رؤى علمية في فكر الإمام الشيرازي : البيئة

 

 

 

المقدمة

هناك حقيقة علمية مهمة لابد من تشخيصها الآن وهي أن الإمام قدم فكراً علمياً نيراً تأثر به بعض علماء الغرب، وبنوا نظرياتهم على افتراضاته واستنتاجاته مع تدعيمها برؤيتهم المادية فظهرت كأنها نقيض لذلك، وتبرز قوة المتناقضات بين النظريات الغربية وفكر السيد الشيرازي في أحيان عديدة في اختلاف التوجهات والأهداف والأساليب بين النمطين من التفكير والأداء، والذي يعتبره الإسلام واجباً لا تراجع عنه لأنّ هدف الإسلام سعادة المجتمع في الدنيا والفوز في الآخرة.

لقد عودنا الإمام الشيرازي ـ تغمده الله برحمته ورضوانه ـ في كتبه أن يتناول أعقد وأخطر المسائل بأبسط العبارات، وهي في مجموعها تثير دهشة الباحث بسعة علم الإمام ودقة وصفه، فالقارئ لكتبه يجد نفسه تارة أمام عالم في الكيمياء، وكأنه خارج لتوه من مختبره يحدث مستمعيه بحصيلة تجاربه واختباراته، وهو تارة أمام عالم في الفلك كأنه تقدم بالسبق والريادة على علماء الفلك في الوقت الحاضر في رصد حركات الفلك والمنظومات الشمسية، وهو تارة أمام طبيب حاذق يقوم بتشريح جسم الإنسان وتبيين الأمراض والأسقام وعللها وكيفية علاجها، وتارة أمام عالم فقيه ذو ثقافة متشعبة بيَّن دقة نظرياته وأهميتها، وتارة أمام اقتصادي عظيم مُنظِّر لنظريات علم الاقتصاد، وتارة أمام سياسي محنك تعددت طروحاته وأفكاره وتنبآته السياسية وتارة أمام عالم للاجتماع ومفسّرٍ وأديبٍ ذي أسلوب متميز وافتنان عجيب وابتكار غريب في تدوين وتأليف هذه العلوم، ويشهد له السبق في المعرفة بالعلوم الإسلامية.

وإذا انتقلنا من الجانب العلمي النظري إلى الجانب الروحي رأينا فيه ذلك العالم الفقيه والوجه الملائكي والإمام القدوة لكل عالم وتقي، كنت إذا نظرت إليه وجدت نور سيدنا محمد (ص) يسطع على وجنتيه وعلمت أنه من سلالة النبيين والصديقين. هكذا كان الإمام محمد الحسيني الشيرازي ـ رحمه الله برحمته الواسعة ـ عالماً بكل شيء ومجتهداً وموسوعتي في كل العلوم فهو (قدس سره) لسان ولغة، استقى من منهله العذب كل متعطش للمعرفة، يأخذ عنه.. ويعترف بعلمه وفضله وزهده فكيف لا.. وهو إمام الزاهدين وقدوة المتقين وهداية المتعظين.

وها نحن مقبلون على دراسة حياة الإمام الفقيد السيد الشيرازي الحافلة، والوقوف على جوانب علومه وثقافته المتشعبة، ولو بإيجاز، وبأسلوب حضاري فريد بغية التعرف والإستنارة بالجوانب غير المعروفة من ثقافة الإمام وعلومه النيرة، لنثير شوق الباحث إلى مزيد من البحث والدراسة والتنقيب اغترافاً من منهل هذا البحر الزاخر. وإننا على ثقة ويقين بأن روح الإمام الفقيد الطاهرة ستسر بهذه البادرة الطيبة إذ فيها إحياء الجانب الروحي من التراث الإسلامي وتجديد لذكر أهل البيت النبوي وعزاؤنا في كل الأحوال هو قول الرسول  (ص): (العلماء باقون ما بقي الدهر) وقول أمير المؤمنين علي  (ع): (العالم حي ولو كان ميت).

البيئة

من المسائل التي تناولها الفقيد في العديد من أبحاثه مشكلة التلوث البيئي من مختلف الأبعاد وسلط الأضواء حول أسباب هذه المشكلة وكيفية التوقي منها. ويسعى بذلك سماحته حثيثاً بطرح مبادئ الإسلام في مواجهة التحديات الحضارية التي يواجهها الإنسان في الحاضر والمستقبل فتلوث البيئة يعتبره الإمام نوع من الإعتداء على حرمة الإسلام، ونهى عنه القرآن الكريم عندما قال: (وَتَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: 62).

وقال أيضاً: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: 2). فالعدوان حرام سواء كان على البيئة أو الدماء أو الأعراض أو الأموال، لأن الإعتداء على البيئة عدوان على الطبيعة، والعدوان على الطبيعة يسبب أضراراً جمة حيث يجعل من الهواء ملوثاً ساماً، ويجعل من الماء مادة سامة قاتلة، ويجعل المحاصيل الزراعية مواداً ملوثة سامة، وكما تتلوث النباتات تتلوث الأسماك التي تتغذى في البحار والأنهار الملوثة، واليوم أصبح الإنسان يعيش في وسط مملوء بالتلوث، هواءه ملوّث، ماؤه ملوّث، طعامه ملوّث، شرابه ملوّث، وحتى سماؤه أصبحت ملوثة نتيجة تطاير الغازات وتفاعلاتها في المنطقة الأيونية مسببة ثقباً خطيراً في طبقة الأوزون، فماذا يجب أن تفعله البشرية في مواجهة هذا الخطر الداهم الذي يهاجم بلا إنذار ويفتك بلا رحمة؟.

وقد عالج الإمام (قدس سره) هذا الوحش الكاسر الذي نطلق عليه اسم التلوث في كتابه (الفقه البيئة)، حيث ذكر فيه مجموعة من المسائل والعلاجات حول موضوع (البيئة) في المنظار الشرعي والعلمي، موضحاً أن الإسلام بيّن أحكام البيئة سلباً وإيجاباً، وجوباً وحرمة، ندباً وكراهة، تكليفاً ووضعاً(1).

ألم يكن الإمام (قدس سره) بصيراً بالعواقب عندما نصح الإنسان بعدم تلويث البيئة دفعاً للأضرار والمشكلات التي يتعرض لها؟ لقد كان سماحته يتمتع بنظرة خارقة ومفهوم واسع للتلوث، حيث طالب البشر أن يتعامل مع البيئة من منطلق أنها ملكية عامة يجب المحافظة عليها حتى تستمر الحياة (وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) (الأعراف: 85) فالإفساد هنا برأي الإمام مطلقاً حرام، أما الإفساد بعد الإصلاح فهو أكثر حرمة ولم تقتصر نظرة الإمام الشيرازي للبيئة على البعد المكاني بل شملت البعد الزماني (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) (العنكبوت: 20).

وقد طالب (رحمه الله) المسلم أن يستثمر عمره (باعتباره بعداً زمنياً هاماً)، في تعامله مع الأنظمة البيئية من منطلق أنها نعمة كبرى على الإنسان ودعا إلى النظر في مكونات البيئة والتأمل في مخلوقات الأرض، ولم يبق إلا الالتجاء إلى أحضان الإسلام الذي يجعل لكل شيء قدراً، ولكل شيء مخرجاً ولا علاج (حسب قول الإمام) إلا بالعودة إلى مناهج الله سبحانه وتعالى التي وضعها للإنسان، لبدنه، لنفسه، لروحه، لأسرته ومجتمعه والإيمان بالله الذي يدخل إلى أعماق الإنسان وأخلاقه الطيبة وصفاته النفسية الرفيعة. وعليه يمكن اعتبار دراسات الإمام الشيرازي في مفهوم التوازن البيئي أفضل ما يمثل هذه الحقيقة الكبرى، فقد وضع نظريات وتفسيرات معتمداً على الآيات الكريمة كقوله سبحانه وتعالى: (وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ) (الحجر: 19) فمفهوم التوازن البيئي من مصاديق هذه الآية المباركة، ويفسرها سماحته، هو بقاء عناصر أو مكونات البيئة الطبيعية على حالها كما خلقها الله سبحانه وتعالى دون تغير جوهري يذكر، فإذا حدث نقص في جانب أو زيادة في جانب اضطرب التوازن، وهكذا يأخذ سبحانه وتعالى بالتوازن البيئي في مقابل اللاتوازن، الذي من مصاديقه التلوث، وإنما التلوث يكون بسبب الإنسان ممّا يوجد إخلالاً بالتوازن ويضر كل شيء الإنسان والحيوان والنبات.

إذن فالتلوث حسب مفهوم الإمام قد يكون مادياً ومعنوياً، أي تدخل الإنسان في قوانين البيئة التي سنها الخالق عز وجل، وإخلاله بتوازن عناصرها ومكوناتها بحيث تكون ضارة للإنسان والحيوان والنبات. ويرى الفكر البيئي الشيرازي لمسألة تلوث الهواء، دعوة الحكومات والجمعيات الإقليمية والدولية لحماية الهواء من الملوثات،فيقول  (رحمه الله): (اللازم على الحكومات والجمعيات والمؤسسات والأفراد حماية الهواء من الملوثات وإيصال نسبة التلوث إلى القدر الطبيعي الذي لا يضر بصحة الإنسان وذلك بضبط مصادر التلوث، والعمل على تطوير مصادر الطاقة النظيفة، واستخدام مصادر جديدة للطاقة.. التي تحفظ مكونات الهواء النظيفة، وفقاً للمقادير التي ذكرها علماء البيئة). ففي القرآن الحكيم والروايات الواردة عن المعصومين  إشارات كثيرة إلى كل هذه الأمور، مثل قوله عز وجل (وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (البقرة: 211) وقوله سبحانه وتعالى: (أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) (إبراهيم: 28) وعن جعفر بن محمد (ع) عن آبائه عن علي (ع) قال: (نهى رسول الله (ص) أن يلقى السم في بلاد المشركين).

وفي جانب آخر تناول سماحته مشكلة تلوث المياه برؤية علمية ثاقبة وبموضوعية فريدة حين يقول (يجب الحفاظ على المياه من التلوث، فإن الماء هو من أهم عناصر الحياة، فهو المكون الأساسي لتركيب مادة الخلية، حيث يكوّن القسم الأعظم من جميع الخلايا الحية في مختلف صورها وأشكالها وأحجامها وأنواعها من النباتات والحيوانات والإنسان.

أما المفهوم الإسلامي لتلوث المياه، وكما سيتوضح في استجلاء، فكر سماحة الفقيد فهو مفهوم واسع ودقيق (تلوث الماء هو إحداث تلف أو إفساد بنوعية المياه مما يؤدي إلى حدوث خلل في نظامها بصورة أو بأخرى بما يقلل من قدرتها على أداء دورها الطبيعي، بل تصبح ضارة مؤذية عند استعمالها أو تفقد الكثير من قيمتها الاقتصادية).

إضافة إلى ذلك يحدد الإمام الشيرازي (قدس سره) رؤيته للتلوث النفطي كأحد ملوثات الماء، حيث يتناول سماحته معالجة هذا الموضوع واصفاً إيّاهُ بأنه كفر بنعمة الله سبحانه وتعالى، باعتباره إفساد بطبيعة  المياه، وله عاقبة سيئة حيث أنه لا يواكب الحياة وكل ما لا يواكب الحياة يكون مصيره الدمار فيقول (قدس سره): يحرم تلويث البحار والأنهار بالنفط وغيره سواءً كان عمداً في أصله كما في حرب الخليج، أو غير عمد إذا كانت المقدمة عمدية، فإن مقدمة الحرام حرام أيضاً، كما إذا كانت الناقلة محتملة الإنفجار وسط البحر، ثم إن الذي يسبب الضرر يكون ضامناً أيضاً فرداً كان أو شركة أو دولة، فالحكم في هذا المورد تكليفي ووضعي وذاك يعد كفراً بنعمة الله سبحانه وتعالى ، مصداقاً لقوله تعالى (أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ) (إبراهيم: 28-29).

ومما أشار إليه سماحة الإمام الفقيد مشكلة تلوث التربة حينما يقول: (الأرض أيضاً قد تتعرض للتلوث، والمراد بالأرض التراب المفروش على سطح الكرة الأرضية) والله سبحانه وتعالى خلق الأرض طاهرة مطهّرة، قال الرسول (ص): (جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)(2)، إذن الأرض بمفهوم الإمام الشيرازي طاهرة وتطهّر من يمشي عليها إذا كانت قدمه نجسة بشروط مذكورة في الفقه وقد ورد في الحديث: (إن الأرض تطهر بعضها بعضاً)(3).

وتتلوث الأرض بشكل عام نتيجة لتراكم المواد والمخلفات الصلبة التي تنتج من المصانع والمزارع والمنازل، فالتلوث يفقد الأرض خصوبتها، ويؤثر تأثيراً سيئاً، حيث يسبب التلوث برأي الإمام قتل البكتريا النافعة التي تعمل على تحليل المواد العضوية وعلى تثبيت عنصر النتروجين، ولذا تتجدد نظافتها بهذا السبب بالإضافة إلى الشمس والماء والهواء.

فإن العناصر الأربعة كلها منظفه. ويرى الإمام (قدس سره) أن ملوثات البيئة إذا تمكنت من القضاء على البكتيريا النافعة فإن الحياة على كوكب الأرض تكون مهددة بالفناء وكذلك ارتفاع نسبة الأملاح في التربة عن المعدل الطبيعي يوجب تلوث التربة، وهنا تكون مسؤولية الإنسان كبيرة نحو الطبيعة والبيئة، وقد قال الإمام علي (ع): (فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم)(4).

ومن مصادر تلوث التربة، إستخدام المبيدات التي قد تقضي على الأعشاب والحشرات والآفات الضارة، لكنها تتراكم في التربة ملوثة إياها لتُغسل فيما بعد إما بالأمطار أو بالري محمولة إلى جداول الأنهار والماء، فهي ذات مخاطر كبيرة في تلويث التربة والماء، إذ بجانب دورها الهام في القضاء على الآفات فإنها تلوث التربة، والماء والمحاصيل، لا تلبث أن تسبب مشاكل خطيرة للبيئة، ويرى الإمام الفقيد بأن المبيدات من أهم ملوثات التربة، حيث يؤكد أنها تستعمل في المكافحة الكيمياوية في كافة أنحاء الكرة الأرضية، موضحاً أنها كانت فعالة لدرجة أثارت الإعتقاد بمقدرتها على التغلب على مشكلات الآفات الزراعية بشكل نهائي، ولكن هذا العمل لم يدم طويلاً إذ سرعان ما تبين أن هذه المبيدات تنقذ المحاصيل والغابات والمروج من أخطار الأمراض، لكنها من ناحية أخرى تؤدي حسب قول الإمام إلى تخلخل النظام البيئي وتلويث المحيط وتؤثر بأشكال سلبية عديدة على حياة الإنسان والحيوان والنبات. كذلك تعتبر المخصباتُ (الأسمدة) مصدراً آخراً من مصادر تلوث التربة فبالإضافة إلى أنها تستخدم للحصول على إنتاجية زراعية أفضل عن طريق زيادة خصوبة التربة، إلا أن جزءاً كبيراً من هذه الأسمدة يزيد عن حاجة النبات، فيبقى في التربة مسبباً إسرافاً لا مبرر له من الناحية الاقتصادية، وفي نفس الوقت تعتبر عاملاً مهماً من عوامل تلوث التربة، ويسبب أضراراً بيئية هائلة.

فعند ري التربة المحتوية على هذا القدر الزائد من الأسمدة فإن جزءاً منها يذوب في مياه الري، ويتم غسله بمرور الوقت، حتى يصل إلى المياه الجوفية أو الأنهار، وبذلك يرفع نسبة كل من الفوسفات والنترات في المياه، وتقوم الأمطار كذلك بدور هام في هذه العملية إذ ينجم عن ذلك حالات من التلوث المائي، وهنا نرى الإمام الفقيد وضع العلاجات لهذه الملوثات بقوله (قدس سره):

(ولا يخفى أن العلاج لا يكفي للتخلص من مشكلة التلوث بل من المفترض إجراء عمليات الوقاية أيضاً فإن ـ قيراطاً من الوقاية خير من قنطار من العلاج ـ وضمان الوقاية من التلوث هو الأخذ بتعاليم الأنبياء والأولياء الصالحين (ع) كما كان الأمر كذلك قبل الثورة الصناعية، حيث كان تمسك الناس بالدين أقوى بكثير من الوقت الحاضر).

ويرى سماحة الإمام الشيرازي (رحمه الله) طرقاً عديدة ومتنوعة للوقاية والمحافظة على التربة فيقول (قدس سره):

(ومن طرق الوقاية والمحافظة على التربة استخدام الحشائش التي تؤدي إلى البقاء على رطوبة التربة، وزراعة المحاصيل التي تتحمل الجفاف والملوحة في الأرض الجافة، وتشجيع الفلاحين على استخدام خبراتهم وكفاءاتهم في التخطيط، واستخدام مياه الصرف الصحي المعاد تكريره لأغراض الري، فإن مياه الصرف الصحي لا تكلف سوى خمس نفقات مصدر جديد للمياه العذبة) ومن ملوثات التربة هي نفايات المصانع، وهي مخلفات عديدة مصدرها عمليات التصنيع والتعدين كافة، كذلك الفضلات الكيمياوية الناتجة عن المصانع الكيمياوية ومخلفات تكرير البترول مثل (الحمأة الزيتية) وهي فضلات ناتجة عن تنظيف مستودعات النفط بغرض إعادة تعبئتها. تصرف هذه الملوثات إلى التربة أو تدفن فيها مسببة أضراراً كبيرة على البيئة والإنسان، وهي إما أن تكون سامة مميتة، أو تسبب مشكلات صحية.

والعلاج الواقعي حسب ما يراه الإمام الشيرازي (رحمه الله) لحل مشكلة نفايات المصانع يتحقق عبر:

1- تقليل الإنتاج المسبّب لهذه النفايات إلى أقل قدر ممكن.

2- تحويل الإنتاج إلى المواد الصالحة ولو كلف كثيراً.

3- محاولة تحصيل الطرق الصالحة لإبادة هذه النفايات.

ويتطرق السيد الإمام الشيرازي (قدس سره) إلى ملوث آخر للبيئة هو التلوث الصوتي (الضجيج) وهو عنصر مستحدث من عناصر تلوث البيئة وبالأخص سكان المدن، وهو أحد مخلفات الحضارة الصناعية، وهنا يعرف سماحته الضوضاء (بأنها جملة أصوات مستهجنة تحدث تأثيراً مضايقاً للسمع ومثيراً للعصبية) ويختلف الناس في قدراتهم على تحمل الأصوات الشديدة والمزعجة، فالأذن البشرية ليست متساوية في حساسيتها للترددات ولشدات الأصوات والضغوط المختلفة.

أما المفهوم الإسلامي للتلوث الصوتي، فيتوضح في استجلاء في فكر سماحة الإمام الشيرازي (قدس سره) معتبرهُ من أكبر عوامل التلوث شدة، وبالأخص المدن، حيث تزدحم بالأصوات المختلفة مثيرة الأعصاب والإرهاق حيث يقول (رحمه الله):(قسم من علماء البيئة اعتبروا الصوت أحد الملوثات، حيث أنه يسبب ضرراً للإنسان والحيوان والنبات، فالأصوات العالية تسبب ضعف السمع لفترة من الزمن، ثم يعود الإنسان بعد ذلك إلى حالته السابقة، وعادة يحدث هذا التأثر للإفراد الذين يتعرضون للضوضاء والأصوات العالية المتدفقة من الأدوات داخل المصانع والورشات).

وإذا واصلنا مسيرتنا، عبر نظريات الإمام الشيرازي ونظريات علماء البيئة الماصين والمعاصرين، نصل إلى رؤية تذهب إلى أنه يتعرض الإنسان يومياً لضوضاء عالية كالأماكن المزدحمة، والذين هم على أطراف طرق السيارات، فإنهم يصابون بضعف مزمن في السمع، فإذا ما تعرض الإنسان يومياً لسماع صوت عالٍ ومدوِّ ومفاجئ، فإن هذه الأصوات قد تؤدي إلى إيجاد ثقوب في طبلة الأذن نتيجة للضغط الكبير الذي تولد خارج الأذن، وأحياناً يتأثر جهاز التوازن في الأذن الداخلية فيشعر الفرد (حسب ما يلوح له الإمام الشيرازي في كتاب فقه البيئة) بالدوار والقيء، وأحياناً يموت الإنسان بسبب صوت مفاجئ من انفجار قنبلة أو صاعقة أو صوت مدفع وما أشبه ذلك.. وهنا يتوصل سماحته إلى حقيقة علمية عظيمة مفادها أن الضوضاء لها آثار تراكمية تتناسب طردياً مع عدد ساعات التعرض ومع مستوى الضوضاء ذاتها، وتتناسب الآثار الفسيولوجية طردياً مع هذين العاملين، فلا نستغرب إذا لاحظنا أن كثيراً من علماء البيئة المعاصرين قد أفادوا من دراسات الإمام الفقيد ورؤاه واستنتاجاته إفادات كثيرة، منها أن هذه الأصوات المرتفعة تؤثر على الغدد الصماء، التي تقوم بإفراز الأنزيمات الهرمونية، وتضطرب هذه الأنزيمات، نتيجة الأصوات العالية والضوضاء الصاخبة، مسببة ارتفاع نسبة الكولسترول في الدم وعدم انتظام ضربات القلب وهذا بالتالي يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم فيرى الإمام (رحمه الله) أن المجتمعات الأوروبية والصناعية تعاني من أمراض عديدة كضغط الدم، ولكن هذه الأمراض قد لا تجدها في البلدان النامية فيقول (قدس سره):(ولعل هذا هو أحد العوامل المؤدية إلى زيادة نسبة مرضى ضغط الدم بين سكان المجتمعات الصناعية، بينما نجد عدم وجود هذا العائق في المجتمعات الريفية والبدائية).

وهذا يؤيد نظرية الإمام جعفر الصادق (ع) حين يعرف الضوضاء بأنها ظاهرة خطيرة في بعض المناطق، قليلة الشأن في مناطق أخرى(5)، فيعتبر (ع) الأصوات المزعجة والضوضاء من العوامل المضرة بالصحة والمسببة للعديد من الأمراض المزمنة، وقد ثبت من الناحية العلمية، بأن الصوت المزعج وحسب مفهوم الإمام الصادق (ع) يسبّبُ أثراً سيئاً على سلامة الإنسان وهدوء أعصابه، فيصيب الجسم بالعلّة والمرض مما يختزل عمر الإنسان وبمقدار يتراوح بين (5-10سنوات).

ويتطرق الإمام الشيرازي (رحمه الله) من ناحية أخرى إلى أن التلوث الصوتي قد يكون له تأثير اقتصادي بالإضافة إلى تأثيره الصحي، وكثيراً ما يؤثر التلوث الصوتي على إنتاج العاملين في المصانع والورش، نظراً لما يسببه لهم من حالات الصداع وعدم القدرة على التركيز، أو من الإنفعالات الزائدة والعصبية وعلى هذا الأساس فإن الإمام الشيرازي (قدس سره) بنظرته العلمية لمسألة التلوث الصوتي ورؤيته الفقهية المستوحاة من الدين الإسلامي الحنيف يضع طُرقاً عدة للقضاء على هذا التلوث منها:

1- إبعاد المناطق السكنية عن المنشات الصناعية والمطارات، مع مراعاة عدم مرور الطائرات فوق المدن.

2- التوعية الشاملة، وإصدار القوانين وتطبيقها بشكل حازم مع ملاحظة الجمع بين أصالة الحرية وقاعدة لا ضرر.

3- العناية بتصميم البيوت واستخدام مواد البناء التي تقلل قدر الإمكان من نفاذيتها للضوضاء، وكذلك التنسيق بين سعة الشوارع وارتفاع المباني، والإكثار من التشجير.

4- منع مرور السيارات الكبيرة والشاحنات داخل المدينة، ووضع خطة مرورية شاملة تؤمن تدفق السير.

من الملوثات التي سببت أضراراً كثيرة لمختلف عناصر البيئة هي الأمطار الحامضية والتي كانت تنشأ سابقاً نتيجة بعض العوامل الطبيعية التي لا دخل للإنسان فيها كالبراكين وحرائق الغابات أو تحلل بعض الكائنات الحية نباتية كانت أو حيوانية، ويبدو أن هذه الظاهرة صاحبت الثورة الصناعية، حيث ربطت بين الدخان المتصاعد من مداخن المصانع وبين الحموضة التي لوحظت في مياه الأمطار المتساقطة على المناطق المحيطة بهذه المصانع.

وهنا يوضح الإمام (رحمه الله) مسببات هذه الظاهرة فيقول (تتعرض البيئة ـ جواً أو بحراً أو براً ـ إلى الأمطار الحامضية من أكسيد الكبريت وأكسيد النتروجين التي تنطلق إلى الهواء الجوي نتيجة لاحتراق الوقود مثل النفط والفحم في محطات إنتاج الطاقة الكهربائية ومحركات الآلات وأفران المصانع. كما أن هذه الغازات تنتج من مصانع إنتاج الأمونيا ومصانع الأسمدة ومعامل تكرير البترول والصناعات البتروكيمياوية وغيرها).

ولا يقتصر تأثير هذه الغازات على المناطق التي خرجت منها بل أحياناً تحمل الرياح هذه الغازات إلى مسافات بعيدة، وإذا كان الهواءُ جافاً فإن رذاذ هذه الغازات المذابة في بخار الماء في الهواء الجوي تظهر على هيئة ضباب ذي طعم لاذع. وعندما يصبح المناخ مناسباً لسقوط الأمطار، تذوب هذه الغازات في مياه الأمطار، وتسقط على الأرض على هيئة مطر حامضي التأثير، وقد نبّه الإمام الشيرازي (قدس سره) إلى أخطار هذه الأمطار الحامضية على مختلف عناصر البيئة الطبيعية،فيقول: حين تتساقط على المسطحات المائية، فإنها تؤدي إلى إصابة الكائنات البحرية بأضرار جسيمة وربما أدت إلى هلاك الأسماك والأحياء المائية، وعندما تسقط على سطح الأرض، تتفاعل مع بعض مكونات التربة وتفتت الصخور، وبالأخص الصخور الجيرية وتجرفها معها إلى مياه الأنهار والبحار، مما يؤدي إلى نخر في التربة، وزيادة مضطردة في تركيز أيون الكالسيوم في الأنهار، وكذلك أيونات بعض العناصر الفلزية الأخرى. مسبباً ضرراً كبيراً للكائنات الحية التي تعيش في هذه الأنهار لأنها تتجمع بمرور الزمن في أجسامها.

هذا بالإضافة إلى تأثير هذه الأمطار والضباب الحامضي على البشر حيث تكون الفرصة مهيأة لإحداث أضرار بالغة بالذين يستنشقونه أو الذين يتأثرون به مسبباً أمراضاً مستعصية. وقد حدد الإمام الشيرازي (قدس سره) الإطار العام للحد من خطورة الأمطار الحامضية، وذلك بوضع مدخل لعلاج هذه الظاهرة عن طريق التخلص من هذه الغازات قبل إطلاقها للجو عن طريق أبراج غسيل خاصة لامتصاص غازات أكسيد الكبريت وأكسيد النتروجين، كذلك يمكن التخلص من مشكلة الأمطار الحامضية باستعمال أفران ومواقد جديدة تعمل على توقف انطلاق هذه الغازات عن طريق استخدام أنظمة لحقن حجر الكلس في هذه المواقد، ويرى الإمام (رحمه الله) استخدام تقنية أخرى جديدة ورخيصة تحجم من حدوث الأمطار الحامضية، هي إمكانية إزالة الكبريت وأكاسيده بعد الإحتراق، وقبل أن تنفذ الغازات عبر المداخن ويتم ذلك بغسل الغازات بمادة قلوية تحولها إلى فضلات  (خبث) تسحب بواسطة أجهزة ميكانيكية خارجاً.

ومن الملوثات البيئية التي تطرّق إليها الإمام الراحل في كتابه فقه البيئة هو التلوث الإشعاعي الذي يعتبره (قدس سره) من أخطر الملوثات على البيئة وتكمن خطورته في زمن تأثيره على الكائن الحي، فقد يظهر تأثيره بصورة سريعة ومفاجئة على الكائن الحي، أو قد يأخذ وقتاً طويلاً كي يظهر وربما في الأجيال القادمة، وعند تعرض الإنسان  لمصدر شعاعي فإن التأثير قد يكون تأثيراً مباشراً أو غير مباشر. وهنا يحدد الإمام الأنسجة الأكثر حساسية للتأثيرات المباشرة لا ضرار هذه الإشعاعات، وهي عدسة العين ونخاع العظم والغدد اللمفاوية والدرقية والجهاز الهضمي مسببة القيء والإسهال وظهور حرق جلدي ونزيف دموي وسقوط الشعر وإرهاق بالغ وحمى واسوداد في العين، كما يحدث ضمور في خلايا نخاع العظم وتحطيم في الخلايا التناسلية يعقبها هلوسة ووفاة. أما التأثير  غير المباشر لهذه الإشعاعات فإنه يظهر في مرحلة متأخرة من عمر الإنسان، مؤدية إلى سرطانات الدم والغدد والعظام والرئة.

ثم ينتقل الإمام الشيرازي (قدس سره) إلى مسألة آلية عمل وتأثير هذه الإشعاعات بمفاهيم علمية دقيقة ورؤى سباقة في تفسير الظواهر العلمية وهي بمجموعها تثير دهشة علماء البيئة المعاصرين بسعة علم الإمام ودقة وصفه في تفسير ميكانيكية تأثير هذه الإشعاعات فيقول (قدس سره):

(عند سقوط هذه الإشعاعات على جسم الكائن الحي فإن هنالك العديد من الأعراض المرضية تظهر عليه أول وهلة، وهي قد تتكون أعراض ذات آثار ذاتية تظهر على الكائن الحي المتعرض للأشعة بعدها أمكن دراسة الآثار البايولوجية للأشعة المؤينّة على الخلية الحية، فوجد أنها تؤدي إلى إحداث تغيير في تركيب الخلية ووظيفتها، وهذه تمر بمراحل منها المرحلة الفيزياوية وتتم خلال فترة قصيرة جداً، وفيها ينتقل الإشعاع إلى جزيء الماء داخل الخلية الحية، ثم تأتي بعدها المرحلة الكيمياوية وفيها تتفاعل الأيونات الموجبة والإلكترونات السالبة مع جزيئات الماء. داخل الخلية ينتج عنها نشوء مركبات جديدة، تبدأ عندها المرحلة البيولوجية والتي يتراوح زمنها بين عدة دقائق إلى عدة سنوات، ويظهر فيها العديد من الآثار المرضية على الكائن الحي مثل موت الخلية، أو توقف النشاط التكاثري أو نقص في كريات الدم البيضاء).

لذلك فإن مشكلات التلوث الإشعاعي تزداد بصورة مستمرة نتيجة للتطور الهائل في استخدام المواد المشعة في الأمور السلمية أو العسكرية. فقد دخلت الأشعة الذرية في معظم الإستخدامات الصناعية والطبية، فقد استخدمت في الطب والزراعة وإنتاج الطاقة، وتحليل العناصر المعدنية وفي الكشف الجيولوجي عن المعادن والنفط وغير ذلك، يقابله على الجانب الآخر تعرض الكائن الحي لخطر الإشعاع نتيجة الإسراف في زيادة رفاهية الإنسان، وتظهر هذه الإشعاعات بسبب بعض العناصر المشعة التي لها آثار خطيرة على بنية جسم الكائن الحي مثل عنصر (الأسترنثيوم 90) و(السيزيوم 137)، فالأول يتسم بفعالية إشعاعية ذات مدى زمني طويل، وهو من الوجهة الكيمياوية يشبه الكالسيوم الذي يدخل في تركيب العظام ويحل محله، كذلك يسبب مرض اللوكيميا (وهو نوع من سرطانات الدم الخطيرة) وباختصار فإن هذا العنصر يداهم الأجنة ويسبب تشوهات خلقية للإنسان.

أما العنصر الثاني فانه يشبه البوتاسيوم ويتوزع في الجسم متراكماً في جميع الخلايا ومن أشهر أخطاره هي الأضرار التي تصيب الحامض النووي (DNA) وما ينجم عنها من تحطم الكروموسومات وتعديل الأسس التكوينية ـ ولا يقل عنصر (البلوتونيوم 239) عنهما خطورة لتراكمه في العظام، وقد يتراكم عنصر (اليورانيوم 235) في العظام والكلية مسبباً أورام خبيثة وإصابات تلف للكلية لا يمكن معالجتها.

ولم يغفل الإمام الفقيد تنبيه البشرية على حقيقة أساسية معروفة تغافل عنها الكثير من علماء البيئة هي مخلفات المفاعلات النووية حيث حذر الإمام الشيرازي منذ أكثر من خمس وعشرين سنة من مخاطر هذه المخلفات على البشرية جمعاء، فقد عُرف مؤخراً أن أمريكا لوحدها تخزن من هذه المخلفات للمفاعلات النووية ما يستوعبه (200) خزان من الخرسانة المسلحة المدفونة تحت سطح الأرض، يتسع كل خزان منها حوالي مليون غالون، وقد قدر الباحثون أن ثلاثة غالونات منها فقط لو وزعت موادها بالتساوي على كافة سطح الأرض لعرضت أجسامهم إلى نقطة الخطر الإشعاعي، ومع ذلك فإن (200) مليون غالون منها مخزون في أمريكا وحدها، تصور حجم الكارثة لو أن خللاً أصاب جزء منها. ويحتوي سجل عالمنا المعاصر الكثير من أحداث مخاطر التجارب الذرية والتسربات النووية وما نتج عنها من إحداث دمار شامل للبشر والبيئة. وقد أعلنت وكالة الطاقة الذرية أن عشرة آلاف أمريكي يموتون سنوياً بالسرطان الناتج من التسربات النووية. كل ذلك بسبب تغييرات متعمدة خلقها الإنسان في الظروف البيئية قال تعالى في كتابه الكريم (لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم:41) وهذا البعض هو ما يذوقه الإنسان جزاء فساده، لذلك وضع الله سبحانه وتعالى للكون والحياة نظاماً خاصاً،والخروج عن هذا النظام يسبب الفساد.

ويرى الإمام الشيرازي (رحمه الله) أن التقدم العلمي والتقني قد خرج عن مظلة القرآن والأنبياء بسبب الجشع والإثراء الفاحش وجعل الإهتمام المادي بديلاً عن الاهتمام بالبشرية فيقول (قدس سره):(ومن هنا، فإنه بالإمكان القول أن الحضارة الحديثة، والثورة الصناعية والتقنية الهائلة، وعلى الرغم من كثرة فوائدها لكنها خرجت عن مظلة الأنبياء (ع) ومن خوف الله سبحانه وتعالى، واختلطت بالجشع والإستغلال والمادية، وجعلت محورية المادة بدل من محورية الإنسان، فنتج عنها أمراض وكوارث لا تعد ولا تحصى، فلا علاج من هذه الأمراض والمشاكل والأوبئة إلا بالعزوف عن هذه المظاهر، والتوجه إلى مظلة الأنبياء (ع) والخشية من الله سبحانه وتعالى والخشوع إليه وجعل الإنسان هو المحور لا المادة والدنيا).

وفي جانب آخر يحذر الإمام الشيرازي (قدس سره) من الحروب الجماعية كالحروب الذرية والكيمياوية والجرثومية وما تسببه من مآسي للناس فيقول (في الحال الحاضر نجد الإنحراف نفسه موجودٌ، ولكن تصحبه مآسي وآلام بشرية رهيبة أحياناً عديدة مثل اتخاذ الحرب الجماعية التي بسببها يقتل الناس بالأسلحة الإشعاعية كالقنابل الذرية والنتروجينية وما أشبه ذلك).

ألم يؤخذ العهد على الإنسان من الله تعالى بعدم الإخلال بمكونات البيئة ونظامها حين قال تعالى (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) (البقرة:84) فانظر كيف حال العالم اليوم؟ كيف تسفك الدماء؟ كيف تدمر تلك الحروب النظم البيئية؟.

لقد كان الإمام الشيرازي ـ تغمده الله برحمته الواسعة ـ من أول الداعين والمناصرين لحماية البيئة. وكان يؤكد (قدس سره) أنّ على الإنسان أن يكون صديقاً وفياً للبيئة لا مستغلاً بشعاً لها وأن عليه أن يبادلها الوفاء وأن يحيي معها بأسلوب التعايش، أي تبادل المنفعة. ثم يعرج (رحمه الله) إلى مسألة أخلاقيات البيئة حيث يقول أن أخلاقيات البيئة تقضي أن يعيش الإنسان مع بيئته في وفاق ضمن إطار الأخلاق الإنسانية المبنيّة على العدالة الاجتماعية لجميع الأفراد والجماعات وهو موقف يعطي للإنسان والمجتمع الإنساني من الأهمية ما يعطيه للبيئة التي يعيش فيها الإثنان، على أن الإثنين طرفان في ذلك الكل الذي يؤلف وحدةً تختفي تحتها كثير من العناصر والمكونات المتشابكة.

المصدر:shrsc