رؤى علمية في فكر الإمام الشيرازي : الإصلاح الزراعي الإسلامي

 

 

 

يؤكد الإمام الفقيد (رحمه الله) مراراً وتكراراً على وجوب النظر إلى مسألة الزراعة ومسألة الماء نظرة شمولية متكاملة تربطهما بالقوة البشرية فيقول باستمرار (لا تطور بلا زراعة دائمة، ولا حياة بلا ماء) ويتطرق (قدس سره) إلى النشاط الزراعي الإسلامي الذي يعتبر أحد الأنشطة الاقتصادية فيقول : الأرض لله سبحانه وتعالى ولمن عمرها والزراعة هي إحدى مصاديق عمارة الأرض، وعليه يدعو دائماً بإلحاح إلى الإنسان له الحق في أن يزرع كما يشاء بالشرطين:

الشرط الأول: استثمار الأرض التي لم يسبق إليها أحد، فقد ورد (من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد فهو أحق به)(19)، ويكفي صدق مفهوم الإستيلاء دليلاً للإستثمار في الشؤون الزراعية.

الشرط الثاني: أن لا يسبّب الإستيلاء على الأرض تعدياً على حقوق الآخرين، فلا ضرر ولا ضرار في الإسلام.

ولأجل أن لا يتسبب تطبيق مبدأ الأرض لله ولمن عمرها الفوضى والنزاع، فإن الإمام الفقيد له رؤية ثاقبة في هذا المبدأ تدل على عبقرية سماحته ودقة فهمه وتحليله للأوضاع فيقول: (تقوم الحكومة بعملية الإشراف على عملية التوزيع بالتساوي وبمبدأ القرعة إذ أن الأرض كالهواء والضوء والماء لا يحق لأحد احتكارها، ولا يحق أخذ المقابل عند استثمارها).

وينطلق من هذا التشخيص الحاذق والذكي في مسألة التوزيع والإستثمار إلى مسألة اكتمال تنوع الناتج الزراعي بإشباع حاجة السوق، بالأساليب التالية:

1- تقوم الحكومة الإسلامية بالتخطيط اللازم للخطة الزراعية الكفيلة بإشباع حاجة السوق من المنتوجات الزراعية المختلفة، وهذه الخطة تعرض على الناس ومن الطبيعي أن الناس لا يريدون ضرراً لأنفسهم بالزراعة الزائدة والناقصة من الإنتاج الذي يبقى أو من قلة الإنتاج المحتاج إليه.

2- تقوم النقابات بالمساهمة مع الفلاحين برسم الخطط الرامية إلى زيادة وتنوع المحصول الزراعي بحيث يضمن حداً لا بأس به من الاكتفاء الذاتي.

3- تقوم الهيئات والمؤسسات الثقافية بإرشاد الفلاحين وتوضيح السياسة الزراعية التي يجب اتباعها لإشباع السوق بالمحصول المتنوع الذي هو مورد حاجة الناس.

فزيادة وعي الفلاحين يجعلهم يسلكون الطريق الصحيح برغبة ذاتية دون ضغوط خارجية، فالإسلام يرفض سياسة الإجبار التي تمارسها بعض الحكومات والتي تفرض على الفلاحين نمطاً معيناً من المحاصيل الزراعية حيث أن (الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم)(20).

لهذا فإن التغيير الذي أدخله الإمام الراحل على مفهوم السياسة الزراعية وهو ما عبر عنه الإمام بأنّ السياسة الزراعية لابد وأن تقوم على المصلحة العامة، فإذا كانت المصلحة العامة تقوم على إنتاج حجم معين من الحنطة، فلابد أن تراعي الحكومة والنقابات هذه المسألة في الخطة الزراعية التي ترسمها، وأما ما تذهب إليه بعض الحكومات التي تضع سياستها الزراعية على أساس مصالحها الخاصة أو مصالح الدول الكبرى، فهذا أمر مرفوض ولا يجب على المزارعين اتباع هذه الخطة فإن من حق الفلاح أن يرفض هذه السياسة الحكومية وأن يتبع المصلحة العامة، لأن اتباع سياسة الحكومة في هذا المجال سيسبب ضرراً عاماً(21).

ويتحدث سماحته في جانب آخر عن مضار الهجرة من الريف ـ حيث الزراعة ـ إلى المدينة التي هي في أمس الحاجة للريف،فيقول السيد الشيرازي وهو يحدد تلك المضار:

(تحطم الزراعة وانخفاض مستوى اللحوم والجلود والألبان ومنتجاتها، إذ القرى والأرياف هي التي تنتج هذه الأمور، فإذا انزاح أهلها إلى المدن تحطمت، وذلك يوجب الغلاء الشديد والقحط وقلة الأرزاق، كما يوجب تأخر البلاد ودخولها تحت الإستعمار، حيث الحاجة إلى البلاد الأجنبية وهي لا تعطيها شيء إلا بشروط استعمارية كما هو واضح، ثم أن أهل القرى أخذوا يهربون من القرية إلى المدينة بسبب آخر، وهو ظلم الملاّكين لهم حيث وجود المنفذ للفرار مما لم يكن الزمان السابق مهيأً لمثل هذا الهروب).

ومن هنا يتبادر إلى أذهاننا السؤال التالي: هل هذا هو الواقع الأليم الذي يعيشه العالم الإسلامي اليوم؟ والذي صار محتاجاً إلى الدول الغربية في كل شيء من غذاء ودواء وكساء وحتى الماء.. الجواب على هذا الحال المرير يجيب عليه الإمام الشيرازي بعودة الفلاحين إلى قراهم وأراضيهم والمباشرة بالزراعة والبحث عن مصادر المياه في الينابيع والعيون وتحلية مياه البحار المالحة والمحافظة على الثروات المائية الموجودة حالياً وتنميتها باكتشاف طرق علمية واقتصادية تساعد على ذلك.

بل إن الإمام الفقيد يذهب إلى ما هو ابعد من ذلك حين يدعو إلى تطوير القرى نفسها وتوفير وسائل الحياة الضرورية التي بسببها هجر المزارعون أرضهم وهروبهم إلى المدن فيقول (قدس سره): العلاج لهذه المشكلة ـ مشكلة النزوح من القرية إلى المدينة يتمُّ بأمور:

1- التخطيط لأجل استواء مستوى النقد في كل من البلد والقرية حتى يكون دخل الفرد في القرية مثل دخله في المدينة.

2- جعل مستوى القرية كمستوى المدينة في أسباب الحضارة، ولو بشيء منها، بأن يكون للقرية الطبيب والمدرسة والهاتف والماء والكهرباء إلى آخره.

3- محاولة إيصال القرى بعضها ببعض حتى تصبح مدناً ولو صغيرة والمدينة بطبعها تجلب الحضارة وتسبب التقدم.

4- نشر المؤسسات الحكومية والأهلية في أوساط القرى، بأن تكون الجامعات والمصانع والمعامل في أمهات القرى حتى يخفف العبء عن كاهل المدن، وحتى تنشر المؤسسات حولها النقد والحضارة والرقي، وبذلك يرتفع مستوى القرى، فلا يكون إغراء المدينة كبيراً وكذلك بناء الفنادق والمستشفيات وما أشبه في المصايف ونحوها.

5- الإعلام عن محاسن القرية الكثيرة، فإن للقرية محاسن جمة أمثال قلة الجرائم ووفور الصحة الجسدية وعدم القلق وتوتر الأعصاب المصاحب للمدينة الحديثة، وجمال الطبيعة الموجود في القرى، إلى غير ذلك الكثير.

6- تحسين وضع الزراعة بالإصلاح الزراعي الإسلامي، حيث يدر ربحاً أكثر للفلاحين والقرويين، وحتى لا تكون بطالة في القرية تُنفّرُ أهلها إلى المدينة رجاء المال والعمل)(22).

وهنا يجب التأكيد على أن التنمية القروية، واكتشاف موارد مائية جديدة وعدم التبذير في المياه الموجودة حالياً، من المسببات الحضارية لانتعاش الزراعة والتي هي أساس لمستقبل البشرية، وتشجيع الزراعة بالإصلاح الزراعي الإسلامي والمساعدة على التوسع فيها، يجب أن تكون من الأولويات الرئيسية لجميع القوى البشرية في أرجاء العالم.

ومن اجل إعادة إحياء هذا العالم من جديد. وبناءً على رؤية الإمام الشيرازي تبين أن تنظيم القطاع الزراعي عامل في غاية الأهمية فيجب عدم الإنسياق وراء مشاريع مترفة، كما يجب رفض الإرتجال في إقامة المشاريع وفي أداء العمل.

إن الإصلاح الزراعي الإسلامي حسب آراء السيد الشيرازي يفرض عدداً من المتطلبات والإشتراطات الجوهرية الواجب توفرها وهي:

1- الحرية الكاملة لكل المجتمع.

2- تطبيق نظام الإصلاح الزراعي الإسلامي المنادي (الأرض لله ولمن عمرها) والقائل بتكافؤ الفرص وعدم الإجحاف ومراعاة الكفاءة.

3- توفير حوافز للفلاحين والملاكين.

4- تأمين الأجور العادلة والطمأنينة للمزارعين.

5- تقديم التسهيلات للمزارعين وتوفير ما أمكن من ظروف العيش والتعليم والرعاية الصحية.

6- المحافظة على الأرض وحمايتها بالحد من استخدام الأراضي الزراعية لأغراض غير زراعية.

7- تشجيع رأس المال الإسلامي على الدخول في ميادين الزراعية وتربية الحيوانات ذات المردود الإقتصادي.

8- تشجيع استعمال تقنيات وطرائق تتيح توفير أعلى مستوى، فالري والسيطرة على أعداد المزروعات مثلاً يمكن تحقيقها على وجه أفضل.

9- ومن المهم جداً أن يستخدم المزارع موارد عوامل الإنتاج الزراعي استخداماً أكثر ملائمة وعقلانية وأن يكون له جهد كبير في نجاح عمله الزراعي.

10- يجب وضع حل شامل لظاهرة معقدة على الصعيد الإجتماعي والتقني، ففي حين تكون القطاعات الصناعية والخدمات في ازدياد، يقل الإقبال على المهن الزراعية والصيد، وبخاصة في المناطق التي تتعرض لظروف مناخية قاسية، ولذا لا مفر من توفير المشاريع الإروائية والزراعية، والتشجيع المتواصل على ممارسة مهنة الآباء والأجداد.

11- ولا يتوقف النهج الشيرازي في الزراعة، عند هذه الحدود، بل يدخل إلى جانب آخر من المشكلة، ويرسم طريقاً يحقق للمزارعين الفائدة التي يتطلعون إليها من وراء عملهم، وكذلك يحقق للمستهلكين وفرة الغذاء الذي يحتاجون إليه.

وذلك الجانب من المشكلة هو أسلوب التوزيع فهو عامل تنظيمي آخر، له نتائج مهمة على الزراعة، ويمكن أن تكون التحسينات في هذا المجال مفيدة إضافة إلى العمل الزراعي نفسه. وقطاع التوزيع غير الفعال من الناحية المادية، قد يسبب خسائر جسيمة مردها إلى نقص وسائل الخزن والتبريد. إن عدم فعالية التوزيع تتمخض، من الناحية الإقتصادية، عن ارتفاع الأسعار والإضرار بالمزارع والبائع والمستهلك.

إن مساحة الأراضي الصالحة للزراعة تشكل تحدياً، لذلك لابد من إيجاد بدائل جديدة من الأراضي الصالحة للزراعة تتيح زيادة الإنتاج الغذائي.

ومن أجل تحقيق استصلاح الأراضي للزراعة، فإن الإمام الفقيد (رحمه الله) قد وضع أسس النهضة الزراعية الإسلامية وهي:

1- العناية بالمزارع وتوفير حقوقه الإنسانية وتحسين ظروفه الصحية والإجتماعية والإقتصادية.

2- التخطيط الزراعي السليم.

3- زيادة الوعي بأهمية الإنتاج الزراعي.

4- إحياء أراضي زراعية جديدة.

5- المحافظة على الثروة المائية الحالية وتوفير مصادر جديدة للمياه.

6- توفير الآلات الزراعية وتيسير استخدامها.

7- توفير الأمن والإستقرار لجميع أبناء الإجتماع.

8- تطوير نظام التسويق بما يكفل تشجيعاً اكبر للمزارعين ومصلحة للمستهلك.

9- تسخير جميع الإمكانات والطاقات للإعتماد على الذات في توفير الإحتياجات الغذائية.

10- القيام ببرامج التطوير الزراعي، ودعم مراكز الإرشاد الزراعي بما يعزز من قدرتها على تقديم الخدمات اللازمة للمزارعين.

11- تنفيذ المشاريع الحيوية الزراعية للبدء في تنمية زراعية متكاملة تولي تركيزاً خاصاً على تطوير المحاصيل الزراعية الأساسية لغذاء الناس مع الإهتمام بالمحاصيل الجديدة.

12- التأكيد على وضع دراسات وقوانين مدروسة لتطوير المراعي الطبيعية.

13- وأنه لمن المهم دائماً أن يواكب هذه الجهود، عمل مستمر ليس فقط لاكتشاف تطوير ومصادر وموارد المياه وإنما المحافظة عليها باعتبارها ثروة لا يجوز التفريط بها. لذا وجب الإقتصاد في استخدامها واتباع نظم الري الحديثة.

هذه الأسس والنقاط التي وضعها الإمام الشيرازي في مواجهة المسألة الزراعية لتؤكد نظرته الثاقبة في وضع الحلول والأسس لنهضة زراعية شاملة لأبناء هذا الجيل.

حيث دعا (قدس سره) إلى:

1- تنمية المناطق والوحدات الجديدة بحيث تجذب سكاناً جدد وتقدم لهم بديلاً عن ساكني المدن.

2- زيادة الإنتاج الغذائي وتطوير وسائل التخزين والنقل والتوزيع.

3- إن تغييرات بهذا القدر من الأهمية لا يمكن إجراؤها بسرعة ويجب أن تقترن بخطط أخرى على المدى الطويل.

4- إن تحويل مناطق واسعة إلى مناطق زراعية قد يسبب تغييرات مناخية كبيرة يصعب تحديد نتائجها المحتملة، ولذا فإن ذلك التحويل يجب أن يتم بتأن وعلى وفق الأنظمة والقوانين التي تشرع بموجب الرؤية العلمية الصائبة تجاه البيئة والمحافظة عليها.

5- إن الملوحة، والإتكال، وتصلب التربة، والزراعة الكثيفة والإكثار من شق الطرق وإقامة المعامل بالقرب من الأراضي الزراعية، كلها عوامل متلازمة تقلل المساحات الجاهزة من الأرض الصالحة للزراعة، والأضرار الناجمة عن ذلك جسيمة لأن تجديد سطح التربة جيولوجياً بطيء، لذلك يجب أن تكون مشاريع الطرق والجسور والمعامل بعيدة عن التأثير على رقعة الأرض الزراعية.

6- إن المحافظة على التربة ترتبط بصورة أساسية باستعمال الموارد استعمالاً واعياً بالتوافق مع الظروف البيئية، وبالإمكان حماية التربة باستخدام طرق مناسبة كالإخصاب، والري واستعمال الآلة، وخطط وقف التصحر.

7- تسخير كل الجهود من أجل تطوير قطاعات المياه والزراعة وفقاً لأساليب عملية وواقعية آخذين بنظر الإعتبار الإهتمام بالمحاصيل التقليدية وغيرها من المحاصيل التي تجوز زراعتها في العالم الإسلامي، وتساعد على تحقيق أكبر قدر ممكن من الإكتفاء الذاتي في المنتجات الغذائية.

وختام القول فإن الزراعة باحتياجاتها المختلفة، من الماء والبذور وتجهيز التربة والأسمدة ونظام التسويق مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالطاقة التي يرى الإمام الشيرازي إن أبرز جوانبها الطاقة البشرية والطاقة الآلية ووضع (قدس سره) لكل صورة من صور الطاقة، تلك الأجواء المناسبة لاستثمارها على أفضل الوجوه لأنه (رحمه الله) جعل زيادة الإنتاج الزراعي هو الهدف الرئيسي بحيث أصبح واضحاً أثر مكننة الزراعة واستعمال المخصبات والأسمدة، واستعمال الأرض الجاهزة والطاقة الشمسية استعمالاً أكثر فعالية.

لقد حدد الإمام الفقيد (قدس سره) هذه الحقائق عندما وضّح أن التنمية الزراعية حين تبنى على تقنيات ملائمة يكون أثرها زيادة المردود زيادة كبيرة بفضل التطوير القائم على دراسات للأرض وتنفيذها طبقاً للعادات الزراعية المناسبة وهنا على الفلاحين أن يتزودوا بمعلومات تقنية تساعدهم في استخدام الوسائل الجديدة وحينها تصبح التنمية الزراعية من الناحية الفنية في متناول جميع الفلاحين وسينتج عن ذلك حقيقة مفادها أن زيادة سريعة في المردود ستكون أكثر سهولة.

المصدر:مركز الإمام الشيرازي الدولي للدراسات والبحوث