في ذكرى الإعلان العالمي لحقوقه...المحنة التي يعيشها الإنسان!!

 

 

في ذكرى الإعلان العالمي (10/12/1948) ... نحو رؤية جديدة لحقوق الإنسان تتجه الى شيء من الإلزام

خضع مفهوم حقوق الإنسان خلال مسيرته التاريخية إلى تحولات دلالية ومفاهيمية عدة، استهدفت في النهاية بلورة معانيه وتعميق دلالاته، وهو ما أصبح يعرف بالأجيال الثلاثة لحقوق الإنسان.

فابتداءً من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في العاشر من كانون الأول (ديسمبر) 1948 تشكل الجيل الأول من حقوق الإنسان من حيث تأكيده على الحقوق الفردية، إذ نصَّ على الحق في الحياة وسلامة الشخص والقضاء على التعذيب، والحق باللجوء إلى القضاء، وحق التنقل، وحرية الفكر والعبادة والرأي والتعبير. إن هذه الحقوق تشكل في مجموعها حقوقاً فردية، إذ لم ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كما لاحظ ذلك الكثيرون على حق الشعوب في تقرير المصير أو على الحقوق السياسية والاقتصادية للمجتمعات، لكن، جرى تدارك هذا لاحقاً في العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية اللذين أقرّا عام 1969 ويمثلان الجيل الثاني من حقوق الإنسان. 

شكل الإعلان منذ صدوره حَدَثاً، لذلك كان مثار جدل التيارات والاتجاهات الفكرية والأيديولوجية المختلفة، إذ لأول مرة يتم وضع نصٍ كوني أو عالمي يجعل الإنسان مرجعيةً مطلقة له، بغض النظر عن جنسه وإقليمه ودينه وعرقه. وعلى رغم غياب الصفة الإلزامية لهذا الإعلان فإنه استمدَّ قوته من صبغته الأخلاقية وهو ما ترك أثره على الكثير من الدساتير الوطنية والقوانين الداخلية. واعتُبر الإعلان ومنذ صدوره بمثابة الأساس وليس كل البناء، وهو ما دعا الجمعية العامة للأمم المتحدة الى الطلب بأن يعقب هذا الإعلان ميثاق أو اتفاقية تحدد تفصيلاً وبصورةٍ ملزمة الحدود التي يجب على الدول أن تتقيد بها في مجال تطبيق الحقوق والحريات، وإنشاء نوعٍ من الإشراف الدولي أو الرقابة الدولية على هذا التطبيق، لكن هذا للأسف لم يأخذ طريقه إلى التنفيذ.

وجرى الإعداد لاحقاً لاستصدار العهدين الدوليين وتمت تجزئتهما في شكل ميثاقين انطلاقاً من الاختلاف في طبيعة الحقوق، فالحقوق المدنية والسياسية لصيقةٌ بالإنسان، بينما الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ظهرت بعد ذلك استجابةً لمطالب الحركات العمالية والتيارات الاجتماعية، ودخل العهدان حيز التنفيذ عام 1976.

وتعهدت الدول المنضمة إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والثقافية والاجتماعية توفير حق العمل والضمان الاجتماعي لمواطنيها، كما قرر هذا العهد حق الشعب في تقرير مصيره، واستغلال ثرواته الطبيعية، وضمن الحق في الوقاية الصحية وفي تأليف النقابات أو الانضمام إليها، أما العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية فتكفل الدول المنضمة إليه بموجبه لمواطنيها حق الحياة والحرية والأمان الشخصي والحق في محاكمة عادلة ومنع التوقيف الإداري الكيفي وحرية الفكر والمعتقد الديني والسياسي، وحق التجمع السلمي وتأسيس الجمعيات، والاحتفاظ بحق الهجرة.

وإذا كان الإعلان العالمي الذي يمثل الجيل الأول من حقوق الإنسان يرتكز في مجمله على مبدأ الحرية، فإن حقوق الجيل الثاني تستند إلى مبدأ المساواة، لذلك جاءت المناداة بجيلٍ ثالث من الحقوق يستكمل النقص في الحقوق السابقة ويعتمد على العلاقات بين الشعوب والدول، بحيث يكون مبدأ التضامن هو المرتكز الرئيسي. وتستند المبررات الحقوقية والقانونية في ذلك إلى أن حقوق الإنسان لا يمكن تحقيقها في ظل ظروفٍ من التخلف والفقر وغياب أدنى مقومات العيش والحياة الكريمة. لذلك جرى التفكير في الحق في التنمية، بحيث جرى الربط بين التنمية وحقوق الإنسان، فالديموقراطية والتنمية واحترام حقوق الإنسان أمورٌ مترابطة يعزز بعضها بعضاً، وهو ما تبلور في ما بعد في مؤتمر فيينا عام 1993 الذي دعا صراحةً إلى دعم البلدان الأقل نمواً والملتزمة عملية إقامة الديموقراطية وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية، لكنه أكد أيضاً أن انعدام التنمية لا يجوز اتخاذه ذريعةً لتبرير الانتقاص من حقوق الإنسان المعترف بها دولياً. وبذلك انتهى المؤتمر إلى تعريف التنمية على أنها عملية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية شاملة تستهدف التحسين المستمر لرفاهية السكان، والتوزيع العادل للفوائد الناجمة عن التنمية، وبالتالي أصبحت حقوق الإنسان هي الحقوق والمطالب التي لا يمكن تحقيقها إلا في مجتمع يعيش مخاض عملية تنموية شاملة، وهكذا انتهى التصور الدولي إلى خلاصةٍ مؤداها أن التنمية في عمقها هي تحقيق حقوق الإنسان، وأن هذه الأخيرة لا يمكن تحقيقها إلا في مجتمع مندرج في سياق عملية تنموية شاملة، وبذلك يكتمل الدور، حقوق شاملة وتنمية شاملة، وعلى هذا يمكن اعتبار الجيل الثالث من حقوق الإنسان بأنه يمثل الحق في التنمية.

يمكن النظر إذاً إلى حقوق الإنسان على أنها عملية استكمال ضمن صيرورة تاريخية مستمرة، بحيث تجعل من الإنسان غايةً في ذاته من أجل ضمان حقوقه وصيانتها. إنه الجهد الإنساني المشترك الذي يطمح إلى ترسيخ القيم الإنسانية العليا ذات المعاني النبيلة والسامية التي تتطلع كل الشعوب والمجتمعات إلى تمثيلها والامتثال لها.

وأصبح مفهوم حقوق الإنسان ضمن المقاييس الإنسانية، يؤشر على تقدم المجتمعات وتأخرها، وهو بمثابة المؤشر الكلي الذي يختزل كلّ الأرقام التنموية والإحصائية فيه، لا سيما بعد أن أصبحت التنمية في عمقها سبيلاً الى تحقيق حقوق الإنسان، مما جعل هذا المفهوم يأخذ شكل هيمنة أخلاقية عالمية خاصة بعد انهيار دول المنظومة الاشتراكية وسقوط الاتحاد السوفياتي، بعداً إجماعياً كونياً لم يحظ أيُّ مفهومٍ آخر بمثله، على رغم الإساءات المتكررة التي لحقت به من قبل بعض مدعيه أو من بعض السياسات الغربية التي تتبناه قولاً وتخالفه في الكثير من ممارساتها، عندما تصر على التعامل بمكيالين وفقاً لمصالحها التي ما زالت أولويةً لها على حساب حقوق الشعوب والمجتمعات. لكن هذا الاستثمار السيئ لا يُلحق الضرر بالمفهوم ولا يُنقص من نبله وقيمته العليا، بل إنّه يُشكل رادعاً أخلاقياً مهماً من أجل نقد هذه السياسات وتعريتها.

وإذا كان الاستثمار السيئ بَقيَ جزئياً وغير مبرر، فإنه تحول بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 إلى منهجٍ متكامل تتبعه السياسة الأميركية في علاقاتها الخارجية والدولية، فقد مثلت الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها واشنطن ونيويورك ـ والتي حملت معها إدانةً أخلاقية عالمية لهذا السلوك غير المبرر، بل المرفوض من الشرائع السماوية والمواثيق الدولية والحقوقية ـ مبرراً لإعادة صياغة الأولويات المفاهيمية على مستوى العالم، فبعد أن كانت الديموقراطية وحقوق الإنسان والفقر والمرض تمثل همَّ المجتمعات وغايتها، فإن هذه المفاهيم اختفت أو كادت تختفي بعد 11 أيلول لحساب مفاهيم القضاء على الإرهاب وتجفيف منابعه أو التضييق عليه.

وللأسف فإن الكثير من السياسات القطرية في البلدان العربية وجدت في ذلك فرصة دولية لتعميق انتهاكاتها لحقوق مواطنيها، وذلك رغبة في تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، وبذلك فالعالم بعد 11 أيلول كان مختلفاً ليس لجهة التحالفات والتكتلات الدولية الجديدة وإنما لجهة التغيّر في المفاهيم الكونية التي عملت الولايات المتحدة على تظهيرها وإبرازها، إذ وجدنا استهزاءً، أو على الأقل خِفّةً، بمعاني الجوع والفقر والمرض وسوء التنمية المنتشرة والمتكاثرة عالمياً، وهي بحد ذاتها تعتبر بيئة خصبة لنمو الإرهاب. ولحظنا أيضاً قلّةَ اكتراثٍ بمفاهيم الديموقراطية وحقوق الإنسان وعدم وضعها في الاعتبار، لكن، مقابلَ ذلك، وجدنا اهتماماً مضاعفاً بمفهوم الإرهاب، ووجدَ العالَم نفسه مشغولاً ومهموماً فجأةً، بمكافحته ومحاربته، مما جعل مفهوم حقوق الإنسان يتعرض للاهتزاز بل يمرّ بأزمةٍ على مستوى حضوره ووجوده. فإذا كنا تعايشنا سلباً - والتعايش هنا من باب التوصيف لا التقويم ـ مع استمرار أزمة حقوق الإنسان على مستوى الواقع والتطبيق خصوصاً في المنطقة العربية، فإن المفهوم نفسه تعرض بعد 11 أيلول إلى أزمةٍ تمس بنيته ووجوده.

ولا تبدو السياسة الأوروبية – على رغم أنها تبدو أكثر تقدماً بكثير من نظيرتها الأميركية -، راغبة في حسم خياراتها النهائية في ما يتعلق باحترام حقوق الإنسان، خصوصاً فيما سياستها تجاه المهاجرين أو في علاقاتها مع غيرها من دول الجوار المتوسطي. وحتى لدى التوقيع على اتفاقيات الشراكة الأورومتوسطية في برشلونة غالباً ما جرى تجاهل البند الخاص باحترام حقوق الإنسان أو تجاوزه، إن لم يقل البعض صراحة أنه لا يتعدى الأغراض التجميلية.

أما حقوق الإنسان في العالم العربي فيبدو ملفها الأكثر سواداً على الإطلاق، إذ من الطبيعي أن ترتقي حقوق الإنسان كلما كان النظام ديموقراطياً ويزداد انتهاكها مع تحول النظام إلى نمط من أنماط التسلطية أو الشمولية الدكتاتورية، وهو حال معظم الدول العربية.

وتبرهن التجربة التاريخية للعالم العربي بجلاء على أن عدم تمتع الإنسان والشعوب بالحقوق المدنية والسياسية كان مدخلاً رئيسياً لحجب الحد الأدنى من ضمانات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فالحرمان من الحقوق المدنية والسياسية سلب من الشعوب القدرة على الدفاع المنهجي عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أو حتى القدرة على الدعوة لها. ففي غياب الحق في التجمع والتنظيم السياسي والنقابي والأهلي المستقل، وفى ظروف تتسم بضعف أو إلغاء ضمانات وحريات الرأي والتعبير والاجتماع السلمي والإضراب، يصعب بناء القدرة على الدفاع عن الحقوق الأخرى، ويغيب التوازن بين المجتمع والدولة وبين الفقراء والأغنياء.

كما أن غياب الحقوق المدنية والسياسية مثّل المدخل والشرط الجوهري للاعتداء المتواصل على الحقوق الجماعية للأقليات العرقية والدينية، بما في ذلك شن حروب إبادة ومذابح وتهجير جماعي قسري إلى داخل بعض الدول العربية وخارجها. كما كان عدم التمتع بالحقوق المدنية والسياسية في العالم العربي عائقاً أيضاً حتى أمام حركة التضامن الشعبي مع حقوق الشعب الفلسطيني، وحركة الاحتجاج ضد المخططات الدولية المعادية له ، أو أمام الانخراط في الحركة العالمية ضد الآثار السلبية للعولمة.

وأخيراً، فإن هذا الحرمان القاسي من هذه الحقوق والاعتداء الوحشي المتواصل لفترة طويلة عليها، كان سبباً مباشراً في استمرار وتفاقم الأوضاع الوحشية التي عاشها أكثر من شعب عربي وخصوصاً الشعب العراقي. وفى مثل تلك الأوضاع يشعر كثيرون باليأس من إمكانية النضال من أجل التغيير من الداخل، وهو ما يدفعهم بكل أسف لطلب أو تأييد التغيير من الخارج وإن تطلب ذلك الغزو والاحتلال الأجنبي!

وتدل التجربة التاريخية لعدد من الشعوب النامية والفقيرة في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية على أن فقر هذه المجتمعات لم يكن حائلاً دون إحراز إنجاز جيد في مجال الحكم الديموقراطي واحترام حقوق الإنسان. وعلى نقيض ذلك فإن تمتع عدد من الدول العربية بمستوى مرموق عالمياً من الثراء والوفرة لم ينعكس على مستوى احترام الحقوق المدنية والسياسية أو الاقتصادية والاجتماعية، بل إن الثراء المادي لم يساعد هذه الدول على تجنب تبوؤ مكانة متواضعة في التقارير الدولية المعنية بالتنمية البشرية.

وإذ نقر بمبدأ عالمية حقوق الإنسان، نعني بذلك أن تبلور هذه الحقوق أو تضمينها في مواثيق محددة هو ثمرة لكفاح الإنسانية عبر التاريخ في مواجهة كل أشكال الظلم، ونتاج لتلاقح وتفاعل الحضارات والثقافات الكبرى عبر الزمان، بما في ذلك الحضارة العربية- الإسلامية. و «عالمية حقوق الإنسان» تعنى أيضاً أنه لا يجوز استثناء أحد في أي منطقة في العالم أو في أي نظام ثقافي من التمتع بهذه الحقوق. فهي عالمية لأنها ترتبط بمعنى الإنسان ذاته بالتجريد وبغض النظر عن أي اعتبار. ولا تعني العالمية بهذه المعاني إلغاء الخصوصيات الثقافية، مثلما لا يعني احترام الخصوصية الثقافية، الاحتفاء بكل ما هو سلبي فيها، فلا توجد ثقافة بذاتها تحتكر لنفسها القيم الإيجابية أو السلبية من منظور حقوق الإنسان أو غيره.

ربما تكون أسوأ إهانة ألصقت بالدين الإسلامي هي تقديم بعض الأوساط له كمبرر لعدم تساوي المؤمنين به مع بقية البشر في التمتع بالحقوق الإنسانية. وشارك ويشارك في ارتكاب هذه الإهانة غالبية عدد من الحكومات العربية والإسلامية غير العربية، فضلاً عن بعض جماعات الإسلام السياسي ومنظريها.

وإذ تبرر غالبية هذه الحكومات امتناعها عن التصديق على عدد من أهم العهود واتفاقات حقوق الإنسان أو التحفظ على بعض ما تضمنته من حقوق بذريعة «الشريعة الإسلامية». فهي تستخدم الشريعة للتحلل من التزامها كلياً أو جزئياً باتفاقات حقوق الإنسان، وأدى ذلك – للأسف - إلى شيوع اعتقاد خاطئ في الأوساط الدولية بتعارض الإسلام ذاته مع مبادئ وقيم حقوق الإنسان أو استحالة التوفيق بينهما.

كما أن غالبية الحكومات التي تحفظت على بعض ما تضمنته اتفاقات معينة من حقوق لم توضح في شكل محدد ما هي تلك المواد/الحقوق التي تتعارض مع الشريعة الإسلامية أو مع أنظمتها الداخلية أو طبيعة الفجوة بينهما، وإنما استخدمت صيغاً مطاطة مثل ‹‹مع التحفظ على ما قد يتعارض مع الشريعة الإسلامية››. الأمر الذي منح هذه الحكومات مرونة التحلل الانتقائي من الالتزام بحقوق معينة - بذريعة التعارض مع الشريعة - وفقاً للإرادة السياسية المتغيرة، بصرف النظر عما يترتب على هذا التعميم المفتوح من إساءة للإسلام ذاته.

والإقرار بعالمية حقوق الإنسان، يعني بالتأكيد أنه ليست هناك شعوب مؤهلة للتمتع بهذه الحقوق بسبب لون بشرتها أو دمها!، أو تعاظم ثرواتها المادية أو قدراتها العسكرية، وأن هناك شعوباً أخرى من درجةٍ أدنى ليست مؤهلة لذلك، لأحد هذه الأسباب أو غيرها. هذا هو بالطبع جوهر العنصرية وعلة الأيديولوجية الاستعمارية القديمة، والتي حاولت أن تمارس تأثيرها عند وضع أول وثيقة دولية جامعة لحقوق الإنسان. إذ سعت كبريات الدول الاستعمارية، إلى تضمين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نصاً يستثني الشعوب الخاضعة للاستعمار من التمتع بالحقوق التي ينص عليها الإعلان، لكن دول العالم الثالث أجهضت هذا المسعى.

ولكن، ما لا يلاحظه كثيرون أن تلك هي أيضاً جوهر فلسفة عدد من القياديين العرب مع اختلاف فقط في ملمحين:

الأول هو اللسان «الوطني»! الناطق بها والمروج لها، والثاني هو أن المستعمرين الأجانب كانوا يقولون إن تلك الشعوب تحتاج إلى فترة انتقالية غير محددة المدة «لتأهيلها للتحضر والتمدين، وحكم أنفسهم بأنفسهم». وكان هذا التأهيل يتم تحت سلطة قوات الاحتلال، وينطوي على قمع هذه الشعوب ونهب ثرواتها واستغلالها لحساب المصالح الأجنبية وحلفائها «المحليين». أما الحكام «الوطنيون» الذين تولوا مقاليد حكم الشعوب نفسها بعد رحيل الاحتلال الأجنبي، فيقولون إن تلك الشعوب «تحتاج إلى فترة انتقالية غير محددة المدة»، «لتأهيلها لمجابهة تحديات النمو وكي يستطيعوا حكم أنفسهم بأنفسهم»، ثم التمتع بالتالي بالحقوق التي تتمتع بها الشعوب «المتمدنة» في أوروبا وأميركا، الأمر الذي يتطلب إبقاء تلك الشعوب تحت سيطرة قوات «وطنية» غير محتلة من الشرطة والجيش والحرس، وأحياناً ميليشيات عسكرية خاصة، وعشرات من أجهزة الأمن والاستخبارات العلنية والسرية. وفي غضون هذه الفترة الانتقالية- غير المحددة المدة- يجري أيضاً قمع هذه الشعوب، ونهب ثرواتها واستغلالها لمصلحة فئة محدودة من الاستغلاليين «الوطنيين» وحلفائهم من الشركات والحكومات الأجنبية.

الفكرة الأيديولوجية واحدة في الحالين، وهي أن هناك شعوباً بعينها قاصرة بطبيعتها عن أن تحكم نفسها بنفسها، إما بسبب لون بشرتها القاتم، أو أصلها العرقي، أو «تخلف» العقيدة التي تؤمن بها غالبيتها (من منظور أجنبي)، أو «الخصوصية الثقافية والحضارية» (من منظور «وطني») أو غيرها من الذرائع المتماثلة. ذلك ينم عن نظرة ازدرائية عنصرية تجاه تلك الشعوب، والإنسان الفرد فيها.

هناك رفض للاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها –وهو المبدأ الأول في كلا العهدين الدوليين- أو تفسيره بطريقة مبتسرة يحول دون تطبيقه فعلياً، طالما كانت مقاليد الأمور بأيدي الحاكم الأجنبي أو الاستبدادي «الوطني»، اللذين يتجاهلان أن حق التصرف هو للشعوب وليس للحكام. إن غياب الاحتلال الأجنبي ووجود حاكم «وطني» لدولة ما، لا يعنيان تمتع هذا الشعب أوتوماتيكياً بحقه في تقرير مصيره بنفسه، طالما ظل مقصياً عن إدارة شؤون حياته اليومية في كل المجالات مباشرة أو من خلال ممثليه المنتخبين الخاضعين لمبدأ المحاسبة والعزل وسحب التفويض. كما أنه لا يعني تأمين حق هذه الشعوب في مراقبة التصرف في مواردها والتخطيط لمستقبل أجيالها اللاحقة. ومن البديهي أن تمكين الشعوب من مباشرة هذه الحقوق يتطلب إتاحة المعلومات والآراء الضرورية للبت في كل الأمور الكبرى، بما في ذلك ما يتعلق بالعلاقات الدولية، خصوصاً مع الدول الكبرى التي يمكن أن تقوّض بعض أركان الحق في تقرير المصير، من دون إرسال جندي أجنبي واحد.

من الناحية النظرية والرسمية تتمتع غالبية الدول العربية بالاستقلال والسيادة، لكن الاستبداد بصوره المختلفة وعوامل أخرى، جعل بعض هذه النظم غير خاضعة لأدنى أشكال المحاسبة والمراقبة وأوقعها في أشكال متنوعة ودرجات مختلفة من التبعية، ووظفها بصورة مباشرة أو غير مباشرة لخدمة مصالح أنانية خاصة، تتصل بدول أو مجموعات دولية على حساب مصالح شعوبها لتفقد بذلك استقلالها تدريجاً.

كما يدلنا نموذج العراق الى أن قمع واستبداد الحكام «الوطنيين» عندما يبلغ أعلى مستويات القسوة والتوحش، يفقد الشعوب كل وسائل التصرف بمصيرها بنفسها وكل أمل في إمكانية التغيير الممنوع «بالقوة من الداخل». وقد يدعو ذلك بعض أهلها الى قبول التغيير «بالقوة من الخارج»!.

انها مفارقة هائلة وجديرة بمزيد من التأمل.

فالأرض تستمد قدسيتها من كرامة الإنسان الذي يقطنها، ولا معنى لأرض «يباب» من دون إنسان حر كريم يقطنها، وقد حقنت الأنظمة العربية على مدى عقود طويلة المجتمعات العربية بأنماط مختلفة من الخطابات التحريضية من «أجل تحرير الأرض والإنسان» والعبارة بهذه التراتبية تعكس كيف أن الثاني (الإنسان) لا وجود له إلا كقربان من أجل استملاك الأولى (الأرض).

الرؤية الحقوقية للإنسان يجب أن تكون أقرب إلى رؤية كلية لموقع الإنسان لذاته ودوره في الحياة العامة، ذلك أن احترام حقه في الحياة وحقه في العيش الكريم لا يتجزأ في زمن الحرب أو السلم، ربما كان على قرار الحرب ذاته أن يعيد اعتبار تبريراته بناء على مدى تحقيقه لاحترام الإنسان وحقوقه. فالحقوق الإنسانية ومنذ إقرارها كتشريعات دولية أتت لبناء رؤية إنسانية كونية مختلفة، وكان الإسهام العربي فيها كبيراً.

يمكن القول إذاً أن فكرة حقوق الإنسان في العالم اليوم تمر بمحنة حقيقية، وعلى قدر ما كان اكتشافها معادلاً لابتكار صيغة كونية ملائمة للصيغة الجوهرية الكونية لمفهوم حق الإنسان منذ بزوغه، عندما تضمنت أهم لفظين يشكلان جوهر الكينونة الإنسانية هما «الحق» و «الإنسان»، فإن هذه الفكرة اليوم تشهد خفوتاً إن لم نقل تراجعاً.

وكان مفهوم حقوق الإنسان تعرض منذ الإعلان العالمي في عام 1948 لنقد اتخذ من غياب الصفة الإلزامية مبرراً له، فقد كان المنتقدون يؤكدون باستمرار أن فقدان الصفة الإلزامية لهكذا حقوق يجردها من أيّ قيمةٍ قانونية ولا يجعل منها سوى مذهب فلسفي أو حقوقي، وبذلك ينحصر دورها في إطار التوجيه الأخلاقي العام النابع من الذات ولا يتعداه إلى الإطار التنفيذي الملزم، وهذا ما يحتم التوجه بالبحث في آليات التطبيق الوجوبي والإلزامي لحقوق الإنسان على المستوى الدولي وعلى مستوى الحكومات القطرية، بحيث لا تبقى أولاً شعاراً للابتزاز، وثانياً كي لا يصبح هذا المفهوم نهباً للتأويل بحسب الحاجة إليه.

والأمم المتحدة بوصفها الإطار الأوسع دولياً يجب أن تكون المعنيّ الأول بالتفكير في آليات الإلزام القانوني في مستوى العلاقات الدولية والتعامل بين الدول وفي مستوى السياسات الحكومية الداخلية التي تعتبر أن انتهاك حقوق المواطنين لديها هو شأن داخلي لا يجوز لأحدٍ أن يسائلها فيه، وهو ما يجعل الكثير من الشعوب والمجتمعات تتردد في تبني مفهوم حقوق الإنسان طالما أنه لا يؤمّن حمايةً لها ولا ترى فيه سوى أداة لسياسةٍ خارجية تتعامل معه وفقاً لمصالحها.

الاتجاه نحو الإلزام يعني إعطاء الصدقية وإجلاء الصدأ عن مفهومٍٍ عانت الإنسانية كثيراً كي تبلوره وتنجزه مفاهيمياً. ألم يحن الوقت كي تنجزه وتحققه واقعاً وممارسة؟

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر: الحياة اللندنية-9-12-2006