واشنطن في الجنائية الدولية.. رسائل مهمة إلى العالم

 

ألكس ليتل

 

 

فرصة لترميم سمعتها المتداعية

في كتابه المشهور ''فن الحرب'' أشار الاستراتيجي الصيني ذائع الصيت ''صن تسو'' على القادة العسكريين ''تبني تكتيكات غير متوقعة''. ورغم مرور أكثر من ألفي سنة على إسدائه هذه النصيحة، إلا أنها مازالت تنطوي على الكثير من الحكمة.

فاليوم وبينما يناضل السياسيون في الولايات المتحدة لترميم سمعة أميركا المتداعية في الخارج، يمكنهم الاعتماد على كتاب ''صن تسو'' ومفاجأتنا بعنوان بارز مفاده، أنه على أميركا الانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية - ذات الطبيعة الدائمة- التي التحق بها أكثر من مائة دولة، وتعتبر الملاذ الأخير للنظر في جرائم الحرب والمذابح والجرائم ضد الإنسانية، لا سيما عندما تفشل السلطات الوطنية، أو تمتنع عن مقاضاة الجناة وتحميلهم مسؤولية جرائمهم.

من المقرر أن تبدأ المحكمة النظر في أولى قضاياها خلال سبتمبر الجاري، من خلال البت في التهم الموجهة إلى أحد أمراء الحرب الكونجوليين، ''توماس لويانجا''، بتجنيده للأطفال ضمن مليشياته.

ورغم المساندة القوية التي تحظى بها المحاكمة من قبل حلفاء أميركا والمحكمة نفسها، مازالت الولايات المتحدة ترفض الانضمام إليها، وهو الأمر الذي حان الوقت لتغييره. ولمن يستبعد الأمر ما عليه سوى النظر إلى التغيير في المواقف الذي حصل تجاه معتقل ''جوانتانامو'' بعدما دعا وزير الخارجية الأسبق ''كولن باول'' إلى إغلاقه، علاوة على الضغوط التي يمارسها كل من وزير الدفاع ''روبرت جيتس'' ووزيرة الخارجية ''كوندليزا رايس'' لدى الرئيس بوش لإغلاق المعتقل سيئ السمعة.

وإذا كان المسؤولون مستعدين لتبني مواقف مثيرة للجدل مثل تلك المعلنة بشأن ''جوانتانامو'' فإنه من الممكن أيضاً تغير المواقف بشأن الانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية وإدراك الفائدة الاستراتيجية المرتجاة منها.

الواقع أن الإدارة الأميركية كانت على الدوام من أشد المعارضين لمحكمة الجنايات الدولية، حيث رفض ''بوش'' التوقيع على الاتفاقية المحدثة للمحكمة، ومنذ ذلك الوقت انبرى الدبلوماسيون الأميركيون في النيل من المحكمة والطعن في مصداقيتها، مشيرين في هذا السياق إلى استغلالها من قبل أعداء أميركا والمناهضين لها للترويج لادعاءاتهم. وهم دائماً يشيرون إلى احتمال إدانة أحد القضاة المناهضين لأميركا لأحد أفراد القوات المسلحة واتهامه بارتكاب جرائم حرب.

تبقى المفارقة اللافتة أن إصرار الإدارة الأميركية الحالية على عدم الانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية وانتقادها على الساحة العالمية، هو ما يجعل من مسألة التحاقها بها أمراً بالغ الحيوية.

فإذا كان الرئيس الأميركي الأسبق ''ريتشارد نيكسون'' قد شرع الأبواب أمام الصين، فإن بوش أيضا قادر على الانفتاح على ''لاهاي''. فلو استطاعت إدارة بوش تغيير موقفها الحالي من المحكمة واستبدال نظرتها الاحتقارية بأخرى أكثر إيجابية، فإن ذلك من شأنه إطلاق رسائل مهمة إلى عالم متشكك في النوايا الأميركية ودفاعها عن حقوق الإنسان. وقد تكون الرسالة الأميركية إلى العالم كالتالي: إذا لم تكونوا واثقين بأقوالنا فإليكم الأفعال بعد الانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية.

في حال تحقق مضمون الرسالة على أرض الواقع المتزامن مع تراجع مصداقية أميركيا في العالم، فإن ذلك سيعيد الزخم إلى التزام الولايات المتحدة بقضايا حقوق الإنسان على الساحة الدولية، كما سينعكس إيجاباً على التغطية الإعلامية لأميركا والقضايا المنخرطة فيها، ومن ثم استعادة واشنطن بعضا من مصداقيتها المفقودة وسمعتها الملطخة؛ وبانضمامها إلى محكمة الجنايات الدولية تدلل أميركا مرة أخرى على قوتها الأخلاقية والتزامها بسيادة القانون، وقيادتها لمعركة الحرية والكرامة، وباختصار فإن ذلك من شأنه إبراز مدى استعداد الولايات المتحدة لممارسة نفوذها الإيجابي في العالم.

ومنذ استحداثها قبل خمس سنوات حققت محكمة الجنايات الدولية في العديد من القضايا مثل تجنيد الأطفال في الكونجو، وجرائم الاغتصاب والقتل التي تعرض لها النساء والأطفال في أوغندا، فضلا عن الجرائم التي ارتكبت في إقليم ''دارفور'' وخلفت مئات الآلاف من الضحايا المدنيين. وتظل تلك النماذج المرعبة أدلة كافية لدحض ادعاءات منتقدي المحكمة الخائفين من مثول جنود أميركيين أمامها، لأن مجرد تخيل وجود أفراد من القوات المسلحة الأميركية ضمن المجموعة السابقة يدعو للاستغراب؛ إن محكمة الجنايات الدولية لن تحاكم أميركا، لأن ما تطلبه المحكمة من الدول هو الإحجام عن ارتكاب جرائم بشعة، وأن تحاكم مواطنيها الذين قد يقدمون على ذلك.

ولا يمكن التعامل مع هذا المبدأ على أنه مثير للجدل، أو مهدد للمصالح الأميركية، لأنه يعتبر ببساطة جوهر سيادة القانون. لذا تبقى تكاليف الانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية هي نفسها تكاليف الحفاظ على القانون وضمان سيادته، وبالنسبة لبلد ملتزم منذ البداية بمبدأ حكم القانون، فإن الثمن سيكون صفراً وفي المقابل ستخسر أميركا الكثير من مصداقيتها في العالم إذا ما استمرت في إصرارها على رفض محكمة الجنايات الدولية.

*مستشار سابق لدى محكمة الجنايات الدولية

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور-20-9-2007