز على عمارة الدنيا والإتقان في العمل والأمانة وغيرها من مقومات الإقتصاد الرشيد والسليم.

- دراسة الإقتصاد في أواخر صفوف الإبتدائية، كما يدرس فيها الحساب والجغرافيا وغيرها وقد قال الإسلام (من لا معاش له لا معاد له).

- ربط المدارس بالمؤسسات والشركات والمختبرات والمعامل وغيرها.

- تربية الطلاب المحبين للعمل، بل والعاملين في وقت الفراغ كعطلة نصف السنة ونحوها بمساعدة آبائهم وذويهم والخدمة في البيت، وتفهيمهم أن العمل شريف مهما كان وضيعاً في نظر المجتمع، مثل عمل الحمّال والكنّاس.

- فتح أكبر عدد من المدارس لاستيعاب كل الطلاب الذين يريدون الدراسة لئلا يرون الطريق أمامهم مسدوداً فينحوا نحو الخارج.

- المنع البات عن فتح الأجانب للمدارس في بلادنا.

- تفهيم الطلاب أن العمل الإقتصادي كيف يساعده في إدارة عائلته في الحال، وفي إدارة أهله في المستقبل حتى لا يكون همه كله في الوظيفة، بل يكون همه في العمل بنفسه، لأن ثمرة العمل أكثر من مقدار الراتب الذي يحصله الموظف.

- وأخيراً، أن يستوعب تماماً كيف تخلفت بلاده، حيث لم تستغل فيها موارد المال والثروة لأجل التقدم، وإنها إن (لَوْ) استُغلت استغلالاً حسناً، لم يبق فقير ولا حاجة معطلة، ولم تستشكل الحياة(9).

ومن هنا يعتبر الإمام الفقيد هذا النهج الإصلاحي للتعليم عاماً للطلاب والطالبات، مقرراً قاعدة اقتصادية لا نجدها موضحة عند غير سماحته حيث يقول: (أن نصف الإقتصاد في البلاد يدور حول أكتاف النساء)(10).

ومن الواضح أن هذه الرؤية لدور العلم في الشأن الإجتماعي والإقتصادي تنظر إلى الآفاق المستقبلية للبشرية وضرورة بناء ذلك على أساس من العلم والتنظيم والتخلي عن التبذير والترهل، وأن لا يقام أي مشروع تعليمي تربوي إلا بعد الدراسة العلمية وبعد التقييم السليم من قبل الخبراء. لذلك فإن الإمام الشيرازي (قدس سره) دائم التقويم والملاحظة لتأثير العلم والتطور التكنولوجي على جوانب الأداء التعليمي والتربوي في مؤسسات المجتمع، وسير عمل هيئاته وإداراته ومدى النفع الذي يقدمه كل ذلك لرفاهية المجتمع والدولة.

المصدر:مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث