المفهوم العالمي للحق في السكن

 

أ. د. علي بن سالم باهمام

 

 

وعدت القراء الأعزاء في ختام مقالة سابقة نشرت في إثر ندوة "الحق في السكن"، التي عقدت ضمن فعاليات مرور ستين عاماً على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ بأن أخصص مقالة للتعريف بالمفهوم العالمي للحق في السكن من واقع وثائق الأمم المتحدة. وقبل استعراض الحق في السكن أقدم عدداً من الإحصائيات العالمية الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة:يعيش قرابة (1.2 مليار) شخص تحت خط الفقر بدخل أقل من دولار في اليوم.

يعيش قرابة (100 مليون) شخص في الشوارع دون مأوى.

يعيش قرابة (1.1 مليار) من سكان المناطق الحضرية (أي: سكان المدن، وليس القرى أو الأرياف) في مساكن غير ملائمة.

بدأ الاهتمام العالمي بالإسكان مع تكليف الجمعية العامة للأمم المتحدة بتأسيس برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات الإنسانية UN-HABITAT في عام 1978م، ومقره في مدينة نيروبي عاصمة كينيا؛ لتعزيز إيجاد مدن مستدامة بيئياً واجتماعياً، وضمان توفير المأوى الملائم للجميع. وكان الهدف الأساس للحق في السكن هو توفير "مأوى ملائم للجميع"وأطلق في عام 2002 م برنامج الأمم المتحدة للحق في السكن UNHRP، ومقره في جنيف. وجاء تأسيسه نتيجة لحق الفرد وأسرته في مستوى معيشي ملائم وصحي، مشتمل على الغذاء واللباس والسكن والعناية الصحية والخدمات الاجتماعية الضرورية، إضافة إلى ضمان الأمان في حالة البطالة أو المرض أو الإعاقة أو الترمل أو الشيخوخة، أو غيرها من الأمور التي تفقد الفرد السيطرة على حياته وقد تم تعريف الحق العالمي في السكن على النحو التالي: "يحق لكل فرد الحصول على مأوى صحي وآمن ويحقق السلامة، وبتكلفة ميسرة، ويحتوي على الخدمات والتسهيلات والاحتياجات الأساسية، مع التمتع بكامل حرية الاختيار من دون تمييز، وضمان حقه القانوني في الامتلاك أو الحيازة من دون التعرض للطرد الاعتباطي أو الإخلاء القسري" ومما هو واضح وجلي في وثائق الأمم المتحدة الخاصة بالحق في السكن أن بناء مساكن لجميع المواطنين ليس من المهام الإلزامية المناطة بالحكومات، كما أن المساكن لا تقدم مجاناً عند توفيرها. ولكن المطلوب من الحكومات اتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة لتعزيز الحق في السكن، وتمكين المواطنين من الحصول على المسكن الملائم والميسر والآمن، وضمان إدراكهم الكامل والمتنامي الحق في السكن، وحماية حقوقهم في الحيازة القانونية للمسكن بالامتلاك أو الاستئجار دون التعرض للطرد الاعتباطي أو التعسفي وبناء على التعريفات السابقة فإنه يلزم جميع المؤسسات الحكومية المعنية بقطاع الإسكان العمل بجد على الاستمرار في استحداث برامج دعم الأسر وتفعيلها لتمكينهم من الحصول على المسكن الميسر. ومن البرامج الحكومية التي تذكر فتشكر في هذا المجال برنامج منح الأراضي السكنية، خصوصاً الواقعة ضمن النطاقات العمرانية للمدن والمتوافر فيها المرافق والخدمات، وقروض صندوق التنمية العقارية، ونظام ملكية الوحدات العقارية وفرزها. ومما ينتظر تفعيل إجراءات الرهن العقاري والتنظيمات المنظمة لها، وإعادة صياغة اشتراطات تخطيط المناطق السكنية وتنظيمات تصميم الوحدات السكنية بأسلوب يشجع ويضمن مرونة توفير الوحدات السكنية الصغيرة والميسرة للجميع، وغيرها من وسائل التمكين وأدواته التمويلية والتنظيمية والتقنية والفنية (وسيتم في المقالات القادمة إذا وفق الله استعراض لبعض برامج التمكين) ومما يسترعي الانتباه في النصوص الخاصة بالحق في السكن تكرار استخدام كلمة المأوى Shelter وليس المسكن House، والمأوى تعبير عن منشأة توفر الحماية من العوامل والمؤثرات الخارجية وتحقق المتطلبات المعيشية الأساسية لمستخدميها، فغرفة واحدة آمنة وصحية، وهيكلها الإنشائي لا يهدد سلامة ساكنيها أو يعرضهم لأي خطر، مع دورة مياه كفيلة بتحقيق الحد الأدنى للمأوى. وهذا يدعو إلى إعادة التفكير في أسلوب توفير المساكن للأعداد الكبيرة من الأسر التي لا مأوى لها غير الكهوف وظلال الأشجار أو صنادق الصفيح والخيام وفي الختام فإن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أعلن الحق في السكن قبل ألف وأربعمائة سنة في الحديث الذي صححه الألباني عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: "من كان لنا عاملاً فلم يكن له زوجة فليكتسب له زوجة، فإن لم يكن له خادم فليكتسب له خادماً، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكناً".

* أستاذ العمارة والإسكان

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر: aleqt.com