استقلال كوسوفو... وازدواجية النظام الدولي

 

د. عادل الصفتي

 

يكشف إعلان استقلال كوسوفو في الأسبوع الماضي وما تبعه من ردود فعل المجتمع الدولي التناقضات المتأصِّلة في النظام الدولي السائد حالياً. والأكثر من ذلك تعكس هياكل الأمم المتحدة وميثاقها مدى خضوع التصورات المثالية لعالم يفترض أن يحكمه القانون الدولي لحقائق عالم آخر تحركه الصراعات السياسية، وتدفعه النزاعات المستمرة لاكتساب المزيد من السلطة ومواقع النفوذ. فالمعروف أن القاعدة المؤسِّسة للقانون الدولي إنما تقوم على مبدأ سيادة الدولة، التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة واعترافه بالحق الحصري للدول بفرض سلطتها وممارستها صلاحياتها على أراضيها وسكانها. غير أن مبدأ السيادة تعرض للكثير من التحديات بسبب المطالب المتصاعدة بإدراج قوانين حقوق الإنسان ضمن النظرة الشاملة للقانون الدولي. ويعني ذلك بالدرجة الأولى أنه لا يمكن التغاضي عن انتهاكات حقوق الإنسان، وأنه على القانون الدولي أن يهتم بها أكثر حتى لا يتستر المنتهكون وراء الحصانة التي يوفرها لهم مبدأ سيادة الدولة.

وهكذا يأتي إعلان استقلال كوسوفو ليؤكد تراجع سيادة الدولة. والواقع أن روسيا وصربيا احتجتا على استقلال كوسوفو باعتباره أمراً يخرق ميثاق الأمم المتحدة وينتهك حق صربيا في صيانة وحدة أراضيها. لكن رفض صربيا قبول مقترح دولي لإنهاء تمرد إقليم كوسوفو، ومواجهة الفظائع التي ارتكبتها في حق سكانه من قبل نظام الرئيس السابق "سلوبودان ميلوسيفيتش" لم يترك لها مجالاً للتعاطف الدولي، بل لقد أضعف موقفها التفاوضي. ومن جهته رد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بأن "الإخضاع الوحشي للأغلبية الألبانية من قبل صربيا كلفها فقدان السيطرة على الإقليم". ولعل هذا الموقف هو أوضح تعبير على صعود أهمية قوانين حقوق الإنسان مقابل المبادئ الراسخة لسيادة الدول وحقها في صيانة وحدتها الترابية.

وقد أصبح هذا الاستقلال أمراً واقعاً أصلاً عندما قصفت طائرات "حلف شمال الأطلسي" صربيا وأرغمتها على الاستسلام والانسحاب من كوسوفو. ومع أن مجلس الأمن تبنى القرار رقم 1244 الذي يعترف فيه بسيادة صربيا على كوسوفو، إلا أنه منع الصرب من ممارسة هذه السيادة من خلال وضع الإقليم تحت الإدارة المؤقتة للأمم المتحدة، كما سمح بنشر قوات حلف شمال الأطلسي لضمان استتباب الأمن. والحال أنه ما كان لمبدأ التدخل وإعطاء الأولوية لحقوق الإنسان على السيادة أن يلاقي أية معارضة لو مورس بطريقة دائمة وبدون تمييز، مسترشداً في ذلك بمبادئ العدالة والقانون الدولي. لكنه في الحقيقة مدفوع باعتبارات الصراع السياسي، ولا علاقة له بحماية حقوق الأقليات وغيرها من التصورات المثالية. ومع الأسف تطغى المقاربة الانتقائية في تطبيق القانون الدولي، والنظرة التمييزية في الاهتمام بحقوق الإنسان على أي اعتبارات أخرى.

ما كان لمبدأ التدخل وإعطاء الأولوية لحقوق الإنسان على السيادة أن يلاقي أية معارضة لو مُورس بطريقة دائمة، وبدون تمييز.

وفي هذا السياق يلوم الغرب روسيا وسياستها ويحملها مسؤولية الأزمة في كوسوفو، حيث جادل "ريتشارد بروك"، مبعوث الولايات المتحدة السابق إلى كوسوفو بأن "تصرفات روسيا قد تحدد ما إذا كانت ستندلع حرب أخرى في أوروبا". لكن هل من الممكن التوقع من روسيا ألا تنظر إلى الأحداث في صربيا وكوسوفو ضمن سياق الصراع السياسي الذي يسعى بموجبه حلف شمال الأطلسي إلى معاقبة بلغراد، ويسعى أيضاً إلى التوسع قرب حدود روسيا، فضلاً عن قرار واشنطن بإقامة نظام للصواريخ بالقرب من أراضيها؟ ولا ننسى أن الاتحاد الأوروبي بدأ يعلن عن تطلعاته لاكتساب النفوذ من خلال تأكيد المسؤولين الأوروبيين أن البلقان ينتمي إلى الاتحاد الأوروبي. فكيف يمكن لروسيا أن تنسى السرعة التي بادرت بها ألمانيا مثلاً للاعتراف بسلوفينيا وكرواتيا عند انفصالهما عن صربيا، وألا تعتبرها جزءاً من رغبة ألمانية في تسريع انهيار يوغوسلافيا السابقة وتوسيع نفوذ الاتحاد الأوروبي ليمتد إلى منطقة البلقان الاستراتيجية؟

وقد حذر وزير الخارجية الروسي "سيرجي لافروف"، في لقاء وزراء خارجية مجموعة الدول الثماني في شهر مايو الماضي، من أن استقلال كوسوفو قد يشجع الحركات الانفصالية في "أبخازيا" و"أوسيتيا"، وقد يهدد الوحدة الترابية لجورجيا التي يحرص الغرب على صيانتها. وبالطبع لم يفت منطق الكيل بمكيالين وزير الخارجية الروسي الذي قارن بين كوسوفو وفلسطين وسأل مجموعة الثماني: "لماذا هذه السرعة في منح كوسوفو الاستقلال بينما فشلتم طيلة الأربعين عاماً الأخيرة في دعم استقلال الفلسطينيين؟"، فقد عانى الفلسطينيون من الاحتلال الإسرائيلي ومن القمع والعقوبات الجماعية دون أن يحرك المجتمع الدولي ساكناً. وعندما طالب الفلسطينيون في عام 2002 مساعدة الأمم المتحدة عندما هاجمت إسرائيل مخيم جنين صمَّ العالم آذانه وأدار ظهره للفلسطينيين. ولم يستطع حتى ممثلو الاتحاد الأوروبي زيارة ياسر عرفات عندما كان محاصراً بعدما رفضت السلطات الإسرائيلية السماح لهم بدخول الأراضي الفلسطينية. وفي عام 2006 شنت إسرائيل حرباً على لبنان قصفت فيها المدنيين بدون تمييز في الوقت الذي عرقلت فيه واشنطن ولندن، دون تردد، قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المكور نصا ودون تعليق.

المصدر: alittiha-29-2-2008