احترام حقوق الإنسان يبدأ من البيت

 

ليزا سوهاي

 

 

لقد كنت أعتقد أنني أفهم تعريف حقوق الإنسان وأدرك معنى أن يقوم المرء بالدفاع عنها، بيد أنه تبين لي أن كل ما كنت أعرفه لم يكن سوى خليط مشوش من العناوين الرئيسية، والخطوط العريضة ترك فيّ شعوراً بالعجز عن إحداث أي تغيير له قيمة في هذا العالم فما الذي كان يمكن لأم لأربعة أطفال تعيش في فرجينيا أن تفعله من أجل إيقاف عمليات القتل الجماعي التي تدور رحاها في "دارفور".

وكانت "ماري روبنسون" هي التي جعلتني أدرك أنني كنت أسأل الأسئلة الخطأ. و"روبنسون" التي كانت تحمل عدة ألقاب منها رئيسة أيرلندا وكبيرة مفوضي الأمم المتحدة لشؤون حقوق الإنسان، هي التي وجهتني الوجهة الصحيحة، والتي أعتبرها من المناسبات التي لا تنسى في حياتي. وكان أهم الأشياء التي لا تنسى في تلك المناسبة تلك المشاعر الحميمة والدافقة التي أظهرتها "روبنسون" خلال حفل الاستقبال الذي سبق المحاضرة، والتي خلطت فيها بين كلماتها وبين كلمات منسوبة لـ"إيليانور روزفلت" زوجة الرئيس روزفلت التي شغلت منصب رئيسة المفوضية الأميركية لحقوق الإنسان عام 1948.

في ذلك الاستقبال كررت "روبنسون" ما كانت "إيليانور روزفلت" قد قالته ذات مرة أثناء إحدى محاضراتها عن حقوق الإنسان وهو: "أين تبدأ حقوق الإنسان العالمية في الأساس؟ إنها تبدأ في أماكن صغيرة.. قريبة للغاية منكم. إنها أماكن قريبة للغاية وصغيرة للغاية لدرجة أنها لا تظهر على أي خريطة من خرائط العالم" وواصلت "روبنسون" استشهادها بـ"إليانور روزفلت"، وقد بدت على محياها علامات النشوة عندما قالت: "ولكن هذه الأماكن الصغيرة جداً والقريبة جداً هي العالم الذي نعيش فيه، إنها الأحياء التي تضم مساكننا، والمدارس والكليات التي يتعلم فيها أبناؤنا، المزارع التي نفلح فيها الأرض والمصانع والمكاتب التي فيها... وما لم تكن لحقوق الإنسان معانٍ في تلك الأماكن في المقام الأول فلن يكون لها أي معنى -أو معنى ضئيل للغاية- في أي مكان آخر...ما لم يقم كل منا بمجهود لدعم تلك الحقوق والدعوة إليها من خلال عمل منسق تتكامل فيه جهودنا مع الآخرين في كل تلك الأماكن، فإننا سنظل نتطلع طويلاً إلى تحققها في العالم الأوسع قبل أن ندرك أن انتظارنا سيطول ربما إلى ما لا نهاية".

الكرامة والاحترام من الموضوعات البسيطة جداً والمهمة جداً التي تغيب في الكثير من الأحيان عنا، عندما يتعلق الأمر بالتفكير في حقوق الإنسان. إننا لا نسأل أنفسنا كم مرة قمنا فيها بالتعدي على حقوق الآخرين ممن نعمل ونعيش معهم؟ وكم مرة لم نظهر لهم الاحترام اللازم الذي يحفظ لهم كرامتهم.

إننا نتطلع دائماً إلى أماكن كبيرة على الخريطة، ونتمنى أن تسود فيها حقوق الإنسان، في حين أننا في الواقع العملي وفي الحقيقة نفتقد إلى أبسط الطرق التي يمكننا بها المساهمة في هذا الموضوع الكبير من خلال المحافظة على حقوق وكرامة واحترام الأشخاص الذين يحيطون بنا لقد كنت أسأل نفسي كم من مرة وقفت عاجزة عن أن أفعل شيئاً في الوقت الذي كان أحد زملائي في العمل يتعرض للإهانة أو للحط من قدره أو يتم استهدافه من خلال إشاعات أو أقوال كاذبة وشريرة وأين كان صوتي عندما كان يتم تلويث سمعة شخص نظيف يرشح نفسه لتولي منصب عام بواسطة شخص أو أشخاص آخرين ينافسونه في ذلك؟ بل وما الذي كنت أفعله للرد على الأكاذيب التي تتردد عن أشخاص معينين والتي أقرؤها يومياً على شبكة الإنترنت أو على شاشة التلفاز بل وعلى هاتفي النقال؟ هل اعترضت على ذلك؟ لا لم أعترض. وإنما كنت أتغاضى عنها وأتركها تمضي في سبيليها. ولم أكن أنا فقط من يفعل ذلك، ولكن كل من كانوا حولي كانوا يفعلون نفس الشيء. وليس من كانوا حولي فقط، وإنما أيضاً أناس كثيرون في العالم يقومون بغض الطرف عن المآسي التي يرونها من حولهم ولا يملكون الشجاعة للاعتراض عليها أو محاولة التخفيف عن ضحاياها وبعد هذا الاستطراد أعود مرة أخرى لما قالته "روبنسون" في محاضرتها وبالذات قولها: "إن حقوق الإنسان تبدأ هنا من خلال توعية أطفالنا بها حتى قبل أن يلتحقوا بمدارسهم. ومن خلال شراء المنتجات التي تتم من خلال إجراءات تجارية عادلة وشراء القهوة من جهات لم تقم باستغلال المزارعين الفقراء في البلاد المنتجة لها والتي لا تراعى فيها حقوق الإنسان" لقد فتحت "روبنسون" عيني على الكثير من الحقائق التي كانت غائبة عني والتي جعلتني أتعهد أمام نفسي بأن أكون أكثر تمهلاً وأن أقرأ ما هو أكثر من العناوين الرئيسية، وأن أذهب لما وراء الخطوط العريضة، وأن أفحص البطاقات الملصقة بالبضائع كي أعرف منشأها وما إذا ما كانت قد وصلت إلى أرفف المحلات هنا من خلال إجراءات تجارية عادلة أم لا، وأن أراعي نبرة الصوت التي استخدمها مع الأصدقاء ومع الغرباء على حد سواء، وأن أعمل على التواجد دائماً في الأماكن التي قالت "إليانور روزفلت" إن حقوق الإنسان تبدأ فيها، وأن أكون قادرة على أن أقول بملء صوتي بأنني أسير على الدرب الصحيح، وأن ذلك يرجع إلى "ماري روبنسون" في المقام الأول.

*مؤلفة أميركية متخصصة في الكتابة عن الأطفال لها سبعة مؤلفات من أشهرها "عرائس البحر وجاك الأصفر".

و كل ذلك بحسب رأي الكاتبة في المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"-29-10-2006