ثقافة حقوق الإنسان والشرائع الدولية

 

بريهان الجاف

 

نحن نعيش في هذا العالم مع بقية البشر الآخرين، نتقاسم معهم واجبات وحقوقاً تتعلق بمصير الانسان واستمرار بقائه واحترام كيانه ولا يمكن لأي مجتمع ان يعيش في معزل عن البقية من دون ان يرتبط بعلاقات إنسانية هدفها الأمن والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والقانوني الذي يوفر من بعد الرخاء والاحترام المتبادل في مجال خدمة الانسان وحقوقه الأساسية.

إذن نحن نعيش في عصر العولمة الذي له   التأثير الكبير على كيان أي مجتمع او اية دولة و بالتالي سيكون له الاثر الأكبر علي مسألة حقوق الانسان في جميع بلاد العالم لاشك ان تاريخ العولمة لم يبدأ كما يتخيل البعض فقط منذ سنوات قصيرة وإنما موضوع العولمة من الناحية الاقتصادية كما يراه الكثير من الباحثين تعود جذوره الى رحلات الكشف الأوروبي في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي و بروز الرأسمالية في أوروبا الغربية بينما عولمة حقوق الانسان بدأت منذ نهاية الحرب العالمية الأولي و منذ ان قام المجتمع الدولي بإنشاء عصبة الأمم وبعد ان تطورت فكرة التقارب العالمي أو الدولي، إذ قام المجتمع الدولي بإنشاء منظمة الأمم المتحدة ومن ثم جاءت القوانين والاتفاقيات الدولية في مجالات الطيران والبحار والفضاء والتجارة الدولية والعلوم والثقافة وخصوصا في مجال حقوق الانسان, وبالتالي فان اغلب دول العالم قد انضمت إلي الأمم المتحدة وهي من ثم ارتبطت ارتباطاً عضوياً بما جاء في ميثاقها وخصوصا في ما يتعلق بمسألة حقوق الانسان حيث يقول الميثاق: (ان الدول إذ تنضم إلى الأمم المتحدة تتعهد بان تتخد جميع الإجراءات الضرورية سواء كانت مشتركة مع الأعضاء أم منفردة و بالتعاون مع الأمم المتحدة لتعزيز الاحترام الدولي لحقوق الانسان و أيضا العمل على تنفيدها واحترام الحقوق والحريات الأساسية من دون تميز وتفريق بين الأجناس أو اللغات او الأديان) هدا التعهد من الدول ليس تعهداً شكلياً أو تعهد مجاملة دولية وإنما تعهد ينطوي على التزام قانوني يلزم الدول والاطراف أو الأعضاء بان تكون قوانينها وتطبيقاتها في ظل المبادئ المتعارف عليها من المجتمع الدولي أي بمعني أكثر وضوح هو ان أجهزتها أو سلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية يجب ان تخضع للمبادئ الأساسية وان تدخلها في قوانينها الداخلية وان تقوم بتطبيق هذه القوانين أمام محاكمها واحترام ذلك من السلطة التنفيذية هنا يمكننا القول بان حقوق الانسان تعتبر اكبر تراث إنساني مشترك للإنسانية جاء مع ظهوره كل الديانات السماوية الثلاث الإسلام والمسيحية واليهودية وايضا جاء هذا التراث الإنساني لحقوق الانسان كنتيجة طبيعية لظهور مبادئ الفلسفات والتطور الفكري للإنسان والرقي في الميادين الاجتماعية و الثقافية والسياسية والاقتصادية وغيرها فالوثائق المختلفة والمتعلقة بحقوق الانسان وبما فيها ميثاق الأمم المتحدة  والإعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر في العاشر من ديسمبر 1948 و عهدي حقوق الانسان اللذين تم إقرارهما سنة 1966 و3 يناير 1976 والخاصين بالحقوق السياسية والمدنية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبرتوكولات الاختيارية الملحقة بالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الأول بتاريخ 16 ديسمبر 1966 والثاني بتاريخ 11 يوليو 1991 ما هم إلا دليل علي التطور البشري في مجال حقوق الانسان. لقد قطع المجتمع الدولي شوطا كبيرا في مجال حقوق الانسان وفي عدة مواضيع ذات أهمية كبري في حياة الأفراد والمجموعات مثل الحقوق الأساسية المتمثلة في حق تقرير المصير الذي تم إقراره بتاريخ 1 ديسمبر 1966 وفي حماية الأفراد ومنع التميز العنصري وحماية ألأقليات الذي تم إقراره بتاريخ 2 نوفمبر 1963 و2 نوفمبر 1978 كذلك حق الحماية من التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية او اللانسانية او المهينة والذي تم إقراره بتاريخ 26 يونيو 1987 و18 ديسمبر 1982 و 18 ديسمبر 1992, كذلك أصر المجتمع الدولي بإقراره في مجال حقوق الانسان و العدالة الي إقامة مبادئ العدل أي مبادئ التقاضي وحرية المحاكة العادلة حيث تم إقرار ذلك بتاريخ 17 ديسمبر 1979 وعام 1990 وعام 1989 وعام 1985 واخيراً عام 2000.

ولم يكتف المجتمع الدولي بإقرار اتفاقيات و مبادئ لحقوق الانسان بل انه قام بعمل مهم و جبار بإقراره مبدأ العقاب لمخالفي أو منتهكي حقوق الانسان، حيث اهتم المجتمع الدولي منذ الحرب العالمية الثانية بالقضاء الجنائي الدولي وذلك  بمحاكمة مجرمي الحرب أمام محكمة نورنبيرج ومحكمة طوكيو ولكن المجتمع الدولي الحديث لم يكتف بذلك بل رأى ان الأمر يجب ان يتعدى ذلك حيث تم   الاهتمام بإنشاء القضاء الجنائي الدولي فتم إنشاء المحاكم الجنائية الدولية لمحاكمة المجرمين في أحداث رواندا وبروندي كذلك محاكمة المجرمين في الحرب في يوغسلافيا السابقة وما نشاهده اليوم من محاكمات جنائية تمس مبادئ حقوق الإنسان في العراق، فاذا كانت الاتفاقيات والعهود الدولية تشكل العصب الأساسي فيما يخدم حقوق الانسان في جميع بقاع الأرض فان هذا لا يتأتى إلا مع وجود قواعد قانونية أي نظام قانوني تشريعي يكفل هذه الحقوق وليس فقط ان تكون هناك تشريعات تنص صراحة على هذه الحقوق وإنما الأهم من ذلك توفر الأدوات الأساسية لتطبيق نصوص القانون في هذا المجال ومن ثم يجب ان يقترن التشريع الأساسي لحقوق الانسان بحماية دستورية لا يجوز   للسلطة التنفيذية والتشريعية انتهاكها كما يجب ان تكون هناك سلطة قضائية تتمتع   بالانفصال والاستقلالية التامين عن بقية السلطات وحيث ان حقوق الانسان و الحريات الأساسية هي في واقع الأمر أغلى القيم المرتبطة بشخص الانسان والجماعة فقد كان من المهم والمؤكد ان يكون مكانها الطبيعي في صلب الدساتير وهو في واقع الأمر ما درجت أو تعارفت عليه النظم السياسية سواء في الديمقراطيات الغربية او حتى في دول الفكر الجماعي في الدول الشرقية سابقا ومن هنا نشأ مبدأ أساسي في القانون يسمي مبدأ المشروعية وهو يعني بان تصرفات سائر السلطات الحكومية بما فيها السلطة القضائية والتنفيذية والتشريعيـة ملزمـة بإطـار قانونـي دستوري محدد لها سلفا بحيث لا تسبغ عليها صفة الشرعية إذا خرجت عن هذا المبدأ المنصوص عليه في الدستور ويرتكز المبدأ علي إقامة نوع من الترابط بين القواعد القانونية العليا و الدنيا بحث تدور الأخيرة في فلك الأولى من دون ان يؤثر ذلك على قدرة الجماعة في تغير بعض النصوص وتطويرها نحو الأفضل.

نخلص من ذلك.. الى ان الدستور يعتبر هو الفيصل الوحيد لتحديد المبادئ  الأساسية لدولة القانون في مجال حقوق الانسان والحريات الشخصية والعامة وأيضا يحدد القواعد والإجراءات السياسية ويحدد مهام السلطات الثلاث المعروفة (أي السلطة التشريعية والتنفيذية و القضائية) والدستور يجب عليه ان ينص في اعلى نصوصه الحفاظ على مبدأ المشروعية.

لا يمكننا إذن ان نكتفي فقط بوضع او سن النصوص القانونية او التشريعات لخدمة حقوق الانسان من دون ان نهتم بتطوير وتربية وإعداد الانسان الذي هو الأساس في خدمة حقوق الانسان والتي من اجله وجدت.

 وخلاصة القول بان أي مجتمع لا يهتم بتربية أفراده على احترام حقوق الانسان سوف لن يستطيع بناء دولة ديمقراطية لأنه لا توجد ديمقراطية من دون حقوق إنسان ولا يمكن وجود حقوق إنسان من دون ان تكون هناك ديمقراطية.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alsabaah