الحسيني الشيرازي وامتحان الزمان والمكان...

 

 

علي القطبي

 

 

الكلمات الأخيرة

إذا مت فادفنوني في بيتي , واذا فتح طريق العراق خذوا جسدي إلى كربلاء ..

لقد اشتقت  للصلاة  في حرم جدي الحسين في كربلاء... واني اشعر بروحي تحلق فوق نهري دجلة والفرات.

الكلمات الاخيرة في الايام الأخيرة للعابد الزاهد العارف محمد الحسيني الشيرازي ..

مرت قبل أيام قليلة ذكرى رحيل المجتهد والمفسر والفقيه الكبير .. 

المرجع النجفي المولد , والكربلائي النشأة.. المعروف بالسيد محمد ابن المرجع السيد مهدي الحسيني الشيرازي.. (( رحمهم الله تعالى )) .

طوي الزمان وطوي المكان

لا بأس من مقدمة عابرة يسمح لي بها المستمعون الكرام ربما تنفعنا لإلقاء الضوء على مكانة هذا الفقيه الراحل .

كنا في بداية توجهنا للدراسات الحوزوية الدينية في مقتبل العمر نسمع بمصطلح غريب علينا بعض الشئ ولكنه كان مفهوماً لدينا..المصطلح يقول ( طويت له الأرض ) كان الخطباء يرددونه خصوصاً حول مجئ الإئمة للتكفين والتجهيز والصلاة على آبائهم الإئمة المعصومين (سلام الله عليهم) .

الإمام السجاد ووالده الحسين..

كما حصل بين الامام الحسين الشهيد بكربلاء وبين ولده الامام المعصوم علي بن الحسين (عليه السلام) ..حيث تقول الرواية إن الامام علي بن الحسين زين العابدين خرج من بيت قديم مهدم  بجوار قصر الامارة في بلدة الكوفة إلى كربلاء والمسيرة بينهم ذلك الزمن يوم واحد على الأقل من المسير المتواصل , ولكن الامام قطعها بساعات قليلة ودفن الامام الحسين وأولاده وأنصاره عليهم ( افضل التحيات والتسليم) ورجع من حيث خرج إلى تلك الخربة ..( التي وضعه فيها الطاغية عبيد الله بن زياد مع عماته وأخواته سبايا واسارى) ..

الإمام الجواد والإمام الرضا ..

وحصل بين الامام الرضا وولده الامام محمد الجواد ( عليهما السلام) حادثة غريبة حيث جاء الامام الجواد من مدينة رسول الله (ص) إلى خراسان والمسافة بينهم ربما شهور في ذلك الوقت ..  حيث جهز أبيه وكفنه وصلى عليه وفي ساعات معدودة ورجع إلى مدينة جده رسول الله (ص)..وهذا ما يسمى ( طوي الأرض) حيث لا طائرات نفاثة , أوطائرات بسرعة الصوت ... ولكن هناك قدرة الله تعالى .. يهديها لبعض عباده لا صدفة  و لا جزافاً , بل استحقاقاً من العبد ومعرفة من الله سبحانه وتعالى .

(( اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ))  الأنعام 124

وسمعنا نظرية أخرى لأحد العلماء قال فيها هناك مبدأ آخر يسمى ( طوي الزمن ) ولعلنا قريبين من هذا المعنى  في هذه الآية : 

(( قَالَ الّذِى عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَبِ أَنَا ءَاتِيك بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدّ إِلَيْك طرْفُك فَلَمّا رَءَاهُ مُستَقِراّ عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضلِ رَبى لِيَبْلُوَنى ءَ أَشكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَ مَن شكَرَ فَإِنّمَا يَشكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَن كَفَرَ فَإِنّ رَبى غَنىّ كَرِيم ٌ))  النمل (40)

فهل هو طوي الأرض أم  طوي الزمن أم الإثنان معاً ؟؟

و قال تعالى في كتابه الكريم .

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (1)  الإسراء

واختلف العلماء واحتار العلم أمام هذه  آيات الله العظيمة , ( وفي هذا بحث منفرد بذاته) وينقل عن الامام علي (ع ) حكمة يقول فيها :  الوقت سيف قاطع إن لم تقطعه قطعك .

وشرح أحد الفضلاء الأساتذة هذه  النظرية قائلاً : هل تعتقدون أن رسول الله والأنبياء عليهم افضل الصلاة والسلام .. عاشوا بأوقات عادية كالتي نحياها نحن؟؟

وأن الأئمة المعصومين الذين تركوا آثارا علمية كبيرة وفي نفس الوقت كانوا يقضون وقتاً طويلاً في العبادة وفي سهر اليالي وتربية وتعليم  الطلاب وقضاء حوائج الناس كانت أعمارهم تجري مثل أعمارنا ..؟؟

وكذلك  بعض كبار الشخصيات من علماء الدين ومن علماء الطبيعة أيضاً الذين كانوا يقضون أوقاتاً طويلة في العبادة وقضاء حوائج الناس..؟؟

شاهدنا العديد من العلماء الكبار والمخترعين والمكتشفين وقد تركوا ورائهم من الآثارالعلمية والعملية مما  يجعلنا نستغرب أن أعمار هؤلاء الكبار مثل اعمارنا...

القدرة والتوفيق الالهيين ..

إنها القدرة التكوينية يعطيها الله تعالى من يشاء بقدر وبزمن معلومين عنده وحده جل جلاله وعظمت آلاؤه ..

واحد من هؤلاء العظماء المرجع الكبير الراحل محمد الحسيني الشيرازي(  طاب ثراه)  ما هو العمر الذي احتاجه هذا الإمام المرجع المفكر والباحث الكبير لكتابة ألف ونيف من كتبه ومؤلفاته ومجلداته وكتيباته.

فقط موسوعة الفقه تضمنت مئة وخمسون جزءاً مجلد كبير وكل مجلد يحتوي على ما لايقل عن ثلاثمائة صفحة .. 

الإهتمام والتعاهد بأمر البيئة من وجهة نظر اسلامية !!

وفي مجالات عديدة يحتاج الواحد إلى نصف عمره ليتخصص فيها .

لعل الكثير لا يعلم أن للسيد محمد الشيرازي مجلد ضخم بأكثر من خمسمائة صفحة اسمه  ** فقه البيئة** .. يتحدث فيه عن الحفاظ على نظافة وسلامة الشوارع والانهار والميادين وكل مرافق الحياة باستدلال فقهي علمي بارع وله مجلد في اكثر من خمسمائة صفحة يتحدث بها حول قوانين ** فقه المرور**  من وجهة نظر اسلامية !!

وهذه آفاق كان للفقيد الراحل قصب السبق في البحث بها .. 

كان له مواقف حول المرأة مليئة بالحنان والاحترام والتقدير ولعل علاقته مع أهله وبناته وأصهاره كانت تمثل خلقاً نبوياً تجسد على وجه الأرض في القرن العشرين من هذا الزمن , وكتب في فقه المرأة الآلاف من الصفحات.. وأما حـبـه لسيدة النساء فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) وتقديره لمكانتها فقد بلغ حداً عظيما ..

الإختلاف أمر مشروع ..

مهما قال البعض عن مؤلفات هذا الراحل الكبير ومهما اختلف معه البعض علمياً أو سياسياً , ( والاختلاف والإعتراض حق مشروع لكل انسان) لا يستطيع أياً كان أن يمنعه , خاصة إن كان المختلف ( بكسر اللام)  من أصحاب الشأن والاختصاص ,ولكن لا يستطيع أحد أن ينكرأن هذا الراحل الفقيه قضى عمره في خدمة العلم والانسانية والإسلام والتشيع تقياً ورعاً عابداً .

ولا يستطيع احد ان ينكر ان للراحل مواقفاً سياسياً ومبدأية دفع ضريبتها ثمناً غالياً من حريته وحرية ابنائه وطلابه ووكلائه   المخلصين  وكان بامكانه ان يداهن أو يسكت على الاقل..ترك الدنيا والمناصب التي جائته مسرعة خاضعة بين يديه ويدي أبنائه ومريديه ومحبيه .. لكنه صدع  بآراءه وأفتى بفتاواه فلاقى ما لاقى في حين صمت العديد من أهل الشأن , وما زالوا صامتين ..

أللاعنف ..

وكان رضوان الله عليه من الداعين إلى التعامل السلمي مع الناس  ويكرر من نظريته ( اللاعنف ) فلم يتكلم بكلمة عنيفة تجاه من ظلموه يوماً ,  وغاية ما قاله :  لو شئت أن أكتب مجلداً أذكر فيه الأذى والمضايقات التي تعرضت لها أنا وأولادي وطلابي لكان عندي مجلداً لا يقل عن خمسمائة صفحة .هذا جل ما قاله ..

القدرة العظيمة على التربية والتعليم..

كم من الزمن احتاجه الامام الشيرازي لتربية ستة أولاد ليصبح كل واحد منهم بمستوى عالم ومؤلف فقيه ومجتهد من الطراز الاول .. وماذا احتاج من زمان ومكان  ليساهم بتأسيس المئات أو قل الآلاف من المؤسسات ما بين مساجد وحسينيات ومراكز وجامعات ومعاهد دينية وعلمية وثقافية .. إن كان بيديه الكريمتين أو على أيدي طلابه ومحبيه وبا إسناد وإرشاد منه , وبدعم ما ولو كان بسيطاً ....ولكن للتشجيع والحث على عمل الخير . ألآلاف من طلاب العلم  وكم احتاج من الزمن ليتخرج على يديه الآلاف من طلبة العلوم الدينية..

إننا أمام أرقام خارقة تجبرنا على التوقف قليلاً, والبحث في عالم ما وراء الطبيعة ( الميتافيزيقيا) في شخصيات هؤلاء الأفذاذ .خاصة إذا علمنا أن الامام محمد الشيرازي قضى معظم عمره الشريف مشرداً عن وطنه محاصراً ومظلوما..دعوة صادقة الى محبي العلم والفضيلة لدراسة حياة هذا العالم الزاهد والباحث المتدين  .. جلس في بيته ومدرسته وحسينيته الملاصقة للبيت عشرين عاماً يعلم ويربي ويحث الآخرين ويعطي لهم الجرعات المعنوية الضخمة  ليواصلوا مسيرة العمل والعطاء ويعطيهم الدروس الجميلة بالصبر والأخلاق  والورع  والتقوى

استغلال الوقت

هو الفقيه ابن الفقيه وأبو الفقهاء واخو الفقهاء واستاذ الفقهاء ....

أما تعبت نفسيته ؟؟ أما شعر بالضجر؟؟ أما شعر بالكلل ؟؟ 

اكل هذه العطاءات من رجل قضى معظم حياته في اقامة جبرية ينتقل من واحدة الى الاخرى .

فيصدر منه كل هذا العطاء الخالد .. 

يروي عنه أحد رفاقه القدامى احد طلاب المراحل الدراسية في عمر الشباب يقول :  

كانت عندنا اجازة مدرسية حوزوية فقال بعضنا نذهب خارج كربلاء وقال البعض نذهب إلى البساتين ونهر الفرات نروح عن أنفسنا قليلاً ..فقال الامام محمد الحسيني الشيرازي  أنا باقي  في بيتي , فلما رجعنا من اجازاتنا سألنا الامام كيف قضيت إجازتك قال أنا قضيت إجازتي بتأليف كتاب كامل ... فأينا أفضل قضى إجازته  ؟؟؟ هذاالكتاب سيبقى ثوابه وذكره الحسن الجميل ... ليست اإجازة والترويح عن النفس بأمر معيب ولا حرام ولكنها النفوس الكبيرة ...

الحلم الأخير

إلا من واحدة إنك أردت أن ترقد رقدتك الأبدية عند جدك وحبيبك ومعشوقكم الحسيين الشهيد فهل يقدر مريدوك على إرجاعك إلى تلك التربة الطاهرة التي ترعرعرت فيها...  هل يرجع جسدك الطاهر  إلى كربلاء العراق  لتغفوا على سدير مياه الفرات ...

ولننشد عند قبرك ما قاله الشاعر فائـق حمزة الربيعي  في السنوية الاولى لرحيلك في مدينة مالموا - السويد:

أذن الفجر فأعـطـاك النقاء      وانحنى الكون لذكراك البقاء

أنت بحر لايقيده القصيد     وعطاؤ لا يجاريه الـفـضـاء

لست أبكيك ولكن طبع دمي        ساخنات في الرزايا كربلاء

فزت والله بخيـر وجنان       ومع الفـوز لا يصح البكاء

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:مركز النور