حملة التطهير الستالينية... الضحايا يرفضون الدفن

 

 

ماشا ليبمان

 

 

في مثل هذا الشهر منذ 70 عاماً، قام الطاغية الدموي جوزيف ستالين بمحو أي مظهر من مظاهر العدالة والإجراءات القانونية عندما أحل نظاماً بشعاً عرف باسم "محاكم الترويكا" صادق على أحكام إعدام بحق 436 ألف شخص في عام واحد فقط. وكان من المفروض أن يتم تخصيص الحفل الذي كان مقرراً إقامته لإحياء هذه الذكري، من أجل تكريم أرواح أولئك الضحايا، ولكن الحفل الذي أقيم في بداية هذا الشهر في ضاحية "بوتوفو" بموسكو التي شهدت مذابح جماعية خلال الفترة ما بين 1937- 1938 أظهر أن السلطات الروسية لديها الرغبة في إبعاد أذهان الشعب الروسي عن الجرائم المروعة التي وقعت في عهد ستالين وعن الذين ارتكبوها.

فالقداس الديني الذي أقيم بهذه المناسبة والذي أشرفت عليه الكنيسة الأرثوذكسية الروسية ركز في الأساس على أن الأشخاص الذين أُعدموا يعتبرون "شهداء" في نظر الدين، ولكنه غض الطرف تماماً عن الجرائم التي وقعت في ذلك الوقت، وعن الذين ارتكبوها. ومما يذكر في هذا السياق أن رئيس كنيسة "بوتوفو" كان قد أدلى بتصريح منذ 3 سنوات بصدد تلك المذبحة قال فيه إنه يعتقد أن أفضل شيء يمكن أن تقوم به الكنيسة هو عدم التفرقة بين القتلى وبين من أعدموهم، وإن الكنيسة يجب ألا تبحث عمن كان على صواب ومن كان على خطأ.

ربما يكون هذا الرأي مناسباً من وجهة نظر دينية كنسية -وأنا باعتباري علمانية لست في وضع يسمح لي بأن أحكم على ذلك- ولكنه بالتأكيد غير مناسب من وجهة نظر الأمة الروسية وخصوصاً بعد أن غدا الاحتفال بذكرى هذه المذبحة يمثل قضية وطنية، وبعد أن عرفت أسماء من أعدموا وأسماء من أعدموهم بموجب تلك المحاكمات.

ومن المعروف أن روسيا ليس لديها نصب تذكاري، ولا متحف وطني لإحياء ذكري المذابح الجماعية التي ارتكبت بحق الشعب السوفييتي، والتي كان العقل المدبر لها طيلة العقود التي استمر فيها الاتحاد السوفييتي هم أعضاء الحزب والأجهزة الأمنية للدولة علاوة على ذلك لا يوجد لدى روسيا مركز وطني يتم فيه الاحتفاظ بالوثائق التاريخية الخاصة بالقمع الجماعي الذي تعرض له الشعب السوفييتي.

ومنذ نهاية ثمانينات القرن الماضي، دأب بعض الأفراد والجماعات على العمل من أجل جمع مثل تلك المعلومات، ولكن محاولتهم ظلت غير منسقة إلى حد كبير ويمكن الحصول على مقتطفات من المعلومات التي تمكنت تلك الجماعات والأفراد من تجميعها هنا وهناك، بل وفي أماكن غير متوقعة على الإطلاق أحياناً مثل المقابر التي تم فيها دفن ضحايا المذابح الجماعية في الحقبة الستالينية.

والحكومة الروسية تعارض كشف جرائم الشيوعية للجمهور، ولا تحبذ التفكير فيها من الأساس. وهناك ميل لدى هذه الحكومة لتصوير الماضي على أنه كان سلسلة من الانتصارات المتوالية والتطورات الإيجابية، وأنه لم يكن هناك مجال في ماض مثل هذا لارتكاب مذابح أو أعمال رعب، وذلك حسبما يقول "ارسيني روجنسي" رئيس جماعة "ميموريال" لحقوق الإنسان الذي تمكنت جماعته من جمع مواد أرشيفية عن جرائم القمع والإعدامات طيلة الحقبة السوفييتية، وعملت على إتاحتها أمام الجمهور.

وهذه الجماعة أُسست في أواخر حقبة الثمانينات من القرن الماضي، عندما حاول الشعب الروسي مواجهة نتائج سنوات الطغيان السوفييتي وهي: تصفية الطبقة الأرستقراطية في البلاد، وإبادة الفلاحين، وقتل القساوسة، وتهجير الأقليات العرقية، واغتيال الفنانين، والمثقفين، وأعضاء النخبة الشيوعية، والقادة العسكريين.

في ذلك الوقت عرف الشعب من الذي ارتكب هذه الجرائم وكانت صيحة "تسقط الـكي.جي.بي" هي الصيحة التي رددتها الجموع الضخمة التي كانت تتظاهر في موسكو خلال سنوات البيروسترويكا.

أما اليوم فإن الشعب الروسي قد فقد الاهتمام بمعرفة الأسباب التي أدت إلى ذلك الجنون الدموي. وربما يكون أفراد الشعب على علم بنطاق تلك المذابح، ولكنهم لا يفضلون التفكير فيها والتحدث بشأنها. ففي استطلاع أجراه "مركز ليفادا الروسي" لاستطلاعات الرأي أعرب 70 في المئة ممن شاركوا في الاستطلاع عن رأيهم بأن الرعب الذي شهده العهد السوفييتي أيام ستالين يمثل جريمة غير مبررة، في حين رأت نسبة مماثلة أنه ليس من المناسب الآن البحث عمن يمكن أن يوجه إليهم اللوم عن تلك المذابح.

ويتفق هؤلاء في رأيهم مع الرأي الذي كان قد أبداه رئيس كنيسة "بوتوفو"، الذي أشرت إليه سلفاً، وخصوصاً أنه من المعروف أن رجال الكنيسة الأرثوذكسية كانوا يرتبطون تقليدياً بالدولة والحكام بصرف النظر عن الوحشية التي كان هؤلاء يتعاملون بها مع الشعب.

ولعل هذا هو ما دفع رجال هذه الكنيسة إلى توصيل الرسالة الضمنية التي كانت الدولة الروسية تود توصيلها وهي أن: الترحم على أرواح الضحايا قد يكون أمراً مقبولاً بشرط أن يتم ضمن حدود.. أما المناقشات العمومية الواسعة بشأن المذابح فهو أمر غير مرحب به، كما أن إقامة روابط بين الماضي وبين الحاضر ليست بالأمر الذي يُنصح به.

إن الدول التي تسعى إلى دفع روسيا إلى الاعتراف بذنبها والاعتذار عنه يجب أن تضع ذلك في حسبانها. لقد عانى الشعب الروسي ذاته أشد المعاناة على أيدي حكامه. وإذا كنا كدولة لن نقوم بمحاسبة أي أحد على مسؤوليته عن الأحزان والتعذيب والموت التي تعرض لها إخواننا في الوطن، فكيف سنعترف بالذنب عن الأذى الذي تعرض له آخرون؟

*محررة مجلة "برو إيت كونترا" التي يصدرها مركز كارنيجي بموسكو

و كل ذلك بحسب رأي الكاتبة في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"-23-8-2007