ضمانات حقوق الإنسان العراقي بين التشريع و التطبيق

 

المحامي  ملكو خوشابه

 

 

ظهر الاهتمام بحقوق الانسان وحرياته الاساسية واضحا بعد الحرب العالمية الثانية وذلك عن طريق النص على تلك الحماية في المواثيق  والاعلانات  والاتفاقات الدولية والاقليمية وكذلك النص في دساتير معظم  دول العالم وخاصة تلك الدول التي  سارت على نهج الديمقراطية في الحياة السياسية لبناء مجتمع اساسه مبني على حماية واحترام حقوق الانسان والحريات العامة ، حيث استندت تلك الدساتير على عدة مبادئ قانونية دولية لضمان هذه الحقوق وعدم التجاوز عليها من قبل السلطات العامة ، وان الدستور العراقي ايضا سار على نفس الخطى في النص على تلك المبادئ القانونية لضمان حقوق الانسان وحرياته الاساسية ومن اهم هذه المبادئ وهي :   مبداْ الفصل بين السلطات : وهو مبدأ سياسي للحكم ويستند على فصل السلطات الثلاث في الدولة الحديثة من السلطة التشريعية  والتنفيذية والقضائية  ويعتبر من اهم المبادئ الدستورية لضمان حقوق الانسان وحرياته الاساسية ، وظهر كرد فعل للسلطات المطلقة التي كانوا يتمتعون بها الملوك في تلك الفترة ، ونادى به (جون لوك ) في انجلترا ( ومونتسكيو ) في فرنسا في كتابه ( روح القوانين ) ، ويرى( مونتسكيو) ان هذا الفصل هو اكبر ضمانة لحقوق الانسان ويمنع استبداد وتعسف السلطة ، لان وضع السلطات في يد واحدة تؤدي الى انتهاكات هذه الحقوق حتى لو كانت هذه السلطة منتخبة من قبل الشعب ، ولكل سلطة اختصاصاتها وواجباتها وعدم التدخل في شوؤن السلطات الاخرى، وعلى الرغم من وضع مبدأ الفصل بين السلطات في الدساتير وتحديد صلاحيات واختصاصات كل سلطة في الدولة الا انه في الواقع العملي لايمكن تطبيقه حيث تؤدي في بعض الحالات الى تدخل السلطات في شوؤن بعضها وخاصة السلطة التشريعية والتنفيذية  وبالتالي تؤثر سلبا على حقوق الانسان ولايمكن الضمان على عدم انتهاك هذه الحقوق، اما بالنسبة للسلطة القضائية فقد بقيت نسبيا مستقلة باعتراف كل انظمة الحكم والدول الديمقراطية وهي ضمانة لنزاهتها وعدالتها، وفي النظام الرئاسي تسود السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية اما في النظام البرلماني تتوازن السلطة التشريعية والتنفيذية على اساس المساواة وفي النظام المجلسي تسود السلطة التشريعية على التنفيذية، لكننا لو القينا نظرة على مواد الدستور العراقي نرى بان نظام الحكم في العراق نيابي (برلماني ) كما جاء في المادة ( 1 ) (جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة ، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي ( برلماني ) ديموقراطي، وهذا الدستور ضامن لوحدة العراق ) فانه من المفروض ان تتوازن السلطة التشريعية والتنفيذية في القيام باختصاصاتها وواجباتها وان لا تؤدي بان تسود السلطة التشريعية في الدولة ، وان الدستور العراقي اساسه مبني على مبدأ الفصل بين السلطات مثلما جاء في المادة ( 47 )( تتكون السلطات الاتحادية، من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، تمارس احتصاصاتها ومهماتها على اساس مبدأ الفصل بين السلطات ) وهو افضل واهم ضمان لحقوق الانسان وحرياته الاساسية ، وايضا جاء في المادة ( 61 )( يختص مجلس النواب بما ياتي : ثانيا : الرقابة على اداء السلطة التنفيذية ) أي ان تنحصر دور السلطة التشريعية في الرقابة فقط على السلطة التنفيذية في الدولة وليس ان تسود هذه السلطة  بحيث تؤدي الى تحييد او تقييد من اختصاصاتها و مهامها لان حصر سلطتين بيد واحدة تؤدي الى استبداد وتعسف السلطة وبالتالي عدم ضمان حماية هذه الحقوق الرقابة القضائية: لضمان حماية حقوق الانسان في الدولة الديمقراطية يجب ان يضمن دستورها على وجود هيئة دستورية عليا تمتنع عن تطبيق او الغاء أي قانون او تشريع يتعارض مع نصوص الدستور لان وجود هذه الجهة او هيئة فان بامكان الافراد اللجوء اليها لتقديم  الطعون او الشكاوى من الضرر الذي يلحق بهم من جراء تنفيذه او تطبيقه ،ويمكن ان   تؤثر سلبا على الحقوق والحريات العامة مثلما جاء في الباب الثاني من الدستورالعراقي وهذا ايضا ما اكدته المادة ( 2 ) اولا / ج / تنص على عدم جواز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الاساسية، لان الدستور العراقي قد نص  في المادة (92) على وجود المحكمة الاتحادية العليا وهي هيئة مستقلة ماليا واداريا، وتختص هذه المحكمة كما جاء في المادة ( 93 ) (الرقابة على دستورية القوانين والانظمة النافذة وايضا تفسير نصوص الدستور ) ، وعلى الرغم من وجود هذه النصوص والمواد القانونية المتعلقة بضمان حماية حقوق الانسان في الدستور العراقي وعدم لجوء السلطات العامة في الدولة الى استخدام القسوة والتعسف في تنفيذ مهامها وواجباتها لترسيخ مبداْ سيادة القانون، لكن الواقع يظهر عكس ذلك حيث هناك انتهاكات يومية لهذه الحقوق تحت ذرائع ومبررات قانونية وغير قانونية ومن عدة جهات ، ومن التحديات التي تعرقل وتقوض الاجراءات الحكومية لمواجهة التدهورفي اوضاع حقوق الانسان ، الاعمال التي ترتكبها جماعات ارهابية عن طريق تفجير السيارات المفخخة والعبوات والاحزمة الناسفة والاقتتال الطائفي والتهجير القسري والقتل على الهوية تبقى المصدر الرئيسي للعنف في البلاد وايضا هناك الاعتقالات العشوائية العديدة التي تتم خارج نطاق القوانين النافذة في الوقت الحاضر من قبل القوات العراقية وقوات متعددة الجنسيات وتهديم الدور السكنية بحجة ملاحقة الارهابيين ، وانتهاك حقوق المرأة وما تتعرض له من اضطهادات مختلفة خاصة في مجال العمل والحرية الشخصية ، وما زالت حرية الصحافة في خطر محدق ولم يتم ايجاد الضمانات الحقيقية والجادة لتفعيل حرية الصحافة وحرية التعبير اللذين يشكلان العمود الفقري لبناء دولة القانون والمؤسسات، وكذلك انتهاك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي نص عليها الدستور من حيث البطالة متفشية في العراق وعدم وجود فرص عمل مناسبة للعيش الكريم ،اي ان الانتهاكات التي تحدث حاليا في العراق لا توجد في   اي دولة في العالم.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: جريدة الصباح-21-5-2007