الدولة والحرية في الفكر السياسي للإمام الشيرازي رحمة الله عليه

 

 

الدولة:

اندفع مفهوم الدولة بالتنقل عبر عدة مراحل تأسيسية من تحديد وتوضيح للمفهوم، وتلازم هذا التنقل مع تطور الوعي الاجتماعي والسياسي للمجتمع حيث انعكس نتاج الصراع الاجتماعي والاقتصادي بإعطاء المفهوم الملامح والهوية، وتباينت طرق رسم حدود مفهوم الدولة بسبب تعدد الرؤى والأفكار، ولكن في الوقت الحاضر تغيرت المفاهيم ونضجت التصورات فنجد أن المفهوم الحديث للدولة وهو الذي قامت على أساسه الدولة الحديثة في الغرب، وكما حققه الفقه الدستوري الحديث، وعلم السياسة هو أن (الدولة): شعب - أو أمة - ينظم أمرهم حكم، يخضعهم هذا الحكم جميعاً إلى أحكام قانونية واحدة لا تمايز فيها(10)، أما الفكر السياسي الإسلامي فما زال ينتظر المزيد من البحث والدراسة بعد أن أخذت تساؤلات الواقع السياسي تضغط باتجاه التركيز على بناء أرضية من التأسيس والتنظير بحيث يتجاوز هذا الفكر عقدة الماضي من تداخل المفاهيم في أغلب الجوانب التي ترفد نظرية الدولة في الفكر السياسي الإسلامي حيث نلاحظ مدى انعكاس المدلول اللغوي للدولة على تحققها الاجتماعي والسياسي في الواقع الإسلامي، فمن الصعوبة أن نجد وضوحاً مصطلح الدولة ضمن مفردات الفكر السياسي الإسلامي ونظريته في الحكم وإنشاء الدولة، لا بل نجد أن مفهوم السلطة هو الواضح في الفكر السياسي الإسلامي فالسلطة تعني القوة والغلبة ولكننا نجد تصوراً آخر للدولة في الفكر السياسي الإسلامي هو أنها صورة الفعل والانتقال من حال إلى حال فهي شكل للتعاقب وعدم الاستقرار وعلى ضوء المدلولات نستطيع أن نكشف جذور الانقطاع، التوقف، الانتظار، الذي اكتنف مسار الفكر السياسي الإسلامي، فإن هذا الفكر لم يطرق أبواب عدة موضوعات أخرى مثل الأرض، الحرية السياسية ومن هذه الإشكاليات ينطلق الإمام الشيرازي في وضع قاعدة فكرية –سياسية تنمي مفهوم الدولة ومعرفته، وأي تساؤل عنها يعني بالضرورة تساؤلاً عن الأصل والهدف (12).

أكد الإمام الشيرازي على أهمية الوعي السياسي والتنظيم حيث يجد فيهما الرافد الضروري في الوصول إلى تكوين الدولة، فهو يشدد على العمل الثقافي المنتج للوعي السياسي فكيف تؤسس دولة والمجتمع يعاني من فقر ثقافي- سياسي، فلا بد أولاً من تثقيف ملايين الناس تثقيفاً جماعياً بالثقافة الإسلامية وتوليد حالة من التنافس فيما بينهم، كذلك فإن الإمام الشيرازي لا يتوقف عند إشكالية مفهوم الدولة بل نراه يركز على دور الدولة في المجتمع وكيفية القيام بهذا الدور، ويجد أن هدف التنمية أساسي في وظيفة أي دولة، فعليها حفظ الأمة من الانهيار وإنماءها في مختلف الميادين، لهذا فهو يسعى إلى تكثيف التفاعل الفكري - السياسي الداعم لحركة الوعي السياسي، فعندما يكون وعي الإنسان ونشاطه الفكري في قمة نضوجه، تتكشف العوامل الموضوعية لبروز الأطروحة السياسية التي تتولى قيام الدولة.

لقد أبرز الإمام الشيرازي طريقة الحكم وليس نوعيته والاستغراق في شكل الحكم، أي إنه انتبه أكثر للمضمون ومدى قدرة هذا المضمون على خدمة المجتمع وفقاً لمعيار الإسلام، لأن الإمام الشيرازي شخّص افتراق الجانب النظري عن التطبيق العملي لذا لم يصعد الفقه النظري عند كلتا الطائفتين (الشيعة والسنة) إلى الفقه العملي، كما صعد في زمان الرسول (ص) (8).

إن إظهار الهدف التنموي كغاية للدولة عند الإمام الشيرازي مرتبط بطرحه نظرية (شورى المراجع) كأسلوب لإدارة الدولة وتشكيل هيكلها الذي هو من الأمور الاجتماعية التي تخص الاجتماع السياسي الإسلامي المعاصر وكل هذا يرتبط بحالة التغييرات التي تحصل في المجتمع من فكر وسياسة، وأيضاً تأثير مسألة الزمان والمكان على بنية الفكر السياسي الإسلامي، لهذا يستطيع الهدف التنموي الذي يجعله الإمام مطلباً مهماً من خلال نظرية الشورى التي تعطي ضمان السعة في تشكيل الآراء والمفاهيم السياسية والاقتصادية والاجتماعية أي إنها ضد احتكار المجال السياسي ومانعة لنمو الاستبداد، فهي كفالة للحريات داخل المجتمع، فمفهوم الدولة في الفكر السياسي للإمام الشيرازي هو الممارسة الاجتماعية السياسية للدولة، فهو يُنظّر لهذه الممارسة. فالدولة في الإسلام مبينة على أمور منها العدل والإحسان(13)، إذن كل تفكير حول الدولة يدور على محاور ثلاثة: الهدف، التطور، الوظيفة، التي تحدد سمات الدولة بها، لذا لم يتحول السؤال عن ماهية الدولة إلى هدفها في واقع الأمر، فالدولة تنظيم اجتماعي فهي اصطناعية وإذا كانت في خدمة الفرد لكي تحقق غايته فهي مقبولة وشرعية(12)، إنها وسيلة تستخدم لتأمين التطور الاجتماعي والاقتصادي حتى يبرر وجودها، حيث تقوم بخدمة الفرد وتوفير مستلزمات انطلاق كفاءته التي تصب في صالح المجتمع الذي يمتلك الأهلية في اختيار سلطه الشعب، وأن الحكومة امتداد لذلك الشعب، تعمل على خدمته وتحقيق تطوره(1)، وهي الحاضنة لكفاءات أفراد المجتمع التي تمثل خزيناً لملء فراغات العمل الاجتماعي والسياسي.

لقد جاهد الإمام الشيرازي من أجل دفع الأمة إلى امتلاك حقها في إخراج قرارها السياسي ضمن مسيرتها السياسية وهذا متاح في مرتكزات نظرية الشورى التي هي من النصوص المكونة للنظام الإسلامي والشورى نص على الإقرار للأمة المستخلفة بحقها في المشاركة العامة في شؤون الحكم، بل إن ذلك من واجباتها الشرعية إذ الشورى علم على دولة الإسلام وأمة الإسلام(9)، لقد ولّدت ممارسات القهر السياسي جفاءً بين أفراد الأمة في الدخول في المشاركة السياسية بسبب ارتباط ذهنية هذه الأمة بنتائج ذلك القهر السياسي وما أثمرت عنه من قيود معنوية ونفسية تمنع الأمة من طرح رؤيتها السياسية النابعة من واقعها لهذا نلاحظ أن الإمام الشيرازي حاول استيعاب إشكالية تلك القيود التي تصد الأمة عن استعادة إرادتها السياسية فاشترط لإنشاء الدولة شروطاً تكفل الضمان الاجتماعية للمجتمع منها التوزيع المتساوي للثروات بين المسلمين، البساطة الشاملة، تيسير شؤون العامة، الرفق في الجباية، إضافة إلى التسهيلات التي يحتاج إليها المجتمع، إن الدولة الطبيعية تخدم المجتمع بقدر ما يخدم المجتمع الفرد العاقل: تنظيم التعاون، تمهيد طرق السعي، تشجع الكسب وطلب العلم، المطلوب منها بالأساس الحفاظ على الأمن في الداخل والسلم في الخارج، أي ردع العنف اللامعقول ما دام له أثر على البشر وهذا المهمة ليست مهمة نظرية، وإنما هي مهمة عملية لا يمكن القيام بها على وجهها الصحيح من دون امتلاك لوسائل تنفيذها على من يتعدى عليها أو يهم بالتعدي(10)يشترط الإمام الشيرازي لنجاح العمل التغيري أو النهضة أو الوصول إلى تأسيس الدولة الإسلامية، توفر وحدة العامل الذاتي والعامل الموضوعي أو وحدة الظروف الذاتية (للنهضة لا للفرد) مع الظروف الموضوعية. وتتجلى صورة هذه الوحدة باستثمار ديناميكية العامل التاريخي المكون لخيارات المجتمع في عملية التغير وهذا المعيار ليس مقدراً ثابتاً ولا يمكن تحديده مسبقاً، وهو يبرز من جديد في كل مرة، في سياق تصاعد الأداء وتطور وضعية البلاد الإسلامية الحالية، إن التغير بحسب ما يقرره الإمام الشيرازي والذي هدفه (الدولة) عملية إبداعية يمكن أن تحدث فيها هفوات وإخفاقات، لهذا فمهمة الفكر السياسي تجبير تلك الهفوات والأخطاء لصالح النهضة الإسلامية ضمن رؤى الإسلام وتخطيطاته وقواعده الإرتكازية(1)، إن دراسة المجتمع وظواهره يمهد الطريق إلى مقاربة إشكاليات ذلك المجتمع، وما الدولة إلا ظاهرة من ظواهر الاجتماع الطبيعي، تولدت حسب قانون طبيعي. فحكمها إذن مندرج تحت حكم المجتمع العام وهذا يعود بالدرجة الأولى إلى حنكة القيادة السياسية العليا (وهي شورى الفقهاء) التي يفترض فيها قيادة العمل التغيري أولاً، ثم قيادة التطور النهضوي ثانياً، ومدى حرصها على تطبيق مقولات نظريتها في التنمية والنهضة وعلاقاتها الخارجية (1).

لقد أرفد الإمام الشيرازي نظرية الشورى مساحات منفتحة من التنظير الفكري والسياسي لكي تساهم بإنتاج آفاق متكثرة ضمن أطرحة الفكر السياسي الإسلامي لا تغفل حركة الواقع وتحدياته الضاغطة على مسارات المجتمع لذلك فلقد أجمل الإمام الشيرازي هذه المفاهيم في العديد من الصياغات نلاحظها في مواضع كثيرة من مؤلفاته، كقوله:( من الضروري على القائمين بالحركة الذين يريدون الوصول إلى حكومة إسلامية عالمية ملاحظة أن الحكم هدم وبناء هدم لما سلف وبناء الحكومة الإسلامية) وإذا كان الهدم والبناء يتكون من مائة عنصر فواحد للهدم وتسعة وتسعون للبناء فمن الضروري ملاحظة أن البناء يحتاج إلى أفراد يقومون بملء الفراغ الذي سببه ذهاب الأنظمة السابقة، فالأنظمة السابقة لابد أن تكون لها تشكلات وأسس وأفراد وكوادر ومؤسسات وما أشبه، فإذا فرغ البلد من تلك المؤسسات فلا بد أن تقوم مقامها مؤسسات أخرى تملأ الفراغات التي حدثت بسبب سقوط الأنظمة البائدة(1)، ويميل فكر الإمام الشيرازي السياسي عن الدولة إلى تجليات هذه الدولة في تسيرها لخدمة المجتمع وعدم الإخلال بوظيفة هذه الخدمات فالإمام الشيرازي يوحي للقائمين بالحركة أن يمهدوا لذلك بأمرين:

1- أن يهتموا بتربية الأفراد كحكومة كاملة يشكلون حكومة ظل تتمكن إذا ذهبت الحكومات السابقة من ملء الفراغ في المراكز والقيادات.

2- أن يستقطبوا الظاهرة السابقة المحيدة في الحكم السابق والأفراد الذين لم يكونوا أعضاء في الحركة حتى يشغل الفراغ، ولا يسبب الفراغ سوء نظر الناس إلى الحكم الجديد(1)، هكذا يؤصل الإمام الشيرازي مفردات فكره السياسي ومنها (الدولة) باستناده على قدرات وعيه الإجتماعي وإحاطته بالتبدلات التي يمر بها المجتمع التي تمنحه قصب السبق في تعيين وتشخيص مكامن الخلل السياسي الذي يعتري مقومات النهوض السياسي للمجتمع حيث يطالب بالمواكبة واستيعاب التطورات الحاصلة في مقومات العمل النهضوي، إن كل فئة وكل شريحة في المجتمع لا تستطيع أن تواكب أخلاقيات النهضة وفكرها السياسي، لابد أن تضمحل وتتلاشى بسبب أن هذه النهضة هي نهضة مستمرة وبإستمراريتها كفيلة بمنحها بعدها الأفقي، كما تمنحها بعدها العمودي(1)، لقد أسس الإسلام الدولة ضمن معيارية شرعية وقيمة تهدف من خلالها الدولة إلى بناء المجتمع وزيادة تراكم خبرته الاجتماعية والسياسية بحيث لا تتقمص الدولة القيمة إلا إذا انغمست في المجتمع وخدمت أغراض الفرد العاقل، عندئذ تصبح دولة أخلاقية وتحتل مكاناً ولو ثانوياً في منظومة الحق والخير(12)، هكذا يشيد الإمام الشيرازي رؤيته إلى الدولة ناظراً إلى فاعلية هذه الدولة ضمن الواقع وينطلق من المجتمع إلى المفهوم ليقرىء مفهوم الدولة من خلال متطلبات المجتمع وأسباب اندثار حركته السياسية وانخفاض مستوى وعيه السياسي، ولا ينشغل بتنظيرات مفهوم (الدولة) بل أن يتطابق مصاديق هذا المفهوم مع هموم المجتمع والسعي لرفع مظلوميته.

الحرية:

يتميز الإمام الشيرازي في تأكيده على مسألة الحرية وأصالتها وجعلها المرتكز الأساسي لانطلاق مفاهيمه وبناء أنساق فكره السياسي، فالحرية هي الاصل في الإنسان، أي أن الإنسان مفطور بطبعه وتكوينه وتأسيسه على (الحرية) فهي ليست هبة أو مكسباً أو مغنماً وإنما هي (ضرورة)(1)، فالإمام الشيرازي لا يترك الحرية بدون أنظمة تديم إستمراريتها، ولكنه كما أوجب فتح باب الحريات وإيجاد شروطها وتوفير شرائطها، من ناحية.. نجده يحددها بحدود الصلاح والحكمة من ناحية أخرى.. وهذا شأن القيادة الصحيحة للفرد والجماعة(14)، بل إن الإمام الشيرازي لم يكتف بالتنظير الفكري لمسألة الحرية، وإنما استنطق أغلب النصوص التي تضمن الحرية وسلامتها في المجتمع حيث يشير إن الإسلام وقف من الحريات موقف المدافع المحامي، حتى إن كل جمود وقصور في نظر الإسلام محظور و كل تعدي وتجاوز حرام.. ومن أراد الزيغ والتحوير فالإسلام له بالمرصاد(14).

يرى الإمام الشيرازي أن الحرية في الإسلام تتوفر في المجتمع الإسلامي على النحو الصحيح بشرطين أساسيين:

1- شورى المراجع التي تتأصر مع فكرة أصالة الحرية،بحيث إن التأمل بهذه الأصالة (الحرية) يستطيع قراءة نظرية شورى المراجع بشكل واعي.

2- تعدد الأحزاب فالحريات التي منحها الإسلام للناس تعطي الحق لهم في تكوين الأحزاب لا بالمعنى الغربي، فإنه يلزم أن تكون البلاد الإسلامية في إطار الإسلام (14).

إن الحرية معناها إطلاق تصرف الناس في إطار المعقول، فاللازم جعل إطار للحريات وليس ذلك بمعنى الكبت بل بمعنى أن لا يضر الإنسان نفسه ولا غيره(4)، فالإمام الشيرازي يتخذ من قضية الحرية ركناً أساساً في مشروعه السياسي، حيث إنها حاضرة في جميع منطلقاته الفكرية والسياسية وتكون بذلك هدفاً من ضمن أهداف أطروحته السياسية، ويصل الإمام الشيرازي بمسألة الحرية إلى حد القطع وتصبح علامة فارقة لبقية إطروحات السياسية الإسلامية، لهذا نجده يتبنى وبشكل قاطع مسألة الحرية والاستقلال حرية المسلمين ضمن أطر القوانين المنظمة للعلاقات الاجتماعية والأداء السياسي، واستقلال الدولة في اختياراتها ومنهجها في السيطرة على شؤونها ومجاورتها وعلاقاتها مع دول العالم (1).

لا يخرج الإمام الشيرازي تبنيه لمسألة الحرية عن حدودها الشرعية، وهذا التبني يقع في دائرة المركز الشرعي باعتبار أن الحرية والاستقلال شعاران نابعان من تعاليم العقيدة نفسها وتراث البلاد في مقاومة الاحتلال الأجنبي (1)، ويكتسب هذا التبني عند الإمام الشيرازي عمقه بارتكازه على منطلقات سياسية ممارسة التحاور مع المجتمع وتشكلاته وأيضاً ينطلق هذا التبني من جملة ثوابت نظرية سياسية يمليها الواقع وحسن قراءة الأحداث، وهذه الثوابت تنطلق من اختيارات الشعب والمجتمع السياسي ومتطلبات الموازين السياسية المحلية والعالمية (1).

يتخذ مفهوم الحرية عدة صور فهو مفهوم سياسي واقتصادي وفلسفي وأخلاقي عام ومجد ذو مدلولات متعددة ومتشعبة، ولكن الإسلام يستوعب هذه التعددات لمفهوم الحرية، ونجد مصداق هذا الاستيعاب من خلال التنظير السياسي للنصوص الإسلامية التي نضجها الإمام الشيرازي ويوردها بعبارة: إن الإسلام دين الحرية، بكل معنى الكلمة، والحرية الإسلامية أكثر من الحرية الغربية بكثير، وقد استنبط الفقهاء من الآيات والروايات القاعدة الفقهية المشهورة (الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم) وهذه القاعدة تعطي ألوف الحريات للإنسان فهو حر في أن ينتخب مرجع تقليده، وهو حر في انتخاب إمام جماعته، وهو حر في أن ينتخب قاضيه، وهو حر في أن يسافر ويبني ويزرع ويتاجر، ويكتسب، ويسبق إلى المباحات، ويستملك الأراضي (13).

ويقرر الإمام الشيرازي معارضته لجميع أنواع الاستبداد ومظاهر الدكتاتورية وبسبب هذا التشخيص ولغرض الحصول على الحرية التامة والاستقلال الناجز واستلهاماً لدروس التاريخ، دعا إلى ضرورة تحقيق دولة إسلامية حقيقية وإلى أن يتمتع الناس بروح الوفاء والإخلاص والتفاني من أجل عقيدتهم(1)، ولقد انتصر الإمام الشيرازي للحرية في السؤال الذي واجه الفكر السياسي الإسلامي، أيهما أضمن للأخرى الحرية أم العدالة؟ إن الإمام الشيرازي يلازم تحقيق العدالة بضمان الحرية حيث الحرية في الإسلام هي حرية الواجبات والوقوف عند حدود التكليف الشرعي فهي (تكليف) حسب عبارة الأصوليين، لذلك فالحرية أن نمارس مسؤوليتنا ممارسة إيجابية وان نفعل الواجب طوعاً، بإتيان الأمر واجتناب النهي (13).

إن الحرية لا تكتسب مجالها الحقيقي إلا بالتضامن والتعهد بتنفيذ ذلك التضامن، فالإمام الشيرازي يتكفل بتوفير هذا التعهد المرتكز على قاعدة إسلامية أصلية منبثقة من المركز الشرعي في الفكر السياسي للإمام الشيرازي، ذلك المركز الشرعي الذي يقرر رد العدوان من حيث جاء مع توفير الضمانات الكافية لإنجاح ذلك الرد (1)، لذلك يمكن أن نرجع الموقف السياسي للإمام الشيرازي برمته إلى ذلك المركز الشرعي بما يخدم قضية الحرية والاستقلال (1).

يبقى إن قضية الحرية تمارس من خلال حاجة اجتماعية عن طريق منظومة قوانين ولوائح، تُجمل موازين الحقوق والواجبات ولهذا فهو يؤكد على هذه الأسباب مجتمعة من غير فصل بين الحقوق والواجبات، بمعنى أنه يضع على عاتق السلطة السياسية مسؤولية توفير الأجواء الإيجابية البنّاءة لتطوير أبناء المجتمع المسلم، ومساعدتهم على المزيد من البذل والعطاء عن طريق التحسين المستمر للأداء السياسي نفسه، سواء كان متصلاً بالسلطة السياسية كحكومة أو كمجلس استشاري أو كنشاط اقتصادي أو كمجلس شورى فقهاء، وما إلى ذلك من مؤسسات إدارية تحدد الأزمان جدوى وجودها من عدمها(1)، لذلك فلقد تبلور إن نتاج التحصيل النظري والسياسي ومكابدة الحقيقة قد أوصلت الإمام الشيرازي إلى قناعة سياسية متكاملة تحلل بوعي قاطع خطورة الظلم وما يجلب معه من تدمير وإذلال للحكومات والشعوب الخاضعة له، والسائرة في فلكه هذه الرؤية الدقيقة لأوجه الصراع العالمي بين الحرية والاستقلال من جهة وبين الاستعمار والتبعية من جهة أخرى.

لقد دعا الفكر السياسي للإمام الشيرازي إلى استنباط قاعدة سياسية خطيرة جداً تدعو إلى مناهضة ذلك الاستعمار بمختلف أساليب التوعية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، حتى أنه حارب التبذير الفردي والجماعي وأمر بترشيد الإنفاق لما فيه صالح الشعوب بمعنى تنظيم أمور الاقتصاد لتقوية البلاد الإسلامية كي تستطيع مقاومة إغراءات الدول الأخرى (1).

...................................................

الهوامش:

 (1) دراسات في فكر الإمام الشيرازي، إياد موسى، المسلم الحر، واشنطن (2001).

(2) ملامح النظرية السياسية في فكر الإمام الشيرازي، محمد غالب أيوب، دار المنهل ببيروت (1991).

(3) حوار الدولة والدين، سمير أمين وبرهان غليون، المركز الثقافي العربي، دار البيضاء (1996).

(4) السبيل إلى إنهاض المسلمين، الإمام الشيرازي، مؤسسة الفكر الإسلامي (1994).

(5) ممارسة التغير، الإمام الشيرازي، مؤسسة الفكر الإسلامي للثقافة والإعلام، بيروت (1990).

(6) حوار حول تطبيق الإسلام، الإمام الشيرازي، مؤسسة الوفاء، بيروت (1983).

(7) نحن والديمقراطية، فهمي جدعان، عالم الفكر، العدد(3)، المجلد(29)، يناير/مارس (2001).

(8) الحريات العامة في الدولة الإسلامية، الشيخ راشد الغنوشي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت (1993).

(9) في الاجتماع السياسي الإسلامي، الشيخ محمد مهدي شمس الدين، دار الثقافة طباعة ونشر إيران-قم (1994).

(10) الشورى في الإسلام، الإمام الشيرازي، مؤسسة الفكر الإسلامي، (1990).

(11) مفهوم الدولة،عبد الله العردي، المركز الثقافي العربي، دار البيضاء، (1983).

(12) الصياغة الجديدة، الإمام الشيرازي، مؤسسة الفكر الإسلامي، بيروت (1992).

(13) الحرية الإسلامية، الإمام الشيرازي، دار الفردوس، بيروت (1989).

(14) السياسة، الإمام الشيرازي، دار العلوم، بيروت (1987).

(15) منطق السلطة مدخل إلى فلسفة الأمر، ناصيف نصار، دار الأمواج (1995).

المصدر:مركز الإمام الشيرازي للدراسات و البحوث