مشروع الإمام الشيرازي... خطوات في الوعي والتفعيل

 

محمود الموسوي

 

 

إن العلائم والدلالات التي تثبت أن السيرة الفكرية للإمام الشيرازي، هي مشروع متكامل استوعب أهم المجالات الحياتية التي يحتاجها الإنسان في مسيرته، أوضح من أن يكتب عنها ذلك، لأن مطالعة سريعة جداً على عدد غير مقصود من كتب سماحته، ستثبت للدارس أن هنالك خيطاً جامعاً، وظلاً واحداً، ومقصداً محدداً تسير باتجاهها تلك الأفكار المزدحمة في هذا الكتاب أو ذاك، سواء كان كتاباً علمياً أو اجتماعياً أو سياسياً، فالمسير واحد والاتجاه هو الاتجاه.

ونتاج الإمام الشيرازي الفكري بكله ليس مجرد عمل فكري آني مأسور باللحظة وإملاءاتها، وإن كان هذا العمل يصدر لمعالجة مشكلة آنية ومحدّدة في زمان ومكان ما، إلا أنك تجد الربط واضحاً بين طريقة العرض، ووحدة المكونات الفكرية التي تصنع هذه الفكرة الصغيرة، هي ذاتها التي تصنع تلك الفكرة الكبرى، فعندما يعالج على سبيل المثال قضية قلّة الكتابة عند المسلمين، فإنه ينطلق من الفائدة الشخصية التي تعود على الإنسان الكاتب في الآخرة، مستدلاً بقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية أو كتب علم ينتفع بها أو ولد صالح يدعوا له)، في الوقت ذاته يمر بالرؤية الثاقبة نحو التأثير المجتمعي والسياسي، فيعرض تأثير الكتاب في محاربة اليهود في القضية الفلسطينية، وتحديات الطغاة للكتاب، وحروب المذهبيين للكتاب، فللوهلة الأولى عندما يأخذ القارئ الكتاب الذي عنونه بـ (الكتاب من لوازم الحياة) يظن أنه سيقف أمام فوائد ذاتية وشخصية تعود على الكاتب من قبيل الثواب، وإن بالغ فإنه سيعتقد أنه سيتناول فائدة المجتمع بالكتاب لكي تعم فيه الفائدة، إلا أنه يفاجئ بانطلاق الكاتب إلى أفق أكثر رحابة ليجيرها في خدمة الأهداف الكبرى، وينقل تفكيره إلى مستويات وطموحات عالية.

إننا نجد أنفسنا أمام مشروع فكري منقطع النظير، وإنجاز علمي يعجز عنه الوصف، فهنا لابد أن نقف وقفة تفكير بحجم ذلك المشروع، ونهتم بمقدار أهمية مضامينه، خصوصاً من قبل خريجي هذه المدرسة المباركة التي خرّجت الكثير من الكفاءات العلمية من المجتهدين والعلماء والكتّاب والخطباء والباحثين، تقصد هذه الوقفة أن يأخذ هذا المشروع الفكري الكبير مجراه، بل وحقه في أوسع مساحة للوعي و التفعيل، وبهذا قد تتشكّل مراكز للبحوث ومؤسسات تهتم بذلك، وتستفيد من الذكرى السنوية التي يحتفل بها الكثيرون من مريدي الإمام الشيرازي في مختلف البلدان، لكي لا تتخذ تلك الذكرى مساراً حزيناً وحسب، ولكي لا تقتصر على الجانب العاطفي والاستئناس بما كان عليه الإمام الشيرازي من عظمة في سلوكه.

وإن كان جانب التعاطي العاطفي هو من قبيل الاتعاظ بذلك السلوك، وإهداء للثواب الذي يدخل عليه في قبره، مهماً ومبرراً، إلا أن الجانب العلمي والفكري الذي تركه قد يدخل عليه الكثير من الثواب، كما في نص الحديث النبوي : (..أو كتب علم ينتفع بها..)، فجانب الانتفاع له أهمية كبرى وأساسية ليأخذ ذلك الفكر مداه، وبالتالي المقاصد الكبرى التي تتخلله مداها في العالم الخارجي .

لأن التعاطي مع ذكرى موت العظماء من العلماء، عندما يفتقر إلى التخطيط ويسلّم قياده للارتجالية والعفوية، لن يحقق ما جاء من أجله أولئك العلماء ولن يدفع باتجاه إكمال المسيرة التي آمنوا بها و عملوا من أجلها وكرّسوا كل جهد من أجل تحقيقها و تفعيلها، و لن يكون ذلك التعاطي مهما بلغ من فائدة بالمستوى الدقي و المطلوب.

لقد تعودنا على أن نؤبن علماء الدين من دون النظر الجاد في نتاجهم الفكري، ويغلب على تأبيناتنا طابع الحزن وإحياء الذكرى من أجل عدم نسيان ذلك العالم، وفي المقابل نجد أن الأوساط الفكرية العربية وغيرها عندما تريد إحياء مناسبة لأحد المفكرين، فإنها تعقد الندوات المتخصصة لمناقشة البحوث المتنوعة في نتاج ذلك المفكر، على الرغم من أن في علماء الدين من هم أكثر إنتاجاً وأعمق مقصداً وأنضج فكراً من أولئك، فلم تكن هنالك عادة إحياء الرجل بإحياء علمه وفكره، فكم من عالم نحرير قد طوته ذاكرة النسيان، وكم من مخطوطات ثمينة لعلماء قد أكلتهم دودة الأرض، وأمثلة الاهتمام الفكري كثيرة، منها ما يعقد بمناسبة مرور 100 عام على وفاة عبد الرحمن الكواكبي،فقد عقدت مجموعة ندوات في عدّة بلدان، منها البحرين، يدعى لها جمع من المفكرين المتنوعين، وبرعاية مركز دراسات وبحوث ليتداولوا كتاب يعتبر فريد من نوعه رغم قدمه وهو (طبائع الاستبداد)، وقد أكّد على هذا البعد الباحث الدكتور محمد جابر الأنصاري عندما أرادت إحدى الجهات الرسمية في البحرين أن تكرّمه على نتاجه الفكري الغزير، أبدى استعداده،ولكن على أن يتم التكريم بشكل مختلف، أن تعقد ندوتان لمناقشة النتاج الفكري، ويتم دعوة مفكرين وعلماء من مختلف الأقطار ومختلف التوجهات، فكانت مناقشة جادة أطلّت بالأنصاري على الجمهور بصورة المفكر، وأقبل مجموعة من الناس على قراءة نتاجه لمعرفته، هذا فضلاً عن استفادته شخصياً من هذا التداول.

وفي المقابل أذكر مثالاً من البحرين عن العلامة الشيخ حسين العصفور، وهو أحد مراجع التقليد في المنطقة من قبل مائتي عام، وإلى الآن مازال له مقلدون باعتباره يجيز تقليد الميت ابتداء، فقد كانت للعلامة العصفور دورة فقهية استدلالية متميّزة وقد شهد لها بعض الفضلاء بذلك، ولكن مرت مائتي عام ولم يحرك سكونها أحد، وبقيت ضمن المخطوطات في رف قديم، وفي السنوات الأخيرة حاول جمع من العلماء أن يحققوها ويخرجوها إلى النور، وبالفعل خرج منها سبعة أجزاء بعنوان (الأنوار اللوامع في شرح مفاتيح الشرائع)، وتوقفت بعد ذلك بقية الموسوعة، وهكذا الحال مع كثير من العلماء، وبعضهم كانت لهم رؤية متقدّمة سيستفاد منها في عصرنا الحاضر.

إن أحوج ما نحتاج إليه في تعاملنا مع شخصية عظيمة، تميّزت بغزارة العلم، وسعة في الجهاد كالإمام الشيرازي (رحمه الله) هو أن لا نضيّع الفرصة في إبراز الفكر و علينا أن نفكّر في الأسلوب الأمثل والطريق الأنسب الذي يتفق مع روح وماهية المادة التي نتعامل معها، وإن كانت أساليب وطرق متعددة، فالمهم أن نتعاطى بقدر العطاء، وأن نمارس التعاطي بقدر الإيمان بأهميته.

مبرر الاشتغال الفكري

لقد قال الإمام علي (عليه السلام ) : ( العلم وراثة كريمة )، وقد كان أكبر عطاء لدى الإمام الشيرازي هو تأليف الكتب، التي صبّ فيها علوماً جمة، وهي الامتداد الذي لا ينقطع عن الدنيا بانقطاع عمل الإنسان عنها، وهو الجهد الذي بذله من أجل الصياغة الجديدة لعالم الرفاه والسلام، و من خاصية الإرث أنه ينتقل إلى الآخرين لكي يدفع بالحياة للاستمرار، وهكذا هو العلم بعد موت العالم، فلابد أن ننتحله بعد أن ننقّب فيه ونتداوله لنكتشفه، ونكتشف الرسالة التي أراد الإمام الشيرازي أن يوصلها للأجيال من بعده.

فلقد كتب الإمام الشيرازي أكثر من 1065 كتاباً دوّن فيها مجموعة فكرية هائلة حتى عدّ نادرة في التأليف، ولقد وقف كثير من الباحثين أمام هذا الكم الكبير من الكتب وقفة تعجّب وذهول، حتى بلغ الوصف إلى حدّ أن يطلق عليه بالعمل ( ألإعجازي ) الذي يفوق قدرة البشر العادية، ينقل لنا الكاتب المسيحي أنطوان بارا الذي كانت له ذكريات مع الإمام الشيرازي في الكويت : هذا الإحساس بقوله : ( ولا نكون مغالين لو قلنا أن الجهاد الفكري الذي قام به الراحل كان فوق احتمال البشر، فألف كتاب ونيّف ليست نزهة فكرية على مدى خمسين عاماً،بل معاناة متصلة في الصحو والمنام، فمن لا يعرف صعوبة الكتابة والتأليف لا يعرف حجم ما عاشه الإمام الراحل من مكابدة، فلو جمعنا خمسين مؤلفاً وطلبنا منهم أن يؤلفوا نصف هذه الكتب خلال خمسين سنة لعجزوا عنها، فكيف استطاع العقل الملهم للسيد الشيرازي أن يحيط بكل هذه العلوم والأحكام، أليست هذه العلامة تشير إلى جوهر فكره وروحه الخلاّقة التي أخلصت للرواحنيات وارتقت عن مطامع الدنيا فتمكنت بما نفحه الله تعالى من صفاء رؤية وجلاء نظرة أن تصل إلى ما وصلت إليه من إنجاز فكري قل نظيره لا في عصرنا فحسب بل في كل العصور) أليس هذا الكم الكبير الذي يذهل الكتّاب مبرراً لكي نولي هذا العلم الجم الأهمية البالغة و القصوى!.

تنوّع التعاطي

لقد تناولت الكتب التي ألفها الإمام الشيرازي وسيرته مجموعة من المحاولات و الإشتغالات الفكرية وغيرها من عدد ليس قليلا من المفكرين والعلماء والباحثين، في كتب ومجلات وصحف ومواقع على الإنترنت، ومحاضرات وندوات ومؤتمرات، وقد تنوّع التعاطي مع الإرث العلمي والفكري للإمام الشيرازي.

ومن تلك الأنواع، البعد الذي تناول الكم الهائل من الكتب، وما يثير ذلك الإنجاز من دلالات العظمة، مثل مطبوعة (نادرة التأليف) وهي إحصاء عددي ورصد لعناوين الكتب التي ألفها الإمام الشيرازي، وككتاب (الكتاب في فكر الإمام الشيرازي) للكاتب حسن آل حمادة الذي تناول فيه دراسة بببلوجرافية عن مؤلفات الإمام الشيرازي ورؤيته حول الكتاب والتأليف، وكذلك الدراسة التي كتبتها في كتيب بعنوان (معالم العظمة) دراسة إحصائية في مؤلفات الإمام الشيرازي.

وهنالك دراسات أخرى هي التي تناولت الفكر بشكل تجزيئي، عبر دراسة بعض المفردات في رؤية الإمام الشيرازي، مثل (الأصالة والحداثة في فكر السيد محمد الشيرازي)، لفيصل العوامي، و كتاب (مسائل التجديد) لعبد الله اليوسف، و (الحرية في فكر الإمام الشيرازي) لعادل علي عجيان، و(السيد محمد الشيرازي ونظرية اللاعنف المسالمة) للكاتب د. سعد الإمارة، و (ماذا عن العولمة في فكر الإمام الشيرازي) لراجي أنور هيفا، أو حول قضايا محددة، مثل القضية العراقية والفلسطينية، وفي هذا المجال كتب مختار الهاشمي (القضية العراقية في فكر وكتب الإمام الشيرازي) .

ومن الدراسات ما ألقى الضوء على المواصفات العامة والخصائص المشتركة لفكر الإمام الشيرازي، مثل (السيد محمد الشيرازي ملامح الشخصية وسمات الفكر) للشيخ حسن الصفار، و (الإمام الشيرازي وآفاق الانفتاح المعاصرة) للدكتور ساعد الجابري، و كتاب (الإمام الشيرازي، فكره،منهجه، مواقفه) لعبد الحليم محمد.

وهنالك تعاط آخر سلّط الضوء على شخصية الإمام الشيرازي وسماته، وسيرته، وتاريخه، وعائلته، وهي أشبه بالخواطر والترجمات، والقصص الوعظية المستلهمة من طريقة تعامل الإمام الشيرازي مع من حوله، وذكريات ومشاعر، مثال ذلك، (كذلك كان وكذلك فلنكن) لآية الله السيد مرتضى الشيرازي، و ( وللشمس صور أخرى ) للشيخ علي عبد الرضا، و (محطات من الذاكرة .. لله وللتاريخ) لمحمد تقي باقر، و ( الإمام الشيرازي .. فقيه الزمان وسلطان المفكرين ) لأنطوان بارا.

وكان للبعد الأدبي الشعوري المتمثل في القصة والشعر والخاطرة نصيب في التعاطي مع ذكرى الإمام الشيرازي، وشخصيته وفكره، مثل (كف اليراع) شعر لفريد النمر، و(رحيل أمة) شعر لجاسم الصحيح، و كتاب ( مظلومية رجل ) لجمال حسين آل إبراهيم، وهو عبارة عن مجموعة قصص قصيرة، وغيرها .

ووجه آخر من أوجه التناول الفكري هو دراسة الآثار والإنجازات الواقعية التي حققها الإمام الشيرازي وخطه الفكري في الأشخاص والمجتمعات والحكومات، مثل كتاب (مرجعية الإمام الشيرازي، عمق التحولات وآثار النهضة) لمحمد العليوات، يهتم بدراسة الآثار الثقافية والاجتماعية والسياسية في منطقة الخليج، و (رصد الحركة الفكرية للإمام الشيرازي في البحرين) لحسن الغسرة، و كتاب (معالم مرجعية الإمام الشيرازي في القطيف) لجهاد الخنيزي.

ولقد كان للحوارات والندوات والمؤتمرات دور في تناول المدرسة الفكرية للإمام الشيرازي، مثل الندوة التي عقدت في القطيف بمشاركة الشيخ يوسف المهدي في مسجد الإمام الحسن (ع) في 7/10/1423هـ، ومؤتمر الإمام الشيرازي الأول، والثاني المنعقد في العام 1423هـ و 1424هـ برعاية جمعية الرسالة الإسلامية في البحرين، وبمشاركة العديد من الباحثين والعلماء، والندوة التي شارك فيها الشيخ فيصل العوامي بمنطقة الكويكب بالقطيف تحت عنوان ( المدرسة الشيرازية بين الاستمرار والتوقف ) بمناسبة الذكرى الثانية لرحيل الإمام الشيرازي، وقد كانت هناك حوارت مكتوبة لمجموعة من العلماء، وكذلك انتشرت المهرجانات الخطابية في بلدان كثيرة من العالم احتوت على مجموعة من المحاضرات التي تتناول حياة الإمام الشيرازي.

ومن ضمن الاهتمامات التي كانت بارزة هي عرض كتب الإمام الشيرازي والقراءة فيها في الصحف والمجلات ومواقع الإنترنت للتعريف بها وبمضامينها، مثل ( فقه العولمة) كتب حوله عدة من الكتاب مثل عباس الجمري، وبشير البحراني، وحسن آل حمادة، نشر كل منها على التوالي في صحيفة الوسط البحرانية، ومجلة البصائر الفصلية، ومجلة الكلمة الفصلية، وهكذا بقية الكتب..

خطوات مقترحة

يعتبر الإمام الشيرازي استثناء في خلق المجال التداولي لفكره خصوصاً بعد وفاته، وهذا يرجع للنشاط الذي قام به في تأسيس حركة اجتماعية وسياسية واعية في مناطق كثيرة، خرج منها مجموعة من العلماء والنشطاء والكتاب والخطباء، تحمل كثير منهم مسئولية رد الجميل وتبليغ الرسالة التي آمن بها الإمام الشيرازي، وآمن بها مريدوه، وإننا إذ نثمّن الجهود التي تبذل في هذا المجال ونقر بتميّز كثير منها، خصوصاً تلك التي جاءت على شكل دراسات جادة أو ندوات حوارية ومؤتمرات متخصصة، إلا أننا لابد أن نولي المزيد من التفكير في خطوات جديدة، من أجل تخطّي تجارب السابقين الفاشلة، لكي لا نكررها في تعاطينا مع هذا الفكر الكبير.

وهنا أضع بعض المقترحات في طريق الوعي بمضامين فكر الإمام الشيرازي والمساهمة في تفعيله في زمن متغيّر، وقد ابتنيت هذه المقترحات على أساس النظر للنتاج الفكري وميزاته العامة والجامعة التي تميز بها والدخول من خصائصه التي قد نستنتجها من قراءتنا للفكر، فلم نر بحثاً في سمات النتاج الفكري و خصائصه، كنتاج لا كمضامين، فهناك دراسات ركّزت على السمات الفكرية للإمام الشيرازي، ويقصد بها المقاصد والآراء التي كان يراها، ولكننا هنا نقصد سمات الإنتاج في الكم والأسلوب وما يرتبط بالزمن وغير ذلك، مما كان للظروف تأثير عليها، أو ما شابه ذلك .

ومن تلك المقترحات :

1- لقد كان الإمام الشيرازي يسابق الزمن من أجل أن يخرج ما في وسعه إخراجه من آراء ليخدم بها أكبر عدد ممكن من الناس، وليعالج أكثر عدد ممكن من القضايا، وقد كان هذا السباق على حساب فنيات الأسلوب، لما تقتضيه هذه المادة أولتك، وقد عبر الإمام الشيرازي عن هذه المسألة كما نقل ابنه سماحة السيد مرتضى الشيرازي بقوله بالمعنى، أنني لا أهتم بالأسلوب (التزويق) فهذا أتركه لكم.. أي أن الإمام الشيرازي يريد أن يعطي علماً وفكراً ومضموناً أكثر من اهتمامه بالأسلوب الذي بدوره يأخذ وقتاً من الكاتب وبالتالي سيكون على حساب عدد الأفكار والرؤى، ومن هنا فإن النتاج الفكري للإمام الشيرازي يحتاج إلى إعادة أسلوب، وبالطبع ليس جميع الكتب، بل تلك التي تتسم بالسرعة أو تلك التي كتبت على هيئة نقاط سريعة لحل مشكلة ما ..لأن في بعض كتب الإمام الشيرازي كتباً رصينة وراقية .

2- كثرة التأليف وطول مداه الذي استمر لأكثر من خمسين عاماً، لا شك سبّب في نسيان بعض الكتب القديمة من ذاكرة المجتمع، والتي هي محل ابتلاء أو محل حاجة في عصرنا الحاضر، لأن الإمام الشيرازي كما عرفناه قد تناول الكثير من الأفكار في زمن متقدّم قبل أكثر من ثلاثين عاماً، سبق بها الطروحات الفكرية الأخرى التي جاءت متأخرة عنه، ولكنها محل اهتمام وفائدة، مثل ذلك جدلية الفقيه المثقف التي عالجها في كتاب (المرجعية الإسلامية) عندما كان في كربلاء، وهي جدلية أخذت أقل من عقد من الزمن فقط في تداولها ومازالت، وكذلك كتاب مثل (القواعد الفقهية) الذي كتبه الإمام الشيرازي في كربلاء، باتت الحوزات العلمية الآن بحاجة إلى تدريس هذه المادة العلمية، فقد صدر كتاب جديد بعنوان ( دروس تمهيدية في القواعد الفقهية ) للشيخ باقر الأيرواني، لاقى رواجاً في بعض الحوزات، يذكر فيه مؤلفه قلّة الكتابة في هذا المجال وذكر أن الفقهاء لم يخصصوا بحثاً بهذا العنوان بل يناقشون القواعد الفقهية ضمن مادة الأصول أو الفقه، وقد أشار لمحاولتين متأخرتين، لم تكن محاولة الإمام الشيرازي التي سبقتهم جميعاً من ضمنها، فاستخراج الكتب النوعية التي كتبت قديماً أمر نحن بحاجة إليه، لتدخل نطاق الفائدة العامة والجديدة، ولتكون متواجدة في الأوساط الثقافية والعلمية.

3- تلك السعة التي كانت بها مؤلفات الإمام الشيرازي من الصعب أن يطلع عليها من يريد أن يطلع على ذلك الفكر، كما أنه من الصعب الحصول على ذلك الكم الهائل من الكتب، إما لعائق مادي أو لعدم توفر جميعهاً في زمن متقارب، وعليه فإن هناك ضرورة لتلخيص مجمل فكر الإمام الشيرازي في شتى المجالات والأبعاد بأسلوب غير مخل بالمطلب، لتكون مرجعاً عاماً يمكن لمن أراد الإطلاع عليه أن يكتفي به، خصوصاً للآخر الذي لم يطلع من قبل على فكر الإمام الشيرازي، مع وجود المؤلفات نفسها لمن أراد التوسع .

4- التجارب التي يمكن أن يستلهما المفكرون والعلماء من تجربة الإمام الشيرازي في مسيرة الاجتهاد والتفكير هي في طريقة تعامله مع الواقع من جهة ومع الفكرة من جهة أخرى، ومعرفة مدى ارتباط الفكرة بالواقع، في المؤثرات وتناول الأبعاد والتفريعات وغيرها، فمن البحوث الجديدة التي يمكن أن تقترح في هذا المجال هي دراسة ارتباط الفكرة عند الإمام الشيرازي بالواقع وبالمتغيرات، ودراسة نوعية ذلك الارتباط، ومدى التغيير الذي حدث في الفكرة (إن وجد) وما هي مسبباتها .

5- النظريات لا شك أنها تعبّر عن نفسها، وهكذا عبّرت نظريات الإمام الشيرازي عن نفسها وعن واقعيتها ومصداقيتها في الكثير من الجوانب، إلا أن البحوث المقارنة أو العرض المقارن مع المماثل يعمل على تجلّي النظرية بأفضل صورة، ويتيح المجال للقارئ معرفة مكامن القوة فيها، هنا تنبثق أهمية البحوث المقارنة التي تتناول فكر الإمام الشيرازي مع ما يماثله من نظريات.

6- لقد أسس الإمام الشيرازي مدرسة واسعة عبارة عن ثروة بشرية منتشرة في أرجاء مختلفة من العالم، وهي بذلك وخصوصاً مع مرور الزمن مختلفة في أفهامها بشكل عام، وهذا الباعث، إضافة إلى مؤثرات المنطقة التي يعيش فيها اجتماعياً وسياسياً، سيكوّن اختلافاً في فهم فكر الإمام الشيرازي ومفرداته، ولكي تتقارب المسافة بين الأفهام في المدرسة الواحدة،ينبغي تغذية الجانب التداولي والتركيز على بعد المناقشة والحوار في هذا الفكر.

7- من الملاحظ أن طريقة الإمام الشيرازي عادة هي الكتابة الموسوعية في كثير من الكتب، بحيث يجمع جميع المسائل المتعلقة بموضوع ما ولو كان عبادياً، فإنه ينطلق منه لمعالجة مسألة قانونية أو سياسية أو فكرية، كما في كتاب الطهارة من الموسوعة الفقهية في مبحث (كراهة الوضوء بالماء الذي أسخنته الشمس) ينطلق الإمام الشيرازي ليعالج المسألة في الدولة الإسلامية وكيف يمكن سن قانون يحضر أن تكون خزانات المياه معرضة للشمس، ويعالج المسألة مقارنة بالفكر الاشتراكي ..

وعلى ذلك فهناك العديد من البحوث التي يمكن أن نسميها (ضائعة) أو غائبة في ثنايا الكتب الكبيرة، وعلى الأخص في الموسوعة الفقهية، يمكن أن تستخرج هذه البحوث لتطبع مفردة أو بمعية بحوث مشابهة، استظهاراً لها من أجل أن تعم الفائدة، ولتكتمل بعض البحوث التي بحثها الإمام الشيرازي، ونرى إشارات كثيرة من سماحته بخصوص ذلك عندما يبحث بحثاً معيناً، ويريد التفريع فيه يتوقف فيحيل القارئ لبعض كتبه التي يسميها حيناً ويسكت عنها حيناً آخر، كأن يقول (وقد عالجناه في كتبنا)..وفي الختام .. فنحن أمام نتاج فكري ضخم، وستكون متطلباته في الوعي و التفعيل بمقدار تلك الضخامة، التي ينبغي أن تكثّف فيها البحوث، خصوصاً حول كيفية الاستفادة المثلى من ذلك النتاج، وكيف نقّدمه بصورة مقبولة في الساحة الفكرية والعلمية والاجتماعية.

* باحث من البحرين