رؤى علمية في فكر الإمام الشيرازي : دور العلم في الاقتصاد

 

 

 

المعلوم أن الدولة الإسلامية حسب رؤية الإمام الفقيد تستمد شرعيتها من رضا الله سبحانه وتعالى وتوافق الناس عليها ما دامت مرضيّة لديّه، سبحانه، ولاشك أن الإقتصاد عصب الدولة، وأن العصر الحديث قد اهتم كثيراً به، وهنالك الكثير من الدراسات المنشورة في الدوريات والكتب، وكلها تبحث حلاً للمشاكل الإقتصادية بمنظور علمي، هذه المشاكل التي تتخبط بها البشرية بفعل الأنانية والجشع الذي غرسه اليهود في الإقتصاد العالمي.

ومنذ البداية كان الإمام الفقيد (قدس سره) يوضح أن الاقتصاد واحد من أكثر أساسات التطور الحضاري تأثيراً على عالم اليوم، والذي أشار له الإمام في هذا الموضوع قبل أكثر من ثلاثين عاماً من تاريخ بداية تفكير العولمة على الصعيد الغربي، فإنه كان يدعو (رحمه الله) إلى الوقوف أمام هذا التيار الجارف بالإكتفاء الذاتي وتعميم التقشف حسب الضغوط التي تتعرض لها الدولة الإسلامية في مواجهة الإستهلاك، ومن يريدون تحويل العالم الإسلامي إلى سوق لبضائعهم، ومن أجل ألا يعتبر ذلك إهمالاً للجوانب المادية في التطور الحضاري فإن الإمام الفقيد أكد مراراً على دور العلم والتقنية في إنجاح مسيرة الدولة بميادينها المتنوعة ومنها الإقتصاد، وبحسب صياغته الجديدة لهذه القضية، جاء في المنهج الشيرازي التأكيد على أن العلم والعمل الجاد هما وسيلتان ناجحتان لمواجهة تحديات هذا العصر وبناء دولة قوية ومزدهرة على أساس القيم الإسلامية والحضارية، لذا يرى أن (العلم يخدم الإقتصاد إذا كان منهاج العلم قد وضع باستقامة واستقلال، وبالعكس يكون محطماً للإقتصاد أو حياداً عن الاقتصاد إذا وضع المنهاج بانحراف وتبعية)(6).

ومن البديهي أن العلم حيث يوجه توجيهاً حكيماً ومدروساً فإنه يشارك مشاركة واسعة في تحسين حالة المجتمع في جملته وفي حل العديد من المشاكل الإقتصادية ويعمل على تطوير الواقع بزيادة الإنتاج وتحسين نوعيته، وهذا ما أشار إليه الإمام الشيرازي (رحمه الله) بتقريره: أن التطوير المستمر للإقتصاد نحو الأفضل، يقتضي اهتمام الصناعيين والزراعيين والخبراء بإجراء البحوث والدراسات اللازمة في هذا الشأن، والعمل على إيجاد قاعدة علمية تدفع عجلة التصنيع قدماً إلى غايتها المنشودة.

ويوضح الإمام أوجه الخدمات التي يقدمها العلم لحل المشكلة الإقتصادية، بعد تحرير الإقتصاد من سيطرة الجهلة والطارئين على الحكم، ويجعل تلك الخدمات في أمور يوضحها (قدس سره) على هذا الشكل:

1- أن الدكتور والمهندس وعلماء الجغرافيا وعلماء التربة وغيرهم قادرون على تقديم الإقتصاد مباشرة أو غير مباشرة فإذا كثر العلماء في المجتمع تقدم الإقتصاد، مثلاً علماء التربة يعرفون الأرض الصالحة للزراعة من الأرض غير الصالحة، وعلماء الجغرافيا يعرفون أقصر الطرق للموصلات البرية والبحرية وأكثرها أمناً وسلامة.

ومن المعلوم، أن كلا قسمي العالم من هذا القبيل يساعدون المزارع والتاجر في سلوك أحسن الطرق للأمرين، مما يدر بفوائد كثيرة، والدكتور حيث يشفي المرضى (والصحيح أكثر إنتاجاً من المريض) يساهم في تحسين الإقتصاد، والمهندس يبني ويعبد الطرق ويمد الجسور مما يوجب التقدم الإقتصادي إلى غيرهم من العلماء. وكذلك شأن العالم الديني فإنه بحثه الناس على الزراعة والتجارة وتعريفهم بالسبل السليمة للمعاملات، ونهيهم عن خلاف العهد ونقض المعاملة وغيرها (أي بث الوعي) يهيئ الناس نفسياً للإنتاج، كما يشيع فيهم الإطمئنان والثقة المتبادلة، مما يوجب ازدهار سوق التجارة، ويقف دون الربا والإحتكار والغش، وما يكون سبباً لتحطيم التقدم التجاري والعمراني إلى غير ذلك.

2- التجار والزراع وغيرهما ممن له خبرة اقتصادية من أهم عوامل تقدّم الإقتصاد، لأنهم بخبرتهم يوجبون زيادة التجارة والزراعة نوعاً وكماً، ولا فرق في ذلك أن تكون الخبرة والمهارة قد حصلت عن طريق العلوم المدرسية أو التجربة ولذا نجد التاجر الذي يفهم السياسة اكثر قدرة على التقدم من التاجر الذي لا يفهمها فإنه بسبب الحروب والثورات والإضطرابات ترتفع الأسواق وتنخفض، والإرتباط بين السياسة والإقتصاد، لا يفهمه إلا العلماء أو ذوات الخبرات الطويلة المرتبطون بأخبار وسائل الإعلام، ومن المعلوم أنْ ليس القصد أنّ ذا الخبرة والعلم يفيد نفسه فقط، بل أنه يفيد مجتمعه أيضاً.

3- أن ذا العلم والخبرة كما يوجب أن يقوم بنفسه بالخطط الإقتصادية السليمة النامية، كذلك يوجب تعريف الآخرين بالإقتصاد السليم النامي، مثلاً أنه يعرف كيف يحفظ الحنطة في مخازن راقية تمنعها من التسوس وبذلك يفعل ذلك لقمحه ويعطي معلوماته لأصدقائه ومعارفه من تجار القمح ليفعلوا مثل فعله، فهو يزيد من القدرة الإقتصادية السليمة للآخرين أيضاً ويتحقق هذا في إعطاء الإقتصاد بعداً إنسانياً، أما الإقتصاد المبني على المنفعة الشخصية والأنانية الضيقة، فإن هذا البعد لن يتحقق أبداً ولكن لما كان الإمام الفقيد ينطلق من الشريعة كأساس لمنهجه في نشاطات الحياة.

4- هذه المسألة على هذا الأساس سياسياً أو اقتصادياً واجتماعياً يقنّن أن العالِم حيث يعلم كمية إمكانية النمو الإقتصادي، وكمية النمو الإنساني، يتمكن أن يقي الإنسان عن كارثة القحط والغلاء وما أشبه.

مثلاً: إنْ عُرف أن العراق إلى عشر سنوات يزداد عدد سكانه بمقدار الربع، بينما لا يصعد مُعدّل إنتاج زرعه إلا بمقدار السدس، فاللازم التخطيط من الآن لأجل سد العوز الذي هو التفاوت بين الربع والسدس، حتى لا يصيب الأهالي الغلاء أو القحط. وكيفية ذلك مثلاً: أن تصنع الغابات الإصطناعية أو تكثر حقول الدواجن أو تزرع البحار بما يضاعف الأسماك، إلى غير ذلك، وقد نجّى يوسف (ع) مصر من القحط، بخططه السليمة الحكيمة، كما ذكرت القصة في القرآن الحكيم.

5- إن العلم يحوّل غير القابل إلى القابل، والأقل قبولاً للإقتصاد إلى الأكثر قبولاً له، وأحياناً يحوّل ضد الإقتصاد إلى الإقتصاد، مثلاً بالعلم يعرف الإنسان كيف يحول النفايات إلى بضائع مفيدة، ويعرف كيف يحول المضرات إلى أمور نافعة، مثلاً في بعض الدول الصناعية، وضعوا على فوهات المداخن آلة تجمع الدخان وتحوله إلى فحم فقد سلم المحيط من تلوث البيئة، بينما تحول الدخان إلى مادة توجب المال والثروة. وكذلك بالعلم يعرف كيف يحول الإنسان مياه البحار الطاغية إلى أملاح وفوائد للزرع، بينما لولا العلم لجرفت السيول المدن أو بقيت في الأرض فشكّلت المستنقعات العفنة التي تبعث على الأمراض والجراثيم والأوبئة.

6- أن العلم يُعّرف الإنسان كيفية الصرف لموارده المحدودة في رفاهه واحتياجاته، مثلاً يعرّف الكاسب كيف يستخدم طاقاته في كسب أكبر قدر من المال ليتمكن من تعميم الرفاه لنفسه ولعائلته، وذلك بمعرفة كيفية الإنتاج والتوزيع، اللذيْن يتلخص فيهما أهم بنود علم الإقتصاد، فكثير من العوائل لجهلهم بكيفية الأمرين يقعون في عوز وحاجة ودَيْن، وحال الدول والأمم حال العوائل في ذلك.

ولنفرض: إمرأة أرملة تحصل من بيت المال في كل شهر على عشرة دنانير لأجل معيشتها ومعيشة أطفالها، والعشرة لا تكفيهم إلا قدر نصف معيشتهم، فإذا اقترضت هذه المرأة خمسين ديناراً لتسده خلال عشرة أشهر، واشترت به ماكنة خياطة وكانت تعرف الخياطة فإنها تحصل من الماكنة في كل شهر على عشرة دنانير مثلاً فيكون حاصل واردها (بعد سد الدين) عشرين ديناراً كل شهر، وذلك ما يكفيهم في كل الشهر فلا يبقون في النصف الأخير من الشهر في حالة فقر وعوز.

7- يتمكن العالِم من تطبيق نفسه على الظروف المتطورة التي أوجبت تحطم نوع من الاقتصاد وتقدم نوع آخر منه، مثلاً: كان الرجل في السابق كاتباً يعيش بكد أصابعه في اكتسابه، فإذا جاء عصر الطباعة، تمكن بسرعة من استيعاب علم الطباعة وأن يكتسب من الكتابة بالطباعة. أو أنه كان يصنع المواقد الحطبية والفحمية، فإذا تطورت الأمور وجاء دور النفط، تمكن من صنع المواقد النفطية بدل المواقد الحطبية، إلى غير ذلك ويقرر سماحة الإمام (رحمه الله) أن ذلك له تأثيرات أكثر من هذه النقاط السبعة المذكورة في قضية النمو الإقتصادي، وإذا كنا قد أوضحنا إلى تأثر خبراء غربيين بمنهج الإمام الشيرازي في النظرة إلى مسائل الإقتصاد كما في السياسة والإجتماع، فإن هنالك جانباً آخر لتأثر أولئك الخبراء بالمنحى الشيرازي في فهم دور العلم والتقنية في المسائل الإقتصادية، حيث أن الإمام دائم التقويم والملاحظة لتأثير العلم والتطور التقني على جوانب الأداء في مؤسسات المجتمع، وسير عمل هيئاته وإداراته، حكومية كانت أم خاصة، ومدى النفع الذي يقدمه لتنمية رأس المال اللازم لمواصلة التطور والتقدم، كما يستعرض حاجة الناس للعلم والتعلم من أجل الإستفادة المثلى من الإنجازات العلمية المعاصرة مؤكداً شمولية التطور التقني والعلمي لجميع أبناء المجتمع حسب قدرتهم وحاجتهم بالإعتماد على الذات، والإندماج في خطط العمل والإنتاج إن هذه الخطوط العريضة لهذه الرؤية مستلهمة من النهج الذي رسخه الإمام الشيرازي (رحمه الله) منذ بداية الستينات إلى يوم وفاته (قدس سره).

المصدر:shrsc