رؤية في فقه الاقتصاد عند الإمام الشيرازي

 

 

 

يبحث الإمام محمد الحسيني الشيرازي في كتابه المتخصص (فقه الاقتصاد) بجزءيه الأول والثاني موضوعات متخصصة ومتنوعة، ابتداءً من مفهوم الإقتصاد في اللغة والإصطلاح، إلى الإقتصاد موضوعاً، وحكماً وفلسفة، ثم يستعرض في رؤيته في المسألة (5) بتساؤل مهم قوله: (هل يمكن تطبيق الإقتصاد الإسلامي؟) وفي المسألة التالية (6)، يناقش الإشكال على تطبيق الاقتصاد الإسلامي وجوابه، ثم يشير إلى اهتمام الإسلام بالإقتصاد.

يناقش الإمام الشيرازي موضوعة الإقتصاد بمعناه اللغوي والتعريفات المتعددة بقوله: يشمل كل توسط في المسير لا يرتبط أحياناً بالعيش كالشرط في العبادة، وإن كان ربما يقال ان بينهما عموماً مطلقاً لأعمية العيش من الاقتصاد بمعناه الاصطلاحي.

ويطرح الإمام الشيرازي أيضاً تعريفات منقولة عن القدماء وعن علماء الغرب والشرق، فبعضهم عرف الإقتصاد: بأنه المبادلات والمعاملات المربوطة بالمال، وبعضهم عرّفه بأنه كيفية التحصيل والتوزيع للثروة، وبعضهم عرفه بأنه ما يحتاجه الإنسان في حياته من ما يقيم جسده من محصولات الطبيعة أو العمل، وبعضهم عرفه بأنه علم الثروة، إلى غير ذلك.

ثم يستطرد في عرض ما أمكن من نشأة تاريخ الإقتصاد قديماً، والى يومنا الحاضر، ويطرح التوسع الحاصل في الإقتصاد بما لم يكن له مثيل في الأزمنة السابقة، ثم يطرح أسس كل بحث إقتصادي بأمور أربعة هي: (الملكية)، و(العمل)، و(رأس المال) و(الإدارة)، وعلى هذا فاللازم التحقق منه في أمثال هذه المسائل وما يتبعها من الأمور(1).

ثم يناقش في المسألة (8) اهتمام الإسلام بالاقتصاد أيما اهتمام، وقد ألف فقهاء الإسلام مستنبطين من الكتاب والسنة والإجماع والعقل كتباً متعددة أمثال كتاب التجارة والإجارة والرهن والمضاربة والمزارعة والمساقات والقرض والهبة والإرث والشفعة والصلح والجعالة والوديعة والشركة والحجر والضمان والحوالة والوكالة والكفالة والصداق والوقف والوصية والكفارات والأطعمة والصيد والعتق والديّات، كما انه يربط الإقتصاد أيضاً بفروع أخرى ومؤلفات أخرى بقوله: كما أن الإقتصاد يتفرع على بعض الكتب الأخرى أمثال النذر والعهد واليمين والخلع والنكاح (حيث المهور) إلى غير ذلك.

وقول أيضاً أن أمثال هذه الكتب المذكورة المدونة تستأثر بأكثر من ربح فقه الإسلام، والمسائل المدونة المرتبطة بهذه الكتب أكثر من مئة ألف مسألة.

إن رأي الإمام الشيرازي في قوة دعائم الإسلام وقدرته الفائقة على معرفة النفس الإنسانية جعله لأن يحرض ويشوق الناس إلى العمل والإجتهاد في الكسب بما لا مثيل له في دين أو قانون ويورد قول الله سبحانه وتعالى: (وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) (التوبة: 105)، ويورد أيضاً طائفة كبيرة من روايات آل البيت تناولت مختلف الشؤون الاقتصادية.

تعد الموضوعات التي طرحها السيد الشيرازي في كتابه المتنوع (فقه الإقتصاد) مخرجات للبنية الإجتماعية -الإقتصادية من جانب، والفكر الإسلامي من جانب آخر، بعد أن كانت المدخلات مجموعة الأفكار النظرية العامة التي طرحها السابقون، وربما استطاع إعادة صياغتها في نمط مختلف تماماً عما سبقه، ففي مسألة (9) يناقش لزوم تساوي الناس في الفرص بقوله: اللازم الاهتمام التساوي الناس في الأمور الإقتصادية، فإن الناس من أب واحد وأم واحدة، وأكرمهم اتقاهم، واللازم ان يحب الإنسان لغيره ما يحب لنفسه، ويطرح نظرته في تقسيم المال في ثلاثة أمور:

الأول: إعطاء موظفي الدولة حقوقهم العادلة حسب الكفاءة ونحوها.

الثاني: إعطاء المحتاجين بقدر حاجتهم -وفي هذين الأمرين لا تساوي-.

الثالث: إعطاء الناس من العطاء مجاناً بالقدر المتساوي(2).

ويطرح في مسألة (10) فكرة التساوي في الإقتصاد الإسلامي بقوله: يعرف الإنسان الناحية الإقتصادية وأنه كيف يمكن رفع المستوى الإقتصادي في مجتمع متأخر؟ وكيف يمكن للمجتمع الإستفادة من كل القدرات والطاقات المعطلة في المجتمع، سواءً القدرات الإنسانية أو الطاقات الكامنة في الأرض والماء والغابات وغير ذلك.

ويناقش فكرة ارتفاع المستوى المعاشي والإقتصادي في مجتمع ما، وما هو الهدف من الارتفاع؟ ومدى التأثير لهذا الإرتفاع في الأوضاع الإجتماعية والأخلاقية والدينية؟ وأي أضرار تنجم عن هذا الإرتفاع من حيث الإقتصاد؟ وستكون حتماً رفاهية كطبقة كبيرة من المجتمع، وربما يصاحبها انحطاط الأخلاق وتردي وضع الديانة، لأن (الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) (سورة العلق: 6)، ولأن المترفين من طبيعتهم الكفر والجحود والانغماس في الملذات.

إذن الإمام الشيرازي يناقش انعكاس النمو الإقتصادي والتضخم على سلوكيات الأفراد وعلى القيم والمعتقدات الدينية، مستنداً في ذلك إلى كتاب الله، فالثروة والمال والغنى الزائد عن الوضع الطبيعي من المحتمل أن يغير صاحبه، ويعقب بقوله: (ولذا ذم الله سبحانه وتعالى أن يكون المال دولة بين الأغنياء، حيث يستشهد بقول رسول الله(ص): (الفقر فخري) (3) وذم الله المترفين، حيث قال سبحانه وتعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ)(سبأ: 34).

ويمضي الإمام الشيرازي في مناقشته إلى اعتماد فكرة نقيض الغنى من وجهة نظر إسلامية بقوله: ولذا يذم الإسلام الفقر في حال أنه يذم الغنى أيضاً، فقد ورد: الفقر سواد الوجه في الدارين (4).

ثم يورد أفكاراً تشمل الجانب المادي (الغنى)، والجانب المعنوي (العلم) والجانب الوظيفي (الرئاسة)، ويقترح أن تكون بدون آفة، ويقترح أيضاً على الغني والعالم والرئيس أن يواظبوا، أن لا ينهاروا ويسقطوا في حمأة آفة هذه الأمور، حيث يسبب ذلك ذهاب دنياهم وآخرتهم(5).

ويستمر الإمام الشيرازي في مناقشة إشكاليات الاقتصاد المعاصر ووضع البرامج العلاجية لها من خلال عدة مسائل طرحها، ففي المسألة (11) يطرح فكرة التنافيان في عالم الاقتصاد مما أدت إلى بؤس البشر، وفي المسألة التي تليها يطرح الإمام العلاج المنحرف للاقتصاد المنهار بقوله: لقد حدثت مشكلة اقتصادية كبرى في العالم المعاصر، وهي: أن ثروات العالم انحصرت في أيدي قليلة، بينما أكثرية البشر تعاني من آلام الفقر وعدم القدرة حتى على الحاجات الأولية.

ويتوصل سماحته إلى نتيجة مفادها: أن المال صار دولة بين الأغنياء من أهل العالم، وقد تبع ذلك مفاسد جمة من السرقة وبيع النفس للذة في الرجال والنساء وليسدوا جوعهم والاتجار والعصابات والحروب والإضطرابات والمظاهرات وغيرها، مما جعلت العالم ساحة كبيرة للإنحراف، بالإضافة إلى كثرة الأمراض النفسية والعصبية وتفشي القلق والأمراض الجسدية التابعة لسوء التغذية، وغير ذلك.

ويستطرد السيد الشيرازي في عرض الإشكاليات بقوله: لقد بين علماء الغرب والشرق غالباً في علة حدوث هذه المشاكل كلاً أو بعضاً أموراً بعيدة عن الواقع، فقال  بعضهم: إن العلة في الفقر وما نجم عنه من الأعراض والأمراض هي قلة موارد الأرض مع كثرة البشر، وقال آخرون: إن المشكلة نشأت من زيادة البشر، فاللازم تقليله بأمرين:

الأول: الحروب المبيدة لكميات كبيرة حتى يبقى القدر الملائم لمقدار الثروة.

الثاني: تحديد النسل بما لا يكون معدل الولادات الجديد أكثر من معدل الأموات.

بينما يطرح قوم آخر: ليس لنا أن نهتم لمعاناة كثير من البشر من الجوع والحرمان، وأي وجه لهذا الإهتمام.

ثم قال الملحدون من هؤلاء القوم: إن ذلك من غلط الطبيعة التي لا تفهم وجوب الكفاءة بين أفراد البشر وبين موارد الطبيعة، وهل للإنسان أن يهتم بغلط الآخرين؟.

وتطرح فئة أخرى الأسباب بقولها: إن هذا الاختلاف نتيجة طبيعة العالم الصناعية، حيث سرعة الحركة والانتاج، والسرعة توجب أن تكون هناك قلة رفيعة بيدها وسائل الإنتاج والثروة لتتمكن من الإنتاج السريع والتقدم العلمي والفني، ومن المعلوم أن التقدم بحاجة إلى المليارات، ولو لم تكن المليارات، كيف تتمكن البشرية من غزو الفضاء.

ويبدي الإمام الشيرازي رأيه بإعادة جديدة لصياغة السؤال بقوله: من اللازم أن يوجه السؤال هكذا: هل أن الموارد الموجودة في عالم اليوم كافية للبشر الموجود اليوم؟، فإذا كان الجواب (الكفاءة) يأتي سؤال آخر، هو فمن أين حدثت هذه المشكلة؟ وما هو علاجها؟ ثم نقول: إذا اخترنا الشق الأول: وهو أن الموارد كافية لعدد البشر الموجودين الآن، يأتي سؤال ثان، وهو هل أن الموارد تكفي لبشر المستقبل مهما كثروا أم لا تكفي إطلاقاً إلا (للبشر الحالي) أم أنها تكفي لعدد خاص أكثر من البشر الحالي.

فالجواب يصيغه بقوله: من غير المشكوك فيه أن الموارد الموجودة داخل الأرض تكفي للبشر الحالي كما يدل على ذلك إحصاء الثروة وإحصاء الأفراد، والمشكلة إنما حدثت من الإفراط في جانب والتفريط في جانب الثروة. والطاقات التي يجب أن توزع وتستخرج صارت على أقسام:

الأول: عدم الاستخراج في جانب.

الثاني: سوء التوزيع في جانب ثان.

الثالث: التخريب في جانب ثالث.

وعلى هذا، فسوء التوزيع زاد في المشكلة بعد المشكلة الأولى (وهي عدم الاستخراج لبعض الثروة) والمشكلة الثالثة، فهي التخريب، فإن قسماً كبيراً من الثروة تصرف في التخريب مثل صنع الأسلحة والإسراف والتبذير والتجمل الفارغ والمباهات وما إلى ذلك.

لذا:

1- أكد الإسلام على العمل واستخراج ما سخره الله للإنسان من كنوز الكون.

2- أكد على عدم كون المال دولة بين الأغنياء.

3- أكد على أنه لا ضرر ولا ضرار (6).

أما في ما يتعلق بالسؤال الثاني: وهو أنه أي قدر من البشر في المستقبل تكفيه موارد الأرض؟ وإذا زاد عدد البشر عن ذلك، فماذا يصنع بالزائد؟.

فيجيب بقوله: أنه لا ينبغي الإشكال في أن الموارد الممكنة في الأرض محدودة، وأن البشر قابل للنمو بما يزيد عن هذه الموارد، ولنفرض أن الموارد قابلة لكفاية مئة ضعف من البشر الحالي، وواضح أن البشر يتصاعد بالولادة تصاعداً هندسياً لا حسابياً، وعليه فإذا وصل البشر إلى ما لا يكفي للموارد لأكثر من ذلك العدد، كان اللازم التوقف في الإنتاج البشري، إذا لم يوجد مورد جديد يستخرجه العلم ولم يتمكن البشر من الوصول إلى سائر الموارد الكونية الموجودة.

ويطرح الإمام الشيرازي علاجاً بقوله: أما حساب موارد الأرض وطرق كيفية استخراجها، وكيفية تقسيم الموارد بالعدل، بأنها تكفي لأي قدر من البشر فلها مدارس خاصة لا يهم التعرض لتفاصيلها في البحث الإقتصادي الذي نحن بصدده.

ويستمر الإمام الشيرازي طرحه لأهم معضلات الإنسان في التملك والكسب والعمل والثروة فيطرح في المسألة (13) مالكية الإنسان بقوله: إن مالكية الإنسان في طول مالكية الله تعالى، ومن الممكن أن يكون هناك مالك آخر، لأن الملك أمر إضافي، ولا بأس بتعدد الإضافات كالعبد المالك لمال نفسه ثم يملكه السيد في طوله ثم يملكه الله سبحانه.

وفي المسألة التالية (14) قول السيد الشيرازي: إن الله فوض الملكية المحدودة للإنسان لكل شيء، في حدوده الإسلامية المقررة، وقد يزعم بعض الناس أن الإسلام لم يقرر الرق أو قرره مرحلياً لمدة محدودة حتى يلغى تلقائياً، وذلك لأستماله أن يقرر الإسلام الشيء المخالف للعقل، أو  لأن الإسلام دين التحرير والتحرر (7).

ويناقش الإمام الشيرازي في المسألة (22) الملكية بين الإفراط والتفريط، بقوله: أن الملكية غريزية، وإنكار ذلك في الإنسان الأول يساومه إنكار سائر غرائزه، والمنع إذا وصل إلى البديهي لم يمكن له الإستدلال، فهو إذا منع أحد كون الإنسان الأول كان ذا حب وبغض وشهوة وحب ذات، إلى غير ذلك.

وقوله: (إن المال الزائد مثله، مثل السلاح، والحاكم والعلم والحرية إنْ أُطلقت أوجبت الفساد، وإلا فلا تلازم عقلي بين الأمرين، فاللازم المنع عن الفساد لا عن أصل الأمور المذكورة، ولذا فالقول الوسط هو القول بالملكية، حيث يلزم القول بملكية الإنسان بقدر فكره وعمله بالشروط المقررة (8).

ويطرح الإمام الشيرازي رأياً اقتصادياً في توزيع المال بقوله: المال يكون في قبالة خمسة أشياء: العمل الجسدي، العمل الفكري، المواد، العلاقات الإجتماعية، وشروط الزمان والمكان وما أشبه، ويفصل ذلك بقوله:

أما الأول: وهو العمل الجسدي، ويناقش منه وجه استحقاق العامل للأجر وقدر استحقاقه لذلك الاجر، وحجم إنتاجه، وهل كل إنتاجه له أو بعضه، وما قدر ذلك البعض؟.

وأما الثاني: وهو العمل الفكري، ويتعلق بما يلي:

أ) قيمة الفكر.

ب) أفضلية الفكر عن العمل.

ج) قيمة الفكر بعضه إلى بعض.

الثالث: وهو المواد الأولية، فيقول: الإنسان المستحوذ على المواد الأولية له تلك المواد وله أن يأخذ المال في قبالها.

الرابع: وهو كون المال في مقابل العلاقات الإجتماعية، والعلاقات الإجتماعية على قسمين:

القسم الأول: ما كانت العلاقة صداقة ونحوها، وهذا يوجب الضيافة والهدية والهبة والصلة والوقف والنذر المالي، والصدقة، والوصية، وما أشبه ولكن يشترط في صحة ذلك ستة أمور:

الأول: أن لا يكون لإحقاق الحق.

الثاني: أن لا يكون لإبطال الباطل.

الثالث: أن لا يكون لإبطال الحق.

الرابع: أن لا يكون لإحقاق الباطل.

الخامس: أن لا يكون سرقاً من المعطي.

السادس: أن لا يكون فوق شأن الآخذ.

أما القسم الثاني: فهو فيما إذا كانت من جهة القرابة كالإرث، فإن الإنسان إنما يرث نتيجة عمل غيره لأمور:

الأول: في الغالب أن الوارث سعى أيضاً في تحصيل الإرث، لأن العائلة يسعى بعضهم لبعض بحكم اتصالهم ووحدة دارهم ودكانهم وبستانهم.

الثاني: لأن المُورّث يريد ذلك فهو كالقسم الأول، فإن المورث يريد أن يعطي سعيه لغيره، فالمقتضى أن له سعيه، وأنه يحق له أن يعطي سعيه للوارث.

الثالث: غلبة فقر الوارث مما يوجب أنه إذا أخذت الدولة الإرث، كان اللازم عليها إدارة الورثة.

الرابع: أنه إذا قرر أخذ الدولة للإرث، لم يكن للعامل الشوق (الدافع) الكافي في عمله.

الخامس: إن معنى أن تأخذ الدولة الإرث أخذها الضرائب بغير عدالة.

وأخيراً خامساً: شروط الزمان والمكان، الذي وصفه سماحته بقوله كون المال في قبالة شروط الأمان والمكان وما أشبه.

ويناقش الإمام الشيرازي في المسألة (31) الملكية الفردية في الإسلام بقوله: لا إشكال في أن الإسلام أقر الملكية الفردية، كما أقر إلى جانب ذلك الملكية الجماهيرية، والظاهران مالكية الإمام أيضاً صورة أخرى من صور المالكية الجماهيرية.

وبهذا فإن الإسلام يفرق بين منهجي الرأسمالية والإشتراكية الوضعية، فالأول: الرأسمالي يجعل الأصل، الملكية الفردية والملكية الإجتماعية استثناء لما تقدم من أن الأصل عندهم: (دعه يعمل دعه يمر).

والثاني: الاشتراكية والشيوعية، يجعل الأصل الملكية الإجتماعية، والملكية الفردية استثناء، لكن الإسلام يجعل الأصل كلا الأمرين الملكية الفردية في مكان، والملكية الاجتماعية في مكان آخر، ويعرض آراء (الإشتراكية) حول الملكية الفردية بقوله أما (الإشتراكية)  فأنه تخصص الملكية الفردية بغير المنابع العامة والملكية الاجتماعية بالمنابع العامة، وليس هذا كالإسلام، إذ التخصيص غلط، كما تقدم في نقد المنهج الاشتراكي.

ويبحث الإمام الشيرازي مسألة مهمة في حق التملك قوله: (كل شيء خلقه الله في الكون قابل لأن يملك، بالشروط المقررة للملك كالحيازة في المباحاة، إلا ما استثنى وهو أمران:

1- ما استثنى الشريعة قابلية للملك.

2- بعض أقسام الأرض، وهي ما كان ملكاً للإمام أو لعامة المسلمين فهما وإن كان ملكاً في الجملة، إلا أنهما ليستا قابلتين للملكية الفردية بالحيازة ونحوها.

ويناقش الإمام الشيرازي شروط تملك الأرض بشرطين هما:

الأول: أن يكون الإنسان محيياً لها بنفسه، فالإحياء بالإستيجار ونحوه لا يسبب ملكية المستأجر، بل يملكها المحيي.

الثاني: أن لا يكون القدر المحيى من الأرض زائداً على حاجته، وفي كليهما نظر(9).

ويبحث الإمام محمد الحسيني الشيرازي في كتاب (فقه الاقتصاد) بجزئه الثاني مسائل متعددة ومتنوعة تتراوح من حال الأراضي في الوقت الحاضر إلى مسألة (40) التي تبحث في أقسام المال الذي بتحصله الإنسان وقوله: المال الذي يتحصله الإنسان قد يكون بدون عمل، وقد يكون بعمل، والذي يحصله بدون عمل قد يكون من باب التكامل كالخمس والزكاة التي يحصل عليهما الفقير، وقد يكون من باب أن صاحب المال أراد ذلك، كالإرث والوصية والنذر والصدقة والوقف والهبة، أما الذي يحصله بعمل، قد يكون بعمل فردي، وقد يكون بعمل غير فردي، والعمل الفردي قد يكون عملاً سيئاً أوجب المال للصرف كالديات والضمانات، وقد يكون عملاً حسناً عمله لربح نفسه وربح من وراءه، كإحياء الموات والصيد وحيازة المباحات.

ويطرح بعض أسس الأوضاع المالية على وفق التشريعات الإسلامية بقوله: (ومن التشريعات الإسلامية، التشريعات المالية، ولذا جعل الخمس والزكاة، وجعل الخمس ثابتاً، والزكاة مختلفة، وجعل مصرف الخمس شيء، ومصرف الزكاة شيء آخر (10).

ويشير الإمام الشيرازي إلى مبحث خاص يتعلق بشؤون بيت المال بقوله: ثم إنه يمكن أن يشكل الآن بيت المال، لا كونه وزارة الإقتصاد والمالية لأنها لشؤون الموظفين ونحوهم، بل مؤسسة مستقلة تابعة لولي الأمر، ويكون له فروع في البلاد لجمع المال وتوزيعه حسب المقررات الشرعية في الجمع والتوزيع، فإذا زاد عن حاجات المنطقة أرسل إلى بيت المال المركزي، وإذا نقص عن حاجات المنطقة أخذ من المركزي، ويقوم هذا البيت بالإضافة إلى ذلك بأمرين آخرين:

الأول: قبول الودائع المالية بدون إعطاء ربا، بل بصورة القرض إلى البيت ليصرفه هو في إقراض المحتاجين بدون ربا أو بصورة المضاربة ليصرفه هو في إعطاء الطالبين بصورة المضاربة أو ليقوم هو بالمضاربة، وإذا ربح من وراء المضاربتين كان الربح لبيت المال، وإذا خسر من ورائهما كانت الخسارة على بيت المال.

الثاني: قبول الودائع الوقتية بعنوان الوديعة والعارية ليعطي المال في وقت طلب صاحبه فيكون كالجاري في البنوك الحاضرة.

ويبحث الإمام الشيرازي مقومات الإقتصاد السليم في فقه الإقتصاد، الجزء الثاني تحت عنوان مسألة (4): الإنسان في حالة الخوف لا ينتج حيث أن فكره مشغول فينصرف بدنه عن الإنتاج، والمعنويات إذا كانت منهارة لأجل اليأس ونحوه لم يتمكن الإنسان من الإنتاج، ولذا نرى أن الشعوب الواقعة تحت الإستعمار المباشر، كشعب فلسطين لا ينتجون شيئاً.

ويقول الإمام الشيرازي: أن من الأمور المهمة في أصل الإقتصاد وفي الرشد الاقتصادي توزيع الأعمال كماً، وملاحظة الكيف في إسناد الأعمال الموزعة إلى الأفراد(11).

ويناقش في مسألة (13)  البنك التجاري والبنك وماهية عمله، وسياق تعامله بقوله:

البنك مؤسسة لها أنشطة خاصة في الأمور النقدية عيناً أو اعتباراً والفرق بين هذه المؤسسة والمؤسسات المالية الأخرى أن البنك له شخصية  قانونية، ولذا فهي مضطرة إلى اتباع  قوانين وضوابط خاصة تضعها الدولة له،  وليس كذلك المؤسسات المالية الأخرى، وعلى هذا فالبنك يحتوي على ثلاثة أمور:

1- الضوابط القانونية، الدولة الإسلامية لها الحق في جعل هذه الضوابط لأجل مصلحة المسلمين.

2- الربا الذي تتعاطاه البنوك، وهذا حرام أخذاً وعطاءاً، وإن كان بعنوان أنه أجرة المحل والكتاب وما أشبه.

3- سائر الأعمال من حوالات وكفالات وغيرها والكل جائز، إذا لم يكن خلاف ميزان إسلامي مثلاً لا يحق للبنك المعاملة المجهولة.

ويستمر الإمام الشيرازي في عرض مباحث فقه الإقتصاد تحت عناوين متخصصة في مجال الصيرفة والبنوك وتقسيماتها مثل البنك المركزي، والبنك التجاري، ودور البنك المركزي في المحافظة على توازن النقد وقوته، مع المقارنة بين دور البنوك في القانون الرأسمالي، وكيف يتحكم في الإقتصاد، وكيف يكون البنك شرعياً، مع عرض لأوراق النقد وأخطبوط البنك، مستعرضاً أيضاً في مسائل أخرى الرقابة الحرة، ودور الدعم في ارتفاع وانخفاض الأسعار، مع عرض نظرية الإسلام في فروع التضخم، وتحليل لأسباب التضخم، كذلك يناقش في مسألة (22) الأزمة الإقتصادية، ومدى ارتباطها بالدكتاتورية، وكيفية معالجتها.

رؤية في كتاب الإدارة

ليسمح لنا القارئ الكريم بأن نوجز ما ذهب إليه الإمام الشيرازي في كتاب الإدارة بجزأيه الأول والثاني، فقد بدأ ببيان الإدارة وتعريفها وعرض صفات المدير، ومواصفات الإدارة، مناهج الإدارة، فضلاً عن وظائف الإدارة ومبادئها، وبالدقة ما هي إدارة الأعمال، ويستمر في طرح المسائل تلو الأخرى من الخرائط والهيكلية العملية إلى أشكال المنشآت الاقتصادية مع بحث في الحرية الفردية الإجتماعية مروراً بمهمات الإدارة (جمع المعلومات) إلى اتخاذ القرار، وإزاء ذلك فإن النظريات العلمية في الإدارة تؤكد على قابلية البشر للتغير بفعالية ونشاط، ولهذا فإن القدرات العقلية كالقدرة على الذكاء الإداري، والقدرة القيادية،  والقدرة على استيعاب المواقف المتعددة في خضم العمل، تحتاج إلى عقل مدبر، فالإمام الشيرازي يرى في ذلك أنْ تتوفر في المدير صفات لها أهميتها في التمكن من إيصال سفينة الإدارة إلى المقصد بسلام، فإن المدير أمرٌ ذو شعب طرف منها المدير، وطرف منها العمال،  وعلى أي حال فاللازم في المدير أن يتصف بالصفات التالية، وكلما ضعفت هذه الصفات فيه كماً أو كيفاً ضعفت الإدارة، والعكس بالعكس، وهي:

1- أن تكون له القدرة التامة على التعبير عن نفسه تكلماً أو كتابةً، حتى يفضي إلى الطرف بما يريد، فإن الإدارة بحاجة إلى بحر من الإقناع، وكلما كانت الإدارة أهم، كان الإقناع محتاجاً إليه أكثر، وبدون ذلك لا يتمكن المدير لا من إقناع رؤسائه، ولا من إقناع مرؤوسيه.

2- أن تكون له رغبةٌ في البحث عن الحقائق، واستعداد للعمل بجد واخلاص وتفاني في تأدية الواجب في مختلف أبعاد الإدارة.

3- أن يهتم بالوقت اهتماماً بالغاً.

4- أن يكون لطيفاً ودوداً محباً للآخرين مدارياً لهم.

5- أن يكون تفكيره منظماً وعقله بارعاً في تحليل الأشياء وتصنيفها.

6- أن يكون له ميل طبيعي للإستفسار عن كل ما يحيط به، والتعمق في الإجابات المطروحة في الساحة، فلا يكتفي بالإجابات السريعة التي يأتي بها بادئ الرأي.

7- تكون لديه قدرة على الاستفادة مما يجمعه من المعلومات بأن يتمكن من تحليلها وغربلتها واستخراج الصالح منها.

8- أن يكون بعيد النظر من الدراسة سواء على الأشياء أو الأفراد، قادراً على المقايسات الزمنية والعملية.

9- أن يكون حكمه على نفسه وعلى الآخرين حكماً متصفاً بالعدل والأنصاف.

10- وأخيراً أن يكون مؤمناً بالله واليوم الآخر (12).

ويعرف قانون الإدارة، بأنها (أي الإدارة) التنبؤ والتخطيط والتنظيم وإصدار الأوامر، والتنسيق والرقابة.

أما (فريدرك تايلور) فيعرفها: إن فن الإدارة هو المعرفة الصحيحة لما تريد من الرجال أن يقدموا بعمله ثم رؤيتك (أي ملاحظتك ومباشرتك) إياهم وهم يعملون بأفضل الطرق وأرخصها ثمناً.

أما (فيفر) فيرى بأنها تنسيق الجهود الفردية والجماعية لتنفيذ السياسة العامة.

ويعرفها (محمود حسان سعد)، تعني بكلمات بسيطة، بأنها مجموعة من الوظائف التي يقوم بها فرد أو أفراد لتحقيق هدف محدد (13).

ويضيف الإمام الشيرازي قوله: الإدارة يجب أن تكون مرنة، فإن الإنسان لم يخلق من الحجر والشجر حتى يتمكن الشخص من المعاشرة مع البشر، لذا فالواجب على الإدارة أن تكون مرنة، والمدير الناجح هو المدير الذي يكون مرناً وعليه أن يلاحظ هذه البنود:

الأول: التعاون، فإن التعاون بين المدير ومرؤوسيه، كالتعاون بين المدير وعامليه، وبين العمال من أي قسم من أقسام الإدارة.

الثاني: المساواة، فإن اللازم على المدير أن يجعل المساواة الكاملة نصب عينيه بالنسبة إلى العمال المتساوين، لا أن يرجح بعضهم على بعض في أية من الإمتيازات. فإن الترجيح يوجب التفكك وابتعاد القلوب مما يسبب ضعف الإنتاج، فاللازم على المدير الناجح الحصول على ولاء مرؤوسيه من هذه الناحية حتى يتفانوا في العمل وذلك مزيداً من العطف والعدل والإحسان عند التعامل معهم.

الثالث: استقرار العمالة، بمعنى أن لا يخرج المدير هذا تارة ويدخل ذاك أخرى، حتى يسقط الإستقرار، فإن غير المستقر من العمال لا يخدم العمل بمثل المستقر من غير فرق بين أن يكون ذلك في المعمل، أو المصنع أو المدرسة أو الوزارة، وغيرها.

الرابع: المبادرات، بأن يفسح المدير أمام المرؤوسين المجال ليتمكنوا من تطبيق أفكارهم، ومبادئهم، وابتكاراتهم، فإن كثيراً من المرؤوسين عندهم ابتكارات ونفسيات صالحة للانتفاع.

الخامس: تقسيم العمل، بأن يكون المدير قادراً على جعل الإنسان المناسب في المكان المناسب، وهذا هو المعبر عنه بالتخصص.

السادس: السلطة والمسؤولية، فعلى المدير أن يعرف أن السلطة بقدر المسؤولية، والمسؤولية بقدر السلطة، وهذا ما يعبر عنه بالحق والواجب، فإن السلطة والمسؤولية مرتبطتان ارتباطاً عضوياً.

السابع: مراعاة النظام، ومعنى ذلك احترام الاتفاقات والنظم والأوامر، وعدم الإخلال بشيء من القواعد الموضوعة للإدارة، وهذا المبدأ يستلزم وجود رؤساء قديرين في كل المستويات الإدارية.

الثامن: الترتيب، وهذا تابع تلقائياً للنظام، والترتيب ينقسم إلى الترتيب المادي والترتيب الاجتماعي، بمعنى أن يكون هناك مكان معين لكل شيء ولكل شخص، ويكون كل شيء وكل شخص في مكانه الخاص به.

التاسع: تدرج السلطة، بأن تكون سلسلة الرؤساء من أعلى الرتب إلى أدناها تسلسلاً صحيحاً.

العاشر: وحدة التوجيه، بأن يكون لكل مجموعة من الأنشطة التي لها نفس الهدف خطة واحدة ورئيس واحد، وهذا المبدأ يتعلق بالمنشأة.

الحادي عشر: وحدة السلطة الآمرة، وهذا مربوط بالعاملين، وهو غير العاشر، ومعنى هذا أنه يجب أن يحصل الموظف على الأوامر من رئيس أو مشرف واحد فقط.

الثاني عشر: خضوع المصلحة الشخصية للمصلحة العامة.

الثالث عشر: ملاحظة المركزية أو اللامركزية في السلطة.

الرابع عشر: مكافأة الأفراد وتعويضهم لا مادياً فحسب، بل معنوياً أيضاً.

الخامس عشر: على المدير أن يكون قادراً على التخفيف من ثقل الروتين واليأس الذي يكون كابوساً على قلوب العاملين.

ويطرح فلاسفة الإدارة رأيهم بقولهم: تستند الإدارة في أهميتها إلى عوامل سياسية تبرز وجودها وتحتّمهُ، وهذه العوامل تعمل الإدارة إلى تحقيقها، وتشكل في مجملها الفلسفة الأساسية من وراء وجودها، وضروراتها في أي جهد جماعي ذي أهداف محددة:

- تحقيق الأهداف الموضوعة للمؤسسة بفعالية.

- تنظيم جهود العاملين في المؤسسة.

- حفز طاقات العاملين وتنسيقها، وتعزيزها.

- التخطيط لاستثمار طاقات العاملين.

-  تحقيق رضا العاملين لتحقيق أفضل النتائج بكفاية (السرعة، الدقة، الإتقان، وبأقل كلفة ممكنة).

- تحقيق الانسجام المهني بين العاملين في المؤسسة.

- توحد أهداف العاملين لتحقيق هدف المؤسسة.

- تحقيق تطور الأهداف لمجاراة الركب الحضاري.

- توفير المناخ العاطفي والاجتماعي بين أفراد المؤسسة.

- توفير الخبرات الفنية اللازمة.

- تتابع عمل وإنجازات الأفراد.

- التقويم المستمر (14).

ويطرح الإمام الشيرازي رأيه بضرورة وجود مناهج محددة للإدارة لاسيما أنّ الإدارة تقوم بدور العنصر المعاون الذي يتغلغل في جميع أوجه النشاط الإنساني، وعليه فلا بد أن تكون لها مناهج خاصة، ويذكر جملة من هذه المدارس التي تصب كلها في مصب واحد.

الأولى: المدرسة العلمية للإدارة.

وهذه المدرسة تبني تحققها على تجزئة الإدارة عن طريق تحرير وظائف المدير، وعلى الخبرة الطويلة مع الإدارة ومرافقها المتنوعة مما يستخلص منها حقائق ومبادئ تساعد على فهم وتحسين عملية الإدارة.

الثانية: المدرسة التجريبية.

وهذه المدرسة تهتم بدراسة تجارب المديرين الناجحين والمديرين الفاشلين التي تحدث في الإدارات الناجحة والإدارات الفاشلة، فهي تحلل الإدارة عن طريق التجارب لغرض الوصول إلى عموميات لنقل هذه الخبرة والتجارب للدراسيين والممارسين.

الثالث: مدرسة السلوك الإنساني.

وتقوم هذه المدرسة بتحليل الإدارة على فكرة أساسية مفادها أن الإدارة تنطوي على تنفيذ الأشياء مع الأشخاص، ومن خلالهم فإن دراستها يجب أن تتركز على العلاقات الشخصية، وهذا ما يطلق عليه مدخل العلاقات الإنسانية، أو مدخل القيادة أو العلوم السلوكية.

الرابع: مدرسة النظام الإجتماعي.

وتنظر هذه المدرسة إلى الإدارة كنظام اجتماعي وكنظام للعلاقات الثقافية المتداخلة بين أفراد المجتمع، وهذه المدرسة تستمد رؤيتها من علم النفس الإجتماعي، وتتعامل مع تحديد الجماعات الإجتماعية المختلفة، وعلاقاتها الثقافية.

الخامس: المدرسة الرياضية.

وهي تتضمن النظر إلى الإدارة كعملية يمكن التعبير عنها في شكل رموز وعلاقات رياضية، لأنه بواسطة النماذج يمكن التعبير عن المشكلة على أساس علاقاتها الأساسية، وعلى أساس الأهداف المختارة.

ويطرح الإمام الشيرازي في إحدى المسائل مؤهلات الإدارة والقائد الناجح بقوله: المدير بحاجة إلى مؤهلات سابقة على الإدارة ومتزامنة مع الإدارة، حتى يكون مديراً ناجحاً يتمكن أن يسير بالمنشأة إلى الأمام(15) وتطرح النظريات الإدارية بعض المواصفات للقيادة الإدارية الناجحة، وهي خليط بين أسس الإدارة العلمية والعلاقات الإنسانية مع الوثوق من أن أهداف التنظيم وأغراضه تستهدف الصالح المشترك لكل من يعمل فيه، وهي في نفس الوقت إدارة متحركة تتصف بالمرونة وتتكيف مع الظروف المتغيرة الناتجة عن النمو الإقتصادي والتغير الإجتماعي اللذين يمر بهما المجتمع، والإدارة العلمية وحدها لا تحقق النجاح الكامل، وإن كان أتباع تعاليمها يحقق دورات مبسطة للعمل واقتصاداً في الحركة والجهد واقتصاداً في التدريب، كما قد تتحقق الزيادة في الكفاءة الإنتاجية نتيجة تحديد الأهداف وإيجاد أساليب واضحة للاتصالات واتخاذ القرارات والرقابة إلى غير ذلك من أساليب الإدارة العلمية، فالقيادة الإدارية الناجحة هي القيادة الديمقراطية المتكاملة التي تتركز حول الجماعة وعملها كفريق واحد، وفي نفس الوقت تحقق للفرد مجالاً واسعاً للإبتكار والتعبير عن نفسه حتى لا تهبط قيمة الفرد في الجماعة (16).

ويعرض الإمام الشيرازي شروط ومؤهلات المدير الناجح وهي:

الأول: يحتاج المدير إلى مؤهل جامعي في إحدى التخصصات المرتبطة بالإدارة، كالإدارة العامة، أو إدارة الأعمال، أو العلوم السياسية، أو العلوم الاقتصادية، أو المحاسبة أو ما أشبه ذلك.

الثاني: في البلاد الإسلامية حيث الصبغة العامة في البلاد هي الإسلام، فالمدير بحاجة إلى إلمام بالعلوم الإسلامية المحتاج إليها في كيفية الإدارة وفقاً للأخلاق الإسلامية في باب المعاشرة والمداراة. وعلم الإجتماع العام بالسلوكيات الإسلامية وعلم الفقه في الجملة، وعلم النفس الإسلامي بات يعرف نفسيات المسلمين وما إلى ذلك.

الثالث: الخبرة العلمية، حيث يلزم توفر الخبرة العلمية للمدير في مجال عمله، وذلك لا يكون إلا بالتصاعد التدريجي في سُلّم تلك الإدارة، ولهذا ترى في البلاد الإستشارية (الديمقراطية) يصعد الموظف الحكومي من مدير الناحية إلى القائم مقامية إلى المحافظة الصغيرة ثم إلى المحافظة الكبيرة ثم إلى محافظة العاصمة، وهكذا بالنسبة إلى سائر الشؤون.

الرابع: التدريب في مجال التنظيم والأساليب المحتاج إليها المدير، فإنه شرط أساسي بالنسبة إلى العاملين في هذه الأنشطة، فمن المستحسن بالنسبة إلى المدير تنظيم دورات تدريبية لعدة أسابيع أو لعدة أشهر، حسب صعوبة الإدارة أو سهولتها لاطلاع المدراء الجدد بالنسبة إلى أعمالهم الجديدة على كافة أعمال ونشاطات التنظيم والأساليب الهيكلية، وعلى كيفية القيام بإجراءات الدراسات التنظيمية، وكيفية التعامل مع الرؤساء الإداريين، ومع الموظفين في الإدارات والأقسام التي سيقومون بإجراء دراسات فيها، أو مع سائر الناس إذا كانوا مرتبطين بإداراتهم بسائر الناس، فإن الدورات التدريبية لها مدخلية كاملة في إعداد المديرين لتسليم المناصب الجديدة.

الخامس: يلزم مراعاة التخصص بالنسبة إلى لإدارة والعلوم العامة، ولا تنفع بالنسبة إلى الأمور المحتاجة إلى الإختصاص بالنسبة إلى المديرين الذين يتسلمون قسماً يحتاج إلى الإختصاصات.

السادس: اللازم أن يكون المدير ملماً بلغة أجنبية أخرى غير لغته.

السابع: أن يكون دائم التفاوض والإستطلاع والمطالعة في الكتب المعنية بشأن إدارته (17).

ويطرح الإمام الشيرازي أهم وظائف المدير، بقوله: المدير مكلف بعملين أساسيين:

الأول: بالنسبة إلى البيئة الداخلية، إنها ستتأثر البيئة الداخلية بالمدير بالنسبة إلى مسؤوليه، فإن المدير في منشأته يكون مسؤولاً عن البيئة التي سيعمل فيها بضمن مرؤوسيه أو مع الناس.

الثاني: بالنسبة إلى البيئة الخارجية فإنه وإن لم يملك الخارج ملكاً كما يملك الداخل، فإن المدير لا يملك القوة التي تمكنه من التأثير على سياسية الحكومة، أو الظروف الاقتصادية، أو العلاقات الدولية، والعلاقات مع سائر المؤسسات المشابهة، أو غير المشابهة، مما تؤثر كل واحد منها في الآخر تأثيراً ما.

ويعرض الوظائف التي يقوم بها المدير، وهي وظائف عامة، وهناك وظائف خاصة بالنسبة إلى البيئة الداخلية، أو البيئة الخارجية ويوجزها في خمس:

الأول: التخطيط.

الثاني: التنظيم.

الثالث: التشكيل.

الرابع: التوجيه.

الخامس: الرقابة (18).

أما علم الإدارة العام فيعرض أعمال المدير بما يلي:

- التخطيط.

- تحقيق أهداف المؤسسة.

- التنسيق في العمل.

- الدافعية والتحفيز.

- التوجيه.

- الإلتزام بالعمل.

- المتابعة.

- التقويم.

- إتخاذ القرار (19).

ويطرح العلماءُ المتخصّصون في علوم الإدارة المزاوجة بين الإدارة الناجحة والقيادة الناجحة، ويعرض (ملاك جرجس) خصائص القائد الناجح والذي يجب أن تتوفر في المديرين ليصبحوا قادة بالإضافة إلى كونهم مديرين، وقوله: ليس من السهل أن ترسم صورة واضحة لسمات القائد الناجح، ذلك لأن القيادة تعتمد كثيراً على الظروف التي تنشأ فيها، ولكن يمكن أن تركز على عامل هام هو أسلوب القائد وقدرته على إشباع الحاجات النفسية الأساسية للأفراد الذين يقودهم، وعلى هذا الأساس فالقائد بين طلبة فصل من الفصول في المدرسة هو أقدر الطلبة على مساعدة زملائه، والقائد في وسط مجموعة من العاملين هو أقدر العاملين على مساعدة زملائه والدفاع عنهم بالحق.

ويرى البعض أن أي قائد خصوصاً في المجالات الإدارية والفنية يجب أن يتصف بصفات خاصة منها: أن يكون ذكياً -مرناً- على درجة معقولة من الثقة بالنفس- له القدرة على الإنطلاق -القدرة على التحدث بطلاقة وحماس- له القدرة على المشاركة الوجدانية مع أفراد الجماعة التي يقودها -القدرة على الإبتكار (20).

يبحث الإمام الشيرازي في مهام الإدارة الأساسية، وواجبات المدير الناجح، وكيفية اتخاذ القرار، بقوله: من الأعمال الأساسية للإدارة، اتخاذ القرار، وهو عمل مستمر للمدير، سواء كان مديراً عاماً، أو مديراً متوسطاً أو مديراً في القاعدة، سواء كان في مؤسسة اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو غيرها.

ومعنى اتخاذ القرار، اختيار ما ينبغي عمله، ومن الذي يقوم بهذا العمل، ومتى يكون وأين وكيف؟.

وبالأخير فإن عملية اتخاذ القرارات هي بطبيعتها عملية مستمرة ومتغلغلة في كل الوظائف الأساسية للإدارة، بل في الوظائف الفرعية، فإن الوظائف بحاجة إلى التخطيط والتشكيل والتوجيه والرقابة الخ.

وقول الإمام الشيرازي: في التخطيط تحدد القرارات العمل الذي يجب تأديته والسبل التي يتعين اتباعها لإنجاز هذا العمل، وفي التنظيم تحدد القرارات نوع العمل الذي يوزع على أعضاء معينين من الجماعة، وتفويض القدر المعين من السلطة التي يمكنه القيام بالعمل، وجعل قدر كاف من الحقوق لهم من باب مقابلة الواجب بالحق وفي التشكيل تلزم القرارات التي تؤدي إلى تنمية الهيئة الإدارية واختيارها وتدبيرها، وفي التوجيه تقوّم القرارات بإقناع أعضاء الجماعة إن العمل المحدد الموضوع هو العمل المناسب لتحقيق الأهداف ثم الرقابة، وهي عبارة عن مقارنة الأداء الفعلي بما هو مخطط، فإن ذلك لا يكون إلا بواسطة قرارات تظهر وجودها أو عدمها.

ويستطرد الإمام الشيرازي بقوله: عرف البعض القرار بأنه الإختيار القائم على أساس بعض المعايير لبديل واحد من بديلين محتملين، أو لأحد البدلاء في الموضوع، سواء كان البديلان أو الأكثر بين السلب والإيجاب، أو بين الإيجابيين أو بين السلبيين، فيجب أن يتخذ القرار بين هذا المعيار أو هذا المعيار، ويتأثر باختيار البديل الأفضل بواسطة المعايير المتمركزة في الذهن.

ويمضي الإمام الشيرازي بصدد توضيح القرار وعملية اتخاذ القرار بقوله: القرار عبارة عن حسم بعض وجهات النظر والآراء المتعارضة، فإذا كانت هنالك آراء، فكثيراً ما توجد اختلافات في الآراء أو وجهات النظر أو الأحكام أو الحقائق المتصلة بمشكلة ما، وهنا يجب على المدير أن يتخذ قراراً حتى يمكن المحافظة على فاعلية الجماعة، والّلازم أن يكون اتخاذ القرار غير مضر بالجماعة المخالفة لهذا الرأي الذي اتخذوه، فالمنازعات التي يمكن حسمها بواسطة القرارات الناجحة عديدة(21).

ويعرض علماء الإدارة كيفية اتخاذ القرار، وخاصة عند الجماعة حيث يقول (ملاك جرجس) المناقشة وحدها لا تكفي.. إلا إذا انتهت باتفاق أو قرار أو فعل، ثم إن القرارات لا تؤدي إلى عمل فعّال إلا إذا كان المرؤوسون منتبهين للأهداف المقصودة، كذلك تتوقف كفاءة القيادة وفعالية القرار على مدى اشتراك جميع من يتأثرون بالقرار ومن يتطلب الأمر فهمهم ومساعدتهم (22).

الإمام الشيرازي والإدارة العالمية للمسلمين:

يرى الإمام الشيرازي إن من الضروري للمسلمين إدارة مؤسسة إسلامية عالمية، فإن هناك نشاطات إسلامية كثيرة في كافة بلاد الإسلام وغيرها حتى بلاد الستار الحديدي التي تحارب الدين ورجاله بكل شدة، لكن هناك ثلاثة أشياء يحتاج إليها العالم الإسلامي ككل:

الأول: تنظيم المسلمين الذين يتواجدون في البلاد شبه الحرة كأوروبا وأمريكا ونحوهما.

الثاني: إعلام غير المسلمين بالإسلام، فإن غير المسلمين إذا عرفوا حقيقة الإسلام أقبل كثير منهم على الإسلام بمحض إرادتهم ورغبتهم في انتخاب الأحسن أو انتخاب الحسن.

الثالث: جمع النشاطات الإسلامية في وحدة واحدة، بأن يكون الكل تياراً واحداً.

ويناقش الإمام الشيرازي أن مثل هذه المؤسسة بحاجة إلى أموال كثيرة، لكن من الواضح أيضاً أن الأثرياء لو وجدوا مثل هذه المؤسسة لإنخرطوا في مؤتمرات تعقدها المؤسسة بحضورهم وحضور سائر المثقفين.

ويناقش الإمام الشيرازي في إحدى المسائل كيفية قياس الأداء -بقياس الأعمال- التي تتم أو تمت قبل ذلك، ويتم القياس بواسطة المعايير الرقابية التي تقررت، وبدون قياس الأداء لا يمكن القيام بعملية الرقابة قياماً كاملاً وإن أمكن القيام قياماً ضحلاً أو مشوشاً، ويتم قياس الأداء إما بالملاحظة المباشرة أو بالتقارير.

ويطرح علماءُ النفس المتخصصون في مجال الصناعة والإدارة، الإختبارات النفسية كوسيلة للإختبار المهني أو التوجيه المهني فضلاً عن المقابلة Interview، وهي من الطرق الشائعة في مجالات متعددة في علوم الإدارة والتنظيم الإداري والصناعي.

ويتطرق سماحة الإمام الشيرازي إلى تفصيل لأسلوب التقارير، الذي يعد ثاني أعمدة قياس الاداء، بقوله: (أنها تحتل مكاناً مهماً بين وسائل قياس الأداء، والتقارير قد تكون شفاهية وقد تكون كتابة).

ثم يستطرد بقوله أن للتقارير أشكال مختلفة:

أولاً: بالبيانات الرقمية.

ثانياً: بالخرائط والأشكال البيانية.

ثالثاً: بالاستعراضات الإنشائية.

وتؤدي التقارير وظائف عدة منها مجرد الإعلام، وقد يراد به، بالإضافة إلى ذلك إقناع المدير أو إقناع الجهة العليا من المحلل أو المفتش أو من أشبه بوجهة نظر خاصة.

أنواع القيادة الإدارية:

تقسم العلوم المتخصصة في الإدارة، الإدارة إلى عدة أنواع: القيادة الأوتوقراطية والقيادة الديمقراطية، ويقسم الإمام الشيرازي القيادة إلى أنواع ثمانية:

القيادة الشخصية.

القيادة غير الشخصية.

القيادة المتسلطة.

القيادة الإستشارية.

القيادة الأبوية.

القيادة الجافة.

القيادة الرسمية.

القيادة غير الرسمية.

ويرى المتخصصون في علم الإدارة والتنظيم الإداري والصناعي بأن القيادة الأوتوقراطية تتسم بالسيطرة والتحكم، وقد يلجأ إليها البعض لما لهم من قيم اجتماعية خاصة تجعل أنماط سلوكهم واتجاهاتهم نحو الآخرين شبه استبدادية تعتمد على إعطاء الأوامر وتوقع إطاعتها دون مراعاة العوامل الإنسانية، وقد يلجأ إليها البعض لانحرافات في شخصياتهم تتسم بالشعور بالعظمة والشك في سلوك الغير، وتوقع المؤامرات منهم، فيلجئون كمديرين إلى أساليب استبدادية في الإدارة، ويركزون السلطة في أيديهم، ويصدرون من التعليمات ما يؤمن جانبهم من المؤامرات المزعومة، أو احتياطاً لما يسمونه عدم أمانة الموظفين.

أما القيادة الديمقراطية فتعتمد على توزيع السلطة والمسؤولية على جميع أعضاء الجماعة مع إيجاد الدافع إلى التعاون في العمل عن طريق زيادة إشباع رغبات وحاجات الأفراد النفسية وفي ضوء هذه القيم الاجتماعية يكون سلوك المدير، وهو هنا جدير بأن يسمى (بالقائد) لأنه لا يصدر الأوامر لتنفيذها إنما يصدرها بعد مشاورات مع أعضاء الإدارة العليا ثم تفسيرها لباقي أفراد المؤسسة.

ولا يمكن لمدير من المديرين أن يلجأ إلى الإدارة الديمقراطية إلا إذا كان على درجة كبيرة من الذكاء وكان يتمتع بدرجة كبيرة من تكيّف الشخصية ومرونتها، ومع دراية كبيرة بالنواحي الفنية الخاصة بالنشاط الصناعي أو التجاري الذي يعمل فيه، ومن هنا كانت الضرورة القصوى في انتقاء المديرين انتقاءاً سيكولوجياً مهنياً أو اختيار من يصلحون للتدريب على القيام بهذه المهمة.

أما الإمام الشيرازي فيرى ان العوامل التي تساهم في القيادة الناجحة تنطوي على تقديم أهداف محددة وواضحة مع خطة سليمة كاملة ووضع الإنسان المناسب في المكان المناسب.

ويرى أن القيادة الشخصية هي التي تزاول القيادة عن طريق الإتصال الشخصي بالآخرين والتوجيه لهم وتحفيزهم بالكلام وما أشبه ذلك، وهي من الأنواع الشائعة والتي تمتاز بالفاعلية الكثيرة بالإضافة إلى بساطتها.

أما القيادة غير الشخصية، فهي اصطلاح يستخدم للإشارة إلى القيادة التي تزاول خلال مرؤوس القائد وعن طريق الوسائل غير الشخصية مثل الخطط والأوامر وما أشبه ذلك.

أما القيادة المتسلطة المستبدة، والتي يعبر عنها بالدكتاتورية، وهي تقوم بكل الأعمال بنفسها، وتزعم أنها تعرف كل شيء، وأن رأيها هو الأصوب، فتوزع الأوامر وتعطي التوجيهات دون التشاور مع الشخص الذي يقوم بتنفيذ العمل، بالإضافة إلى أنه دكتاتور بالنسبة إلى أقرانه أيضاً، وغالباً ما يعتقد القائد المتسلط أنه بسبب مركزه وما يتمتع به، من سلطة يمكنه أن يقرر أفضل من غيره ماذا ينبغي عمله؟.

أما القسم الرابع من القيادة فهي القيادة الإستشارية (الديمقراطية) وهذه القيادة تستفيد من المرؤوسين ومن الزملاء وتتشاور معهم وتأخذ بآرائهم وتشجع المبادرة من جانب التابعين، والقائد يقترح الأعمال المحتملة مع توصياته، ولكنه ينتظر موافقة الجماعة قبل أن يضع هذه الأعمال موضع التنفيذ، وتهتم هذه القيادة بمصالح الجماعة وتعمل على إشباعها بخلاف القيادة الدكتاتورية التي لا ترى إلا نفسها، فالإستشارية ضد الدكتاتورية.

والقيادة الخامسة هي القيادة الأبوية والتي تكون بمنزلة الأب بالنسبة إلى العائلة، فتهتم بالنفوذ الأبوي في العلاقات بين القائد والجماعة والذي ينعكس على اهتمام القائد براحة ورفاهية التابعين، وجعلهم بمنزلة أبنائه، وهم يشعرون بهذا الشعور فيجعلونه أباً.

وفي قبال هذه القيادة في القسم السادس، والتي نعبر عنها بالقيادة الجافة، وهي القيادة التي لا نصيب لها من العطف، ومثل هذه القيادة تكون دائماً مفروضة، فإن الناس إلى جانب العقل يريدون العطف، لأنهم خلقوا من عقل وعاطفة.

أما النمط السابع من القيادة، فهي القيادة التي تكون حسب نوع العمل المفوض إليه اجتماعياً، كرؤساء القوى الثلاث في الحكومات، وهي التنفيذية والتأطيرية والقضائية أو ما أشبه ذلك، وهذه القيادة لا تكون إلا حسب الإقتضاء الإجتماعي، وحتى قيادة مرجع التقليد تسمى في هذا الإصطلاح بالقيادة الرسمية.

أما القيادة غير الرسمية، وهو القسم الثامن، ويقصد بها ذلك النوع الذي يظهر أصلاً بواسطة جماعات التنظيم ويعبر عنهم في بعض الأحيان بجماعات الضغط ثم يناقش الإمام الشيرازي مؤهلات القائد والمدير ومنها:

الأول: الطاقة الجسمية.

الثاني: الطاقة العقلية.

الثالث: الدافع الشخصي.

الرابع: المهارة في الإتصال.

الخامس: المهارة الإجتماعية.

السادس: الاستقامة.

السابع: يجب على القائد الديني أن يكون متوكلاً على الله مستعيناً به مرتبطاً معه وتابعاً لهُ.

الثامن: قوة علاقاته الإنسانية.

التاسع: الموضوعية.

العاشر: أن يكون قادراً على أن يصبح معلماً.

الحادي عشر: المقدرة الفنية في إدارته.

الثاني عشر: القيام بحل المشكلات بنفسه.

الثالث عشر: تحمل المسؤولية.

الرابع عشر: السرعة في الرجوع إلى الحق إذا تبيّن له خطأه.

الخامس عشر: البقاء على وتيرة واحدة.

السادس عشر: يجب على القائد أن يهيئ نفسه للقيادة أي يجعل الجو الملائم في أطرافه سواء في داخل المؤسسة أو خارجها ليتمكن من مزاولة القيادة مزاولة صحيحة.

حقوق الإنسان في فكر الإمام الشيرازي:

يبحث الإمام محمد الحسيني الشيرازي مدخلاً خاصاً موضوع حقوق الإنسان في العالم المتحضر، ويناقش تاريخ البشرية وامتدادات تلك الحقوق بقوله: يبتدئ تاريخ حقوق الإنسان مع تاريخ البشرية! وقد كان المجتمع -في جميع أداوره- يعالج صراعاً دائباً بين الشعب والبلاط، فطوراً كانت الملوك تنتصر على الشعوب، وآونة كانت الطبقات الكادحة تنتفض، فتتغلب على جهاز الحكم، وربما يحلو للبعض أن يقول: إن في جميع الثورات التحريرية للبشر تجد نهضتين بارعتين، أدتا إلى العالم الإنساني رسالتهما كاملة، الدعوة الإسلامية الكبرى التي يتزعّهما النبي الأعظم رسول البشرية، والثورة الفرنسية الكبرى بقادتها الفرنسيين.

ولكن الثورة الفرنسية نضبت بانهيار كيان (اللويسببين) وتأسيس البرلمانات والدعوة الإسلامية امتدت جذورها إلى أعماق الحياة وانتشرت في شعابها، وظلت الثورة الإسلامية خالدة (34).

ويورد الإمام الشيرازي بعض المواد التي شكل منها حقوق الإنسان منها:

المادة الخامسة:

لا يجوز أن يعيش إنسان في الرق والإستعباد، والرق والنخاسة -في كافة صورها- محظوران.

المادة السادسة:

لا يجوز أن يعذب إنسان أو توقع عليه عقوبات قاسية غير إنسانية أو مزرية بالكرامة.

المادة السابعة:

لكل إنسان الحق في أن يعترف له في كل مكان بشخصيته القانونية.

المادة الرابعة عشرة:

1- لكل فرد الحق في التنقل -بحرية- وفي اختيار مسكنه داخل الدولة.

2- لكل إنسان الحق في أن يغادر أي بلد -بما في ذلك بلده- وأن يعود إليه.

المادة الخامسة عشرة:

لكل إنسان الحق إزاء الاضطهاد في أن يبحث عن ملجأ، وأن يستفيد من وجود هذا الملجأ في بلاد أخرى.

المادة الثامنة عشرة:

1- لكل فرد الحق في الملكية! سواء بصفة فردية أو جماعية.

2- لا يجوز حرمان أحد من ممتلكاته بإجراء تحكمي.

المادة التاسعة عشرة:

لكل إنسان الحق في حرية التفكير والإعتقاد والديانة.

المادة التاسعة والعشرون:

لكل إنسان الحق في أن يسود -في المجال الإجتماعي والدولي- نظام يضمن النفاذ الكامل للحقوق والواجبات المنصوص عليها في هذه الوثيقة.

يناقش الإمام الشيرازي بنود ومواد حقوق الإنسان من وجهة نظر حضارية -إسلامية - بقوله: إن وضع القانون وحده لا ينفع!.. فإن أول من يخالفه هم المقننون، الذين لا يجبرهم أحد على الإلتزام بالقانون، وفضل الإسلام في ذلك هو أنه يضع القانون.

ويعرض الإمام الشيرازي المواد لحقوق الإنسان ويشرح بعضها ومنها المادة التاسعة عشرة، حيث يقول: ليس للمتدين بالدين الفاسد أن يعلم مبادئه للناس، أو يزاول الطقوس والشعائر والمراسم، وبالأخص إذا كانت مغرية إليه، وداعية له، وهو لا يملك حجة ودليلاً على مبدأه، ولا تتركز فكرته على أساس من الوعي الرصين، وإنما شأنه إغراء عواطف الأطفال وشهوات المراهقين، وخداع السذج والرعاع ويعلق على المادة التاسعة والعشرين بقوله: لقد علمت بعض ما في هذه الوثيقة من هفوات لا تقال! إذن لا يجب النفاذ الكامل للحقوق والواجبات المنصوص عليها في هذه الوثيقة.. نعم.. لابد من الإعتراف بحقوق الآخرين.. ولكن كما يرسمها الإسلام، إذ لا يصح الرضوخ لأي قانون لا يتفق مع الإنسانية.

قدرات وأسس الإدارة الصحيحة:

يعرض الإمام الشيرازي فكرة الإدارة الصحيحة القائمة على أساس القدرات التي يتمتع بها الفرد في موقع الإدارة بقوله: فاللازم أن يهتم المدير أو الجهة التي تدير المؤسسة لإمتحان قدرة الموظفين وقياسها، حتى يظهر في أنه: هل يتمكن تسلم المنصب الموكل إليهم، لكي يقودوا المؤسسة بسلام أم لا، إذ غير القدير مهما كان مخلصاً لا يتمكن من ذلك، ومن الواضح أن القدرة ليست متغيراً وحيداً يؤثر في كل مجالات الأداء، وإنما هي عامل مركب من متغيرات عديدة تتفاوت أثرها على الأداء بتفاوت طبيعة هذا الأداء ومتطلبات القدرات اللازمة له، ومن هنا كان اللازم التعرف على أنواع القدرات ومجالاتها وعلاقتها بالأداء ومتطلباته، وهناك رأيان في القدرات العقلية، إنها: هل هي قدرة واحدة ذات متعلقات، أو قدرات متعددة، وعلى أي حال فبعضهم قسّم القدرات العقلية إلى أصولها الأولية وهي:

أولاً: عامل الفهم اللغوي.

ثانياً: عامل الطلاقة اللغوية.

ثالثاً: عامل القدرة الحسابية.

رابعاً: عامل القدرة المكانية.

خامساً: عامل السرعة الإدراكية.

سادساً: عامل التذكر.

سابعاً: عامل التفكير الإستنباطي، وهو يعتمد على ثلاثة أمور:

أ) يمثل القدرة على اكتشاف واستخراج القاعدة العامة من حالات جزئية.

ب) القدرة على الأمور الجزئية عن القاعدة العامة مثل اكتشاف الحساب الموكول إليه.

ج) القدرة على اكتشاف حالات جزئية عن حالات جزئية أخرى.

ثامناُ: العامل الإجتماعي.

أما القدرات غير العقلية، فقد صنفها بعضهم إلى مجموعتين:

المجموعة الأولى: قدرات الحواس وهي (قدرة البصر والسمع والشم واللمس والذوق).

المجموعة الثانية: قدرات حركية وتشمل:

أ) السرعة.

ب) التنسيق.

ج) اللياقة أو الكفاءة الجسمية، وتتضمن القوة، المرونة، التوازن، التحمل.

ويركز الإمام الشيرازي على أهمية صقل هذه القدرات والمكونات الجسمية بقوله: (يأتي دور التعلم والبيئة والممارسة، وقد تم الإشارة إليها في تدريب الموظف، ويرى الإمام الشيرازي أن المدير اللائق هو الذي يضع ما أوردناه من القدرات وغيرها في الموظف الذي يريد استخدامه موضع الامتحان.

الرضا عن العمل:

تعرض الكتب المتخصصة في مجال الإدارة والصناعة وما يتعلق بهما من علم الإجتماع وعلم النفس، أُسساً مهمة لا بد من توفرها عند العامل أو الموظف الإداري أو المدير، وأموراً أخرى لابد من مراعاتها، ويناقشها الإمام الشيرازي في إحدى المسائل المهمة في كتاب الإدارة في الجزء الثاني بقوله: (من الأمور المهمة التي يجب على المدير أو الإدارة مراعاتها رضا العمال عن العمل، سواء كانوا بمستوى موظفين كبار أو موظفين عاديين، فإن تحقيق رضا الأفراد عن أعمالهم ينبع من طبيعة البشر ومشاعره التي تتكون لأفراده من جهة رغبات وانفعالات).

ويرى الإمام الشيرازي أنّ عدم الرضا على الأكثر يظهر في قلة الإنتاج وقلة الخدمة والغياب وعدم الإنتظام في العمل، وبالعكس من كل ذلك الرضا، وطبيعة الرضا عن العمل قد يعبر عنها بالروح المعنوية، أو بالإتجاه النفسي نحو العمل، أو بالإندفاع أو ما أشبه ذلك.. وهي تعبر عن مدى الإشباع الذي يتصور الفرد أنه يحققه من عمله، فكلما كان تصور الفرد أن عمله يحقق له اشباعاً كبيراً لحاجاته الجسدية والروحية، كانت مشاعره نحو العمل إيجابية، وكلما كان تصور الفرد أن عمله لا يحقق له الإشباع المناسب لحاجته، أو تصور أنه يحرمه عن اشباعاته النفسية أو الجسدية، كانت مشاعره نحو عمله سلبية، ولذا فليس الرضا له درجة واحدة وإنما له درجات متفاوتة، وقوة هذه المشاعر ودرجة تراكمها تؤثران في درجة انعكاسها على سلوك الفرد الخارجي، فكلما كانت مشاعر الإستياء من العمل قوية زاد احتمال ظهور هذا الإستياء على سلوك الفرد ببحثه عن عمل آخر وبانتقاله -في نفس العمل- إلى قسم آخر، أو بزيادة نسبة غيابه أو بزيادة معدل تأخيره أو ما أشبه ذلك، وأحياناً إذا لم يجد ملجأ التجأ إلى التخريب، أما تخريب سمعة المؤسسة تخريباً معنوياً أو مادياً، وكلما تراكمت مشاعر الإستياء لفترة طويلة زادت احتمالات قيامه بالسلوك المذكور، ويعرض الإمام الشيرازي لعوامل الرضا والإستياء وهي حسب الإستقراء عشرة:

الأول: الرضا أو الإستياء عن الأجر.

الثاني: عن محتوى عمله.

الثالث: عن فرصة الترقي.

الرابع: الرضا أو عدم الرضا عن رئيسه.

الخامس: الرضا أو عدم الرضا عن الجماعة التي يعمل معهم.

السادس: الرضا أو عدم الرضا عن ظروف العمل.

السابع: الرضا أو عدم الرضا عن ساعات العمل.

الثامن: الرضا أو عدمه عن سمعة المؤسسة.

التاسع: الرضا أو عدم الرضا عن العطل.

العاشر: الرضا أو عدم بواسطة رضا أو عدم رضا أهله ومن يرتبط به عن العمل.

ويناقش الإمام الشيرازي تجريبياً بعض المتغيرات التي تؤثر في العمل وتنعكس على العامل في عمله ومنها التكيف، فقوله: (إن الأفراد الذين لديهم قدرة عالية على التكيف والذين لا يقنعون بما يتاح لهم من إشباعات، يميلون إلى أن يقرروا رضا أعلى عن الجوانب المختلفة للعمل بخلاف الأفراد ذوي القدرة المحدودة على التكيف، اختلاف درجة التكيف والطموح بين الموظفين تساهم في تماثل درجة الرضا عن جوانب العمل المختلفة لدى الفرد الواحد، وتؤدي إلى تفاوت درجة الرضا بين الأفراد ويستطرد بقوله: نعم أحياناً تغلب بعض الجوانب على بعض من جهة الرضا أو عدم الرضا، لأن هذا الجانب أهم في نظر الموظف فيقدمه على غيره، وأول الجوانب التي يتعلق بها الرضا أو عدم الرضا هو الأجر، فإن الأجر إذا كان بقدر الطموح، وما يراه الفرد مناسباً لنفسه يسبب رضاه، وإذا لم يكن كذلك يسبب عدم رضاه، وليس المعيار هو الحاجة الأساسية وعدم الحاجة، فكثيراً ما لا يقتنع الفرد بالحاجات الأساسية، وليعطي الشعور بالأمن، وليرمز إلى المكانة الإجتماعية، فللأجر جانب نفسي وجانب مادي وفي بعض الأحيان يكون الأجر وسيلة لإشباع الحاجات الإجتماعية من خلال ما يتيحه للفرد من تبادل المجاملات مع الآخرين.

أما العامل الثاني فهو محتوى العمل، فإنه كلما كانت درجة تنوع مهام العمل عالية بأن قلّ تكرارها زاد الرضا عن العمل والعكس بالعكس، كما أن هناك بعض الأفراد الذين يرون تكرار العمل خيراً لهم من تنوعه، أما الغالبية فيرون التنوع هو الباعث للرضا، فإنه كلما تنوعت مهام العمل قل الملل النفسي الناشئ عن تكرار أداء كل مهمة من المهام مرات كثيرة، وفي هذا التنوع عنصر جديد يثير اهتمام الفرد بانتقاله من أداء مهمة إلى أداء مهمة أخرى، وتأثير درجة تنوع مهام العمل إذا كانت هذه المهام تفتقد التكامل والرابطة بين بعضها البعض، كما أن تنوع مهمات العمل بالنسبة لأفراد من مستوى ذكاء منخفض قد يكون مبعثاً لاستيائهم، على عكس ذوي الذكاء المرتفع الذين يصيبهم السأم سريعاً من أداء المهمات الروتينية المتكررة، وإنما ذكرنا ذلك من باب الغالب، والعموم لا من باب الكل فإن في كل موضع هناك غالب وهناك استثناء، كما أن درجة السيطرة الذاتية المتاحة للفرد تبعث على الرضا أو الإستياء.

أما العامل الثالث: وهو فرص الترقية، فلها علاقة مباشرة بالرضا عن العمل، فإن العامل المحدد لأثر فرص الترقية على الرضا عن العمل هو الطموح، أو توقعات الفرد عن فرص الترقية، فكلما كان طموح الفرد أو توقعات الترقية لديه أكبر مما هو متاح فعلاً قل رضاه عن العمل، وكلما كان طموح الترقية لديه أقل مما هو متاح فعلاً زاد رضاه عن العمل، فإن أثر الترقية الفعلية على رضا الفرد تتوقف على مدى توقعه لها، فكلما كان توقع الفرد بالترقية عالياً كان الرضا الناتج عن هذه الترقية أقل من رضا الفرد الذي كان توقعه لترقية منخفضاً، فحصول الفرد على ترقية لم يتوقعها تحقق له سعادة أكبر عن حالة كون هذه الترقية متوقعة، وعدم حصول فرد كان توقعه للترقية كبيراً على الترقية المترقبة يحدث لديه استياءً أكبر من حالة كون هذه الترقية غير متوقعة.

أما العامل الرابع فهو: نمط الإشراف.

ويقصد به الإمام الشيرازي وجود علاقة بين نمط الأشراف ورضا المرؤوسين عن العمل، فإن المشرف الذي يجعل مرؤوسيه محوراً لاهتمامه بتنمية العلاقات المساندة الشخصية بينه وبينهم، واهتمامه الشخصي بهم وتفهمه لهم وتفهُّمهم له، وسعة صدره في مختلف المواضيع لا في الأمور المالية فحسب، وخصوصاً عن حدوث أخطاء من جانبهم يكسب ولاء مرؤوسيه ويحقق رضا عالياً عن العمل بينهم.

العامل الخامس: هو جماعة العمل.. أي هم الذين يعملون مع الموظف، سواء كانوا بمنزلة مديرين أو من تحت إشرافه أو زملائه، فإنهم يؤثرون على رضا الفرد بالقدر الذي تمثل هذه الجماعة مصدر منفعة للفرد أو مصدر توتر له. ولا يراد بالمنفعة المادية فقط بل تشمل المنفعة الروحية أيضاً، فكلما تفاعل الفرد مع أفراد آخرين في العمل يحقق تبادلاً للمنافع بينه وبينهم، كانت جماعة العمل مصدراً لرضا الفرد عن عمله وبالعكس، كلما كان تفاعل الفرد مع أفراد آخرين يخلق توتراً لديه أو يعوق إشباعه لحاجاته أو وصوله لأهدافه، كانت جماعة العمل مسبباً لاستياء الفرد من عمله، وذلك يؤثر في إنتاجه، فإن الفرد المتوتر الأعصاب لا يتمكن من الإنتاج مع هؤلاء الأفراد حيث يرى بعض علماء النفس والإجتماع والطب إلى أن توتر الإنسان يسبب له ضعفاً في بدنه ومرضاً في مختلف أجهزته وكثيراً ما يسبب له بياضاً في شعره، فإن مثل هذا الإنسان كيف يتمكن أن يعمل وينتج ما هو مطلوب له وبالعكس، إذا كان راضياً فإنه يؤثر في صحته وحتى في بقاء اسوداد شعره.

ويؤكد الإمام الشيرازي على أنه: كلما زادت قوة هذه الحاجة إلى الإنتماء من الفرد إلى الجماعة الذين يعمل معهم كان أثر التفاعل مع جماعة العمل على درجة رضا الفرد كبيراً، فالمنافع الناتجة عن التفاعل مع جماعة العمل تكون كبيرة.

أما العامل السادس وهو ساعات العمل، وقوله: بالقدر الذي توفر ساعات العمل للفرد حرية استخدام وقت الراحة، وبزيادة من هذا الوقت يزيد الرضا عن العمل وبالقدر الذي تتعارض ساعات العمل مع وقت الراحة وحريات الفرد في استخدامه بالقدر الذي يريده، ينخفض به الرضا عن العمل ويزيد من استياءه والعلاقة المذكورة بين ساعات العمل، وبين الفرد تتوقف على الأهمية التي يعطيها الفرد لوقت الراحة أو الفراغ.

العامل السابع: ظروف العمل المادية.. ويرى الإمام الشيرازي بأنها تؤثر على قبول الفرد لبيئة العمل أو عدم قبوله لها، وهو بدوره يؤثر على رضاه عن العمل أو استيائه عنه، فإن متغيرات ظروف العمل مثل:

الإضاءة – الحرارة – التهوية – الرطوبة – الضوضاء - النظافة - وضع الفرد أثناء تأديته للعمل - أمراض المهنة المتصلة بأداء العمل.

ويشير الإمام الشيرازي إلى قضية مهمة تتعلق بظروف العمل المادية (الفيزيقية) بقوله: إن معدل الغياب يرتفعان في الأعمال التي تتصف بظروف عمل مادية سيئة، ويقلان في الأعمال التي تتصف بظروف عمل مادية جيدة.

العامل الثامن: وسائل العمل، أي البناية والموقع والآلات وما أشبه ذلك، فإنها إذا كانت على ما يرام كان الموظف راضياً وإلا لم يكن راضياً، كما إذا كانت البناية (موقع العمل) بعيدة أو الآلات قديمة أو المكان غير مناسب أو نحو ذلك.

الإدارة الدينية:

يعرف الإمام الشيرازي الإدارة الدينية بقوله: جماعة من الملتزمين بالدين يرشدون الناس إلى طريق الحياة السعيدة، لا بمعنى أنهم يجبرونهم على السلوك في طريق معين، فإن شعار الإسلام (لا إكراه في الدين)، بل بمعنى أنهم يساعدونهم في فهم الحياة التي إذا خالفها الإنسان عطب، وإذا وقع في طريقها وصل إلى شاطئ السلام بأمن ورفاه.

ويشترط الإمام الشيرازي في المدير الديني -مرجع تقليد كان أو وكيلاً أو واعظاً أو مدير مؤسسة دينية أو مدير مؤسسة زمنية- أن يتحلى:

أولاً:  بالتقوى أي اجتناب المعاصي والجرائم التي يراها الشرع جريمة.

ثانياً: بالأخلاق الطبيعية مع الغريب، والقريب والصديق، والعدو، وفي حالة الرضا والغضب.

ثالثاً: بالإلتزام بصورة خاصة، حيث ان رجل الدين يدعو إلى جنة عرضها السماوات والأرض.

ويعرض الإمام الشيرازي قوله: إن الإسلام دين ودنيا يلزم أن يدخل رجل الدين أيضاً بكل أبعادها، بأن يكون رجل دين ودنيا يدير الدول والمعاهد والمستشفيات والأمور الإقتصادية والمعامل والمطارات وغيرها، لا بمعنى أن يستبد بالأمر، بل بمعنى أن يكون هو والمثقف الزمني جناحي التقدم.

ويفسر لنا السيد الشيرازي ظاهرة تدخل رجال الدين في أمور الدولة والسياسة بقوله: قد يتنفر جمع من تدخل رجل الدين في الدولة من جهة ما رأوه من سوء تصرف الخلفاء الأمويين والعباسيين والعثمانيين ورجال الكنيسة في القرون الوسطى وحاخامات اليهود ومن اليهم، فانطبع في ذهنهم أن الدين إذا عاد إلى الحياة عادت تلك المآسي، لكن سوء تصرف مدعين لا يوجب الإغماض عن الحقائق، كسوء تصرف جماعة من الحكام الذين كانوا يدعون الديمقراطية، فهل معنى ذلك أن الديمقراطية بنفسها غير حسنة، فإذا لم ينسب العقلاء سيئات المدعين للديمقراطية على النظام الديمقراطي، كان اللازم أن لا ينسب إنسان سيئة الخلفاء والأمراء والكنيسة ومن إليهم على الدين الذي هو قانون الحياة السعيدة(24).

دور الإدارة:

يناقش الإمام الشيرازي في فصل خاص مخصص لكيفية ادارة الأمور متضمناً: دور الإدارة وهل هي غريزة أم اكتساب،  والتخطيط وتنظيم الوقت، والحزم وما إلى ذلك من أمور سنتعرض لها بشيء من العرض المتنوع.

ثم يطرح رأي الإمام المجدد السيد ميرزا محمد حسن الشيرازي في الإدارة بقوله: الرئاسة -ويقصد منها المرجعية الدينية- تحتاج إلى مئة جزء: جزء علم وجزء عدالة.. وثمانية وتسعون جزء (الإدارة).

ويناقش الأفكار المتعلقة من خلال قوله: الاحتياج إلى (الإدارة) ليس خاصاً بمرجع التقليد، بل هو عام لكل من يناط به أمر، أو يكون في الطريق إلى الإناطة.

فالملك، ورئيس الجمهورية، والوزير، ومدير المدرسة، ورئيس الصحة، وإمام الجماعة، ومدير المجلة والواعظ، إلى.. ساعي البريد، والطباخ، كلهم يحتاجون إلى الادارة، فإن حسنت إدارتهم، تمكنوا أن يقوموا بالمهمة بخير وسلام وتقدم، وإلا فالوقوف، ثم الانحطاط إلى حيث الجمود الأبدي.

ويضيف أن الإنسان الحسن الإدارة، يتقدم مرحلة فمرحلة، حتى ينتهي إلى غاية ما فوقها مرحلة. والإدارة:

1- تأتي بالقدرة.

2- تحفظها.

3- تنميها.

4- تأتي بأفضل النتائج.

5- في أقصر وقت.

6- بأقل قدر من المصاعب.

ويعرض الإمام الشيرازي عدة أمور في نجاح الإدارة ومنها (السكوت) بقوله: السكوت إنما يكون عن أمور:

أولاً: عن الإنتقاد، فلا يفتح الإنسان فاه، بانتقاد إنسان مربوط بالعمل أو غير مربوط به، فإن انتقاد الإنسان المربوط بالعمل -وإن كان حقاً- يثيره، مما يسبب التقليل من نشاطه، أو قيامه ضد المنتقد.

ثانياً: عن الإنتقاد الموجه إليه، فإنه مهما بلغ الإنتقاد، لا يؤثر في الإنسان، والناس دائماً مع الساكت، فإذا تكلم كانوا له أو عليه.

ثالثاً: عن الهدر في الكلام، مما يبتلى به كثير من أصحاب الأعمال.

ويعرض الإمام الشيرازي من الأمور المهمة في نجاح الإدارة (ترجيح الأهم على المهم) بقوله: فإنه في كثير من الأحيان تتعارض المصالح، فأيتها تقدم؟ أو تتعارض المفاسد فأيتها لابد منها اضطراراً؟.

وقوله أيضاً: على الإنسان، أن يقدم الأكثر صلاحاً، أو الأقل فساداً، وإلا فاته الأصلح أو وقع في الأفسد، وكلاهما يوجب ضعف الإدارة.

وفي حسن الإدارة (العفو) يقول: إن الإنسان مهما بلغت رتبته يكون معرضاً للأخطاء -باستثناء المعصوم- وربما أخطاء فادحة، فإن أراد المدير -أخذ الناس بأخطائهم، لم تستقم له الإدارة.

أما عن عامل التخطيط فيرى أنه كما يحتاج المعمار إلى تخطيط البناء قبل الشروع في العمل، كما يحتاج صاحب المعمل إلى تخطيط المعمل قبل نصب المكائن وتركيب الأجهزة والآلات، ومن المعلوم إن تخطيط كل شيء بحسبه، فتخطيط إدارة الحكم له شكل، وتخطيط إدارة المدرسة له شكل، وتخطيط إدارة الأمور الدينية له شكل، وتخطيط الحرب له شكل وهكذا.

كما ويطرح عاملاً آخراً من عوامل نجاح الإدارة وحسنها وهو (تنظيم الوقت)، فلا يهدر من أوقاته دقيقة واحدة، فإن بقدر الهدر (ولو دقيقة) تتسم الإدارة بالنقص، ويوصم المدير بالكسل، مما تضعف إدارته، فإن أوقات الشخص محدودة، والأعمال التي يمكن أن ينجزها -لحسن إدارته- غير محدودة، ولذا التكافؤ غير موجود، وإن انتهز جميع الأوقات، فكيف ما إذا أغفل وقتاً؟ فمن اللازم معرفة عمل كل وقت، مثلاً: إذا كان الفقيه يريد تأليف الكتاب، ونصب وكلاء، وفتح مؤسسات، وما أشبه ذلك، كان اللازم أن يخصص أيام التحصيل للتأليف، وفراغات التحصيل كالساعات بعد الصلوات أو ما أشبه، لنصب لوكلاء وكتابة وكالاتهم، حينما يدب في نفسه الملل فلا يتمكن في مثل هذه الأوقات من التأليف، ويخصص أيام العطلات لفتح المؤسسات، حتى لا يزاحم ذلك تحصيله، وتأليفه.

ومن الأمور المهمة لحسن الإدارة يذكر:

- تشويق الموظفين ومدحهم.

- السرعة والإتقان.

- التوسط في الفكر.

-عدم التبجح.

- النظر إلى العواقب.

- حسن الإستماع.

- اجتناب ما يسبب نفرة الناس.

- جلب ثقة الناس.

- الإستشارة.

- إن يفعل ما يريد بدون استفزاز.

- عدم الأنانية.

- الحزم.

- مراعاة جانب الله سبحانه، في كل لحظة وخطوة.

- عدم توقع العمل من الموظفين مئة في المئة.

- إعداد الموظفين ليصلحوا للإدارة.

- التهرب من المشاكل بلياقة.

- ضبط النفس عن الإنخداع (25).

..........................

الهوامش:

 (1) فقه الإجتماع: ج1 محمد الحسيني الشيرازي، دار العلوم، بيروت 1992 ص66.

 (2) نفس المصدر ص67.

(3) موسوعة علم النفس والتحليل النفسي: فرج عبد القادر طه وآخرون، دار سعاد الصباح، الكويت 1993 ص199

(4) فقه الإجتماع ج1، مصدر سابق ص67.

(5) نظرية الثقافة، مجموعة من الكتاب: ترجمة علي سيد الصاوي، عالم المعرفة، العدد 223، الكويت، تموز 1997 ص78.

(6) فقه الإجتماع، مصدر سابق ص100.

(7) الملل والنحل والأعراق: سعد الدين إبراهيم، مطابع سجل العرب، القاهرة 1994 ص30.

(8) الفضيلة الإسلامية: السيد محمد الحسيني الشيرازي، مؤسسة الوفاء، بيروت 1982 ص265.

(9) لماذا ينفرد الإنسان بالثقافة: مايكل كاريذرس، ترجمة شوقي جلال، عالم المعرفة، العدد 229 الكويت 1998 ص92.

(10) فقه الإجتماع، ج2 مصدر سابق ص104.

(11) نفس المصدر ص118.

(12) مقالات: الإمام محمد الحسيني الشيرازي، مؤسسة المجتبى للتحقيق والنشر، بيروت 2000 ص46.

(13) نظرية الثقافة: مصدر سابق ص133.

(14) الصياغة الجديدة: الإمام محمد الحسيني الشيرازي، مؤسسة الفكر الإسلامي، بيروت 1992 ص38.

(15) نفس المصدر ص43.

(16) فقه الإجتماع، ج2 مصدر سابق ص113.

(17) نظرية الثقافة، مصدر سابق، ص155.

(18) Bonferbrenner -U- Ecological system theory In R - Vasta (ed) Annala of Child Derelopment 6 , (1989) , 187 , 251.

(19) فقه الإجتماع، مصدر سابق ص120.

(20) المصدر السابق، ص125.

(21) المصدر السابق، ص128.

(22) المسافة الإجتماعية بين بعض الطلاب السعوديين والجنسيات العربية، عبد الله عبد الرحمن الفيصل،  مجلة العلوم الإجتماعية، المجلد الثالث والعشرون، العدد الثاني، صيف 1990.

(23) فقه الإجتماع، مصدر سابق ص152.

(24) نظرية الثقافة، مصدر سابق ص178.

(25) فقه الإجتماع، مصدر سابق ص104.

(26) فقه الإجتماع، مصدر سابق ص140.

(27) المجتمع المدني، ملاحظات حول تشكل المفهوم وتطوره، كمال عبد اللطيف، المجلة العربية للعلوم الإنسانية العدد 65 ربيع 1996.

المصدر:مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث