حقوق الإنسان ودمقرطة النظام العالمي

 

ايمان محسن البياتي

 

 

استند النظام العالمي على نظام الدول المستقلة ذات السيادة، ولقد أدى ذلك إلى وضع قواعد تحكم العلاقات بين الدول والتي تم تقنينها ضمن المنظومات المختلفة للقانون الدولي ولم تكن الدول تحتاج إلا إلى الإعلان عن التزامها بالمعايير التي يعبر عنها القانون الدولي لكي تكتسب الشرعية الدولية. إلا أن هذا لم يعد كافيا تحت ظروف العولمة. ففي الوقت الذي يمكن فيه قبول أن الشرعية قد تتضمن الحاجة للاعتراف الخارجي من قبل أعضاء المجتمع الدولي ، فإن هناك مصدرين مهمين آخرين للشرعية :

أولهما: هناك إدراك وإقرار متزايد بأن الدول الشرعية هي تلك التي تنال تأييد مواطنيها، وأفضل طريقة لضمان هذا التأييد هو الديمقراطية فالاعتراف الداخلي والخارجي يقدم مفهوما للشرعية يربط بين المواطن والدولة، ويربط بين الدولة والدول الأخرى في المجتمع الدولي.

ثانيهما: أدى نمو المجتمع المدني العالمي إلى تغيير السياق السياسي لسلوكيات الدول. فحتى لو كانت الدول تفضل الاستمرار في السلوك بالطريقة التقليدية وفي تجاهل سلوكيات وانتهاكات حقوق الإنسان في الدول الأخرى، فإن المنظمات غير الحكومية والرأي العام يمكن أن تهدد بخلع الشرعية عن الحكومة.إن وجود هذه المصادر للشرعية تدل على أن المجتمع أو الدول الشرعية هي تلك التي تستند على الحقوق، بما في ذلك حرية التعبير والحقوق الانتخابية في ظل نظام حكم ديمقراطي ولقد أصبح الحق في الديمقراطية حقا مقبولا في القانون الدولي ويمكن ملاحظته بصورة متزايدة في سلوكيات الدول. ويستند هذا الحق على حق تقرير المصير الذي نصت عليه المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة. منذ ذلك الوقت نال حق تقرير المصير قبولا وانتشارا عاما على سبيل المثال، فإن المادة الأولى من الاتفاقيتين العالميتين تؤكد على حق تقرير المصير بالوسائل الديمقراطية كذلك، فإن المادة 25 من اتفاقية الحقوق المدنية والسياسية تنص على حق كل فرد في المشاركة في الأمور العامة مباشرة أو عن طريق ممثلين ينتخبهم بحرية، كما أن المادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تمنح لكل فرد الحق في المشاركة في حكومة بلاده عن طريق انتخابات دورية وحقيقية يكون فيها للجميع حق التصويت السري أو عن طريق عمليات تصويت مماثلة وحرة.

إلى جانب ذلك، فإن المنظومة الأوربية لحقوق الإنسان (المادة 3 للبروتوكول) والمنظومة الأفريقية ( المادة 5 من الميثاق الأفريقي) تقر بحق التمثيل الديمقراطي إلا أن جميع ذلك يدور ضمن إطار وسياق الدولة الوطنية بحيث تكتسب الحكومات الوطنية المنتخبة ديمقراطيا الشرعية عن طريق قبولها للمعايير الدولية المعترف بها للديمقراطية، ولكن في ظل العولمة ربما لا يكون ذلك كافيا فإذا كانت فرص الحياة والعمل والرفاهية الاقتصادية والاجتماعية للأفراد والجماعات تتأثر بقرارات وأفعال مؤسسات لا تخضع للسيطرة الديمقراطية، فإن الديمقراطية داخل إطار الدولة الوطنية بمفردها لها قيمة وتأثير محدود. إن الظروف التي تخلقها العولمة تتطلب حقا في الديمقراطية يتضمن المشاركة في صنع القرار الوطني والدولي، وعندها فقط يمكن تحقيق مبدأ تقرير المصير.إن أنشطة الشركات العابرة للقومية والمصارف المتعدية للجنسية والمنظمات التجارية العالمية والإقليمية تلعب دورا مهما في تشكيل السياق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي يتم في إطاره حماية حقوق الإنسان. حتى في الدول الديمقراطية الأكثر رسوخا، فإن أنشطة هذه المؤسسات والمنظمات لا تتوافق في الغالب مع الحركة تجاه خلق مساواة وعدالة وحقوق أكبر.كل هذا يثير تساؤلات مهمة بشأن احتمالات دمقرطة النظام العالمي، بما في ذلك حقوق الإنسان. فمن ناحية يرى البعض أن الديمقراطية ووجود سجل جيد لحقوق الإنسان أصبحت أمرا ضروريا، وبصورة متزايدة، إذا أرادت الدولة أن تحافظ على الشرعية الدولية.

لذلك، فإن مستقبل الديمقراطية وحقوق الإنسان يبدو جيدا لأن العولمة تعني أنه ما من دولة تستطيع تجنب التدقيق العام، وعمل المنظمات غير الحكومية واستخدامها لتقنية المعلومات هو أمر مهم في هذا الإطار. من ناحية أخرى، إذا قلت الأهمية السياسية والاقتصادية للدولة بسبب العولمة، فإن الشرعية ربما لا تصبح مهمة جدا، مما يعني أن تحقيق الديمقراطية وحقوق الإنسان قد يتطلب الابتعاد عن التفكير التقليدي بشأن العلاقات الدولية وتوظيف نظرة أكثر شمولا تسمح بخلق مؤسسات ديمقراطية على المستوى العالمي. من جانب آخر، فإن أية محاولة لتقديم مجموعة من القيم والمعايير ومؤسسات حكم فوق قومية وديمقراطية تعد تحديا مباشرا للمبدأ المركزي الذي يقوم عليه النظام الدولي الحالي. وفي واقع الأمر، فإن النقطة المركزية في نقد المدرسة الواقعية لمشروع الديمقراطية العالمية تتمحور حول قضية القوة والمصلحة، اذ أنها تنظر إلى العلاقات الدولية بوصفها صراعا من أجل السيادة والسيطرة. ففي عالم تنفق فيه الولايات المتحدة الأميركية سنويا على الدفاع مبلغا يساوي مجموع ما تنفقه الدول العشر  في هيراركية النظام العالمي، ما الذي يجعلها ترغب في نظام عالمي ديمقراطي يتم فيه تقييد وتقليص قوتها المهيمنة؟ ففي نظام دولي يهيمن عليه عدد قليل من القوى العظمى كيف يمكن، وبغياب أية آلية دولية قسرية الانتقال إلى نظام عالمي أكثر ديمقراطية من دون موافقة هذه القوى؟

إلا أن هذه النظرة التقليدية بشأن العلاقات الدولية تتعرض للتحدي بصورة متزايدة بسبب العولمة. فبعد الحرب العالمية الثانية أصبحت حقوق الإنسان والديمقراطية تأخذ وضعا مركزيا في السياسة الدولية ما يوحي بنظرة أكثر شمولا للعلاقات الدولية تتجاوز النظرة الضيقة للنظام العالمي بوصفه مجرد مجتمع من الدول ذات السيادة. ومع تسارع وتكاثف واتساع عمليات وتأثيرات العولمة، أصبح الناس الآن وفي جميع أنحاء العالم  يدركون حقوقهم الإنسانية ومع نمو الحركات الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني العالمية أصبحت حقوق الإنسان تأخذ الأولوية على سيادة الدولة. ويرى الكثيرون أن أنشطة المنظمات غير الحكومية العالمية تعطي دليلا واضحا على نمو أشكال جديدة من الترابطات الاجتماعية والسياسية، ما أدى إلى إيجاد امتداد للمجتمع المدني المحلي يتجاوز نطاق المجتمعات السياسية الوطنية التقليدية ويأتي هذا التطور وسط الإدراك المتزايد بأن القرارات المهمة التي تمس حياة الأفراد والجماعات في مختلف المجتمعات تقوم باتخاذها شركات عبر قومية ومنظمات دولية ومؤسسات مالية دولية خارج نطاق وسيطرة الدولة. ويمثل هذا أحد أهم تناقضات العولمة، ففي الوقت الذي توفر فيه الشروط والظروف التي تجعل الأفراد يفكرون ويتصرفون أبعد من مجتمعهم المباشر، فإن العولمة تؤدي في الوقت نفسه إلى إضعاف فعالية وسيطرة المؤسسات الديمقراطية داخل نطاق الدولة الوطنية.

بعبارة أخرى، وفي الوقت الذي اكتسبت فيه الديمقراطية وحقوق الإنسان شرعية دولية، فإن القدرة على خلق المؤسسات والآليات الضرورية لتطبيقها وفرضها ضمان سياق العولمة تمثل التحدي الحقيقي في الألفية الثالثة. إن النظر إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان بوصفهما وجهين لعملة واحدة، يستلزم الإدراك الواعي بفرص وقيود العولمة، ويستلزم أن ينعكس هذا الإدراك في المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تخلقها لتحقيقهما.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alsabaah