"الحرية الإسلامية" كما يراها الإمام الشيرازي (رحمة الله عليه)

 

أحمد البدوي

 

 

منذ أن بدأت البشرية في أفرادها تتلفت إلى مقتنيات الحياة وتحاول أن تجرها إليها، ومنذ أن ركبت أشياء خشت عليها، وعن السقوط، وبدأ التنافس على تسوير ما في الأرض.. للفرد أو لأسرة أو لقلبية أو لولاية أو إمبراطورية، اصطدم الاعتراك داخل المجتمع على أساس واحد، وهو الدخول إلى حدود حريات الآخر.. مهما كان أو التقييد منها.

ومنذ أن عرف مفهوماً الظالم والمظلوم، رافقهما بشدة مفهوم الحرية كونه مناط تشكل الظلم، وعرف على طول التاريخ في شعوبه مفهومان ما زالا الأوفى أهمية في الجدل الفكري، والصراع الإنساني في المطالبة بحقه وهما (الحرية والعبودية).. أو (الحرية والاستعباد).

بل أصبح الشعار الأبرز الذي لابد أن يكون رأسمال الثورات، كما هو في فخامته داخل ثلاثية الثورة الفرنسية (الحرية، الإخاء، المساواة) بل أن مفكري عصر النهضة برزوا لتعقيدهم العلاقة الجدية بين الحاكم والمحكوم والعودة إلى مفهوم الديمقراطية (لاتينيا)، كما في كتابات هوبز وجان جاك روسو وفولتيروكذلك أصبح لافتة مغرية تعرضها الأحزاب المرشحة.

الإمام الشيرازي، تناول المفهوم في المعرفية الإسلامية باسم الحرية الإسلامية ومع أول ولوجه باب الحديث ركز على أس تسالمي غلبه بلفظ (كثيراً) في المتن. ما تصطدم الحريات بعضها مع بعض، وهذا يعود إلى مقدمتها في سنة التنازع، وإشارة من السيد لذلك، وأعطى نتيجة لهذا الاصطدام، ليكون مقدمة إجمالية للكلام عن الحرية قبل التفصيل، حيث إنها كلما وجد ذلك يتبعه الفساد والخبال وإفناء الطاقات وإعدام المؤهلات، شأن كل حركة وامتداد، ومثل لذلك بالطائرة، كمثال للحرية بين حالتين، فلو لم تزود بالأجهزة والآلات لم تطر، وكانت جامدة، وهذا توجيه في سلب الطاقات وخروج الحرية عن يد الإبداع.

يعتبر الإمام الشيرازي أن الإسلام لم يعط الحريات فقط بل هو ممن وقف موقف المدافع المحامي، وأن الحكم لا يكون صحيحاً بدون الحريات ولو قام به فقيه. وأن الفقهاء يماثلونه من نيابة للإمام المعصوم (عليه السلام)، يكون في مرجعيتهم المختارة من الأمة عضوا في الشورى الحاكمة.

وأن الأمور العامة للأمة، كالاقتصاد العام، والحرب والسلم، والسياسة العامة، والاجتماع العام بما يرتبط بكل الأمة فلابد فيها من اجتماعهم وتمشية الأمر بأكثرية الآراء.

ولا فرق ولا اختلال في الفارق للمنتخبين بين مرجع ومرجع كي يكون له الحق ضمن شورى الفقهاء. فمعيار التقليد هي الشرائط الشرعية من العلم، والتقوى، والعدالة، وانتخاب الناس وما أشبه.

ويعالج الإمام الشيرازي قضية موت أحد أعضاء الشورى، وبقاء المنظومة التوجيهية كاملة، بترشيح المراجع الباقين واحدا ممن له الصلاحية الشرعية في سد مكانه، ليكون عوناً في إصدار الأحكام وإدارة الأمة حتى يقلده قطاع من الناس.

ويضع الإمام سؤالا: كيف يرشح الفقهاء أحداً إلى شوراهم وهو غير منتخب من الأمة، أي كيف يحق له أن يكون بينهم وهو ممن لم تنتخبه الأمة. طالما هم كانوا في إطار الانتخاب بوجودهم ضمن الشورى، فيجيب سماحته أنه كما لهم الحق (بأكثرية الآراء) في القوة التشريعية أو كما يسميها السيد (التأطرية) وكذلك التنفيذية والقضائية، كذلك الأمر لهم، مستدلاً بإطلاق أدلة أنهم خلفاء وأمناء أحكام.

كما أنه لا يجب أن يكون الفقهاء في وطن واحد لشوراهم، فيمكن أن يكون عملهم من أقاليم متفقة. ثم يطرح مسألة القضاء، حين النزاع في مورد يختلف في حكمه الفقهاء، فكيف يحكم به، هنا تفريع في إجابة السيد فإن كان القاضي مجتهداً، فلا جدل بالأخذ برأيه، على القول بضرورة كون القاضي مجتهداً أما على القول بكفاية كونه فاضلاً عادلاً، لا مجتهداً فهنا يؤخذ بأكثرية الآراء.

شورى الفقهاء، بأكثرية الآراء أو جميعاً مع مجلس الأمة وهو مجلس ينتخب من الأمة مباشرة لإدارة الأمور بما هم عليه من خبرة دينية ودنيوية، فلمن يكون القول الفصل في مورد الاختلاف التدبيري.

يجيب سماحته على هذا المورد الافتراضي.. باحتمالات ثلاثة:

أولاً: تقديم الفقهاء، مستدلا بكونهم مورد رضى الله سبحانه لعلمهم وعدالتهم وخبرويتهم، ورضى الأمة التي أعطى الشارع بيدها حق الاختيار. فالمجالس مورد تأييد من الفقاء والأمة.

أما الاحتمال الثالث للجواب: فهو الرجوع للأمة في أن تبت بتقديم أي المجلسين.

- التعددية الحزبية

يرى الإمام الشيرازي أن التعددية الحزبية أولتها الشريعة كامل الاهتمام والعناية وجعل لنطاقها ثلاثة أقسام:

1- الأحزاب الإسلامية بمرجعيتها الشرعية لفقهاء الأمة. وهذه الأحزاب تمثل في ذاتها عوناً للمراجع في تطبيق الإسلام وترسيخه على أرض الواقع.

وأناط الإمام الشيرازي بهذه الأحزاب والمراجع انتخاب القوى الثلاث: التشريعية (التأطيرية) والقضائية، والتنفيذية.

أما الفارق الذي يميز الحزب بمفهومه الإسلامي عن مفهومه الغربي هو أن الأول يعمل تحت الغطاء المعرفي الإسلامي، بينما الثاني يعمل حسب الآراء الوضعية، طابقت الشرع أم لم تطابق.

يطرق الإمام الشيرازي مسألة مستحدثة جاء بها العصر فيما أفرزته الحضارة المادية، أو الضرورة في نظم المجتمع المدني، من قبيل الشوارع والمؤسسات التي يرغب في إنشائها لكنها تتعارض مع وقف أو ملك.. ففي هذا التزاحم لمن يكون التقديم.

فمع تقديم ضرورة البناء الحضاري ومعالم المدينة.. ينهار حق شرعي في الوقف وأملاك الناس فهناك قانون إسلامي مثلاً يقول (الوقوف على حسب ما وقفها أهلها) وكذلك في شأن الملك أنه (لا يحل مال امرء إلا بطيب نفسه) وإن قدم الملك والوقف لم يكن النظام الذي أصبح حاجة ملحة يحمل كثيراً من الأولويات. ويحاول الإمام الشيرازي أن يحل هذه الإشكالية من منطق الأهم والمهم. وكذلك قاعدة لا ضرر ولا ضرار وقواعد فقهية أخرى وأدلة شرعية علياً، من قبيل حفظ النظام وترجيح حاجة المجتمع على الفرد.

ويرى الإمام الشيرازي.. أنه على الأحزاب الوطنية (الصنف الثاني) أن لا تخرج عن قانون الإسلام في تحركاتها.. لا في برامج العمل ولا في الأهداف أما الأحزاب الأخرى للأقليات (كالمسيحية واليهودية) ونحوهما، فإنه لهم الحق في أن يعيشوا تحت ظل الإسلام في كامل الحرية والرفاه بشرط ألا يخرجوا عن قوانين البلاد.

أما وجه الاحتياج إلى تكوين الأحزاب الإسلامية، كما يرى سماحته، (هو أن الحزب مدرسة تهيئة الأفراد الصالحين لإدارة البلاد سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، وبدون التهيئة الطويلة لا يصلح إنسان إلا إذا كان معصوماً، مهما كان موثقاً رأى مختلف العلوم، وحصل على مختلف الشهادات العليا.

ويرى سماحته أن أزمة انهيار العالم الثالث هو خصوصية (عدم الخبروية) للقائمين بأزمة البلاد، فمثلاً رجال الانقلاب طالما كانوا يؤخذون من الشارع من غير أن يكون لهم باع في الأمر فيفسدون ويفسدون.

كذلك يذهب إلى تحليل يبرر علمية وجدوائية وشرعية الحزب.. مستخدماً آليات علم النفس والاجتماع، فبما أن (ثلث المجتمع في الغالب شباب من بنين وبنات، وحيث أن الشاب له طاقة يريد إبداءها، كما له حاجات يريد سدها، وعليه واجبات يلزم أن يقوم بها فبدون تجميعهم في وحدات تصرف طاقاتهم في الصالح، وتعطي حاجاتهم وتوجههم نحو واجباتهم. يتجهون إلى الأحزاب الشرقية والغربية).

فلذلك هناك واجب شرعي في توجيه جمعهم قبل أن نسدل الثوب على دورنا، فنكون بتقصيرنا.. أودينا بهم إلى الفساد والإفساد ويرى الإمام الشيرازي: أن رجال الدين إذا أرادوا.. الأخذ بزمام الأمور لابد من التوجه لاكتساب الرأي العام بما له من قوة ضاغطة.

لكن ذلك لا يكون إلاّ بأمور أربعة منها:

- أولاً: إصدار سلسلة كبيرة من الكتب (بمئات الملايين).. وداعي ذلك كما يرى كون الأمور تبدأ بالوعي.. وبدونه لا يتقدم شيء، ولابد أن تكون لها أفقا للمرجعية، والأحزاب الحرة والحريات الإسلامية، والأخوة الإسلامية والاكتفاء الذاتي، والأمة الواحدة بدون حدود جغرافية بين بلدان الإسلام.

كذلك يركز على أسس في هذه التوعية.. وهي أطر المهمة التنظيمية من أفراد الأمة، بربط المنظمات بعضها ببعض في مؤتمرات، ويصفه بوصف تكويني يشي بالإقناع فهو يقول: (كماء السماء ينزل قطرات فتتجمع في عيون صغار ثم تتجمع تلك العيون في أنهر صغار، وتتجمع تلك الأنهر في أنهر كبار حتى تكون بحراً.

- ثانياً: أخلاق رجال الدين: فالنفس الإنسانية وشعوبها تنجذب قبل كل شيء إلى سمة الخلق.. في الخطوط الثورية.. والوجهة التعبوية.. سيما مع رجال الدين.

- ثالثاً: دأب رجال الدين على سد حوائج الناس المعنوية والمادية بتأسيس المؤسسات الاقتصادية، والاجتماعية والفكرية، والثقافية، والتربوية، وغيرها..

فلابد من إنشاء المدارس، والمعاهد والبنوك، والمستشفيات والمطابع والمعامل، كي تثق بهم الأمة.

- رابعاً: دخول رجال الدين إلى خضم الحياة. لأنه الخطوة الأهم التي كان يخطوها رجال الدين إبان الحكم الإسلامي. فيكون هناك مهندس رجل دين، وطبيب رجل دين، وكذلك فيزيائي وكيميائي فتعلوا وتبين حقيقة الدين ورجاله.. وإلا يؤخذ على رجاله مع عدم ذلك صفة الخمول والتواكل.. والميل إلى أمور لا تثمر للأمة في شيء تدخل كلها في إطار الكسل والتخلي عن المسؤولية.

كذلك من آفاق سماحته أنه يرى من اللازم إعطاء العلماء والحكام، والأثرياء، وأعوان السلطات، شعاراً مع وصولهم للحكم (وصول الإسلاميين) وهو: خذ العفو، واذهبوا أنتم الطلقاء فلا تؤخذ أموالهم، ولا يحاكمون بما عملوا سابقاً، ولا يحرمون من أي حق، بل لو شاء الناس انتخبوهم حسب الشروط الشرعية.

فالرسول (صلى الله عليه وآله) لم يصادر مال ثري، ولا قتل عالماً واحداً، ونصب جملة من الرؤساء كما كانوا.. وهذا إن يفضي إلى شيء فهو يفضي إلى ترسيخ حب عميق في قلوب، حتى الأعداء. وكذلك قلة المقاومة، واطمئنان الناس بالعدالة الإسلامية. فالله يأمر بالعدل والإحسان (إن الله يأمر بالعدل والإحسان). ومع القتل والمصادرة والبطش، يكون الأمر معكوساً.

وينهي الكلام بأن الناس يلتفون حول (أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) و (خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين) و (فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك) و (اليوم يوم المرحمة، اليوم تحفظ الحرمة) و (اذهبوا أنتم الطلقاء) و (إنك لعلى خلق عظيم).

المصدر: 14masom