أداة جديدة لمراقبة معاداة الأجانب في سويسرا

 

 

أصبحت سويسرا تتوفر على أداة مراقبة للمواقف المُبغضة لفئات من البشر وللتطرف اليميني ستسمح لها بمقارنة الوضع في البلاد مع دول أوروبا وأظهرت أولى دراسة أجريت في هذا الإطار أن أكثر من نصف السويسريين لديهم أحكام مُسبقة عن الأجانب، لكن 77% منهم يؤيدون اندماجا أفضل لهم. وبينما يميل 7% للتطرف اليميني، يرفضه 90%.

في إشادته بهذه السابقة، قال ميشيل غاليزيا، رئيس قسم مُناهضة العنصرية في وزارة الداخلية السويسرية "لم تكن لدينا أية معطيات عن التطرف اليميني. وبالتالي، كان علينا الاعتماد على استطلاعات الرأي التي تنشرها وسائل الإعلام. والآن، سنستطيع أخيرا الظهور بشكل جيد أمام زملاءنا الأوروبيين، وحتى في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة!" وقد تطلب الأمر تصاعد أعمال عنف اليمين المتطرف لتقرر الحكومة السويسرية التحرك، لكن لمعالجة المرض يجب أولا تشخيص أعراضه وهذا ما تم بالفعل، إذ طورت كلية علوم الإجتماع في جامعة جنيف أداة تسمح بقياس المواقف المُبغضة لفئات من البشر وسلوك اليمين المتطرف في سويسرا ونشر الصندوق الوطني السويسري للبحث العلمي يوم السبت 24 يونيو الجاري في برن نتائج التحقيق الذي أنجزته الكلية بعنوان "الدراسة حول المواقف المُبـغِضة لفئات من البشر والمعادية للأجانب في سويسرا"، وهو أول تحقيق وطني استخدم هذه الأداة المتوافقة مع المعايير الأوروبية وأجريت هذه الدراسة في إطار مشروع للصندوق الوطني السويسري للبحث العلمي بعنوان "التطرف اليميني: الأسباب والإجراءات المضادة".

تـحديـد المفاهـيم

وحرص الباحثون على التوضيح بأنهم حددوا مفهوم مصطلح "بـُغض فئات من البشر" (Misanthropie) بـ"رفض بعض الفئات من الأشخاص، غالبا الأقليات، مثل المعوقين والنساء والمثليين واليهود والمسلمين والمشردين"، بينما تشمل معاداة أو كره الأجانب (Xénophobie) "الخوف أو رفض المهاجرين".

فهل السويسريون إذن أكثر بـُغضا لفئات من البشر أو معاداة للأجانب مقارنة مع جيرانهم الأوروبيين؟ عن هذا السؤال، تجيب سيمون برودييي، أمينة اللجنة الفدرالية للأجانب: "كما جرت العادة في كل المجالات، يوجد السويسريون في متوسط الترتيب".

ولإنجاز التحقيق الأول، أجرى فريق باحثي كلية علوم الاجتماع في جامعة جنيف، تحت إشراف كاتب الدراسة الأستاذ ساندرو كاتاسان، 3000 لقاء فردي مع عينة مُمثلة للمجتمع السويسري، واستغرقت مدة كل لقاء زهاء 40 دقيقة.

أربع مجموعات

وسمحت هذه اللقاءات لفريق كاتاسان بتقسيم 85% من المُستجوبين، من سويسريين وأجانب مقيمين في الكنفدرالية، إلى أربع مجموعات :

- المجموعة التي أطلق عليها الباحثون اسم "الطبقة المُبتكٍـرة" (37%)، تعارض أي موقف معاد للأجانب أو مُبغض لفئات من البشر. أعضاءها المتواجدون على يسار الخارطة السياسية ينتمون للوسط الحضري، مُثقفون، وشباب في الغالب.

- لدى مجموعة "الوطنيين المحافظين" (23%)، تظل المواقف المعادية للأجانب أو المُبغضة لمجموعات من البشر هي المسيطرة. يستقر أعضاءها في يمين الخارطة السياسية. مُستواهم الثقافي أدنى في الغالب من الفئة الأولى، معظمهم يؤمنون بديانتهم، وينظرون بقلق إلى المُستقبل.

- أما "المقاولون الليبراليون" (16%) فيخافون من الأجانب، لكنهم يقبلون بالاختلاف وليسوا مبغضين للبشر. يؤيدون العدالة والنظام، ويوجدون على يمين الخارطة السياسية، كما يثقون في قوى السوق الحرة.

- أخيرا، تُسيطر المواقف المعادية للأجانب والمبغضة لفئات من البشر في أوساط مجموعة "التقليديين التائهين" (9%). أعضاء هذه الفئة ليسوا ملتزمين سياسيا. يخافون من المستقبل ويمكن أن يتصوروا اللجوء إلى القوة.

وفي تصريحاته لوكالة الأنباء السويسرية يوم الأحد 25 يونيو، أعرب كاتب الدراسة ساندرو كاتاسان عن اعتقاده أن هذه المجموعة الأخيرة هي مصدر القلق إذ تتكون من أشخاص منقطعين في الغالب عن المجتمع.

أما "الوطنيون المحافظون" فيُُعتبرون "مقلقين بدرجة طفيفة" لأنهم يعترفون (جزء منهم على الأقل) باللجوء إلى العنف. في المقابل، لا يزالون طرفا في المجتمع وفي القيم الديمقراطية، رغم ابتعادهم الكبير عن طريق التوافق لحل المشاكل.

ويستنتج الأستاذ كاتاسان أنه يمكن تصنيف ما بين 3,8 و7% من سكان سويسرا ضمن تيار اليمين المتطرف الذي ترفضه بوضوح نسبة 90% من المُستجوبين.

تناقض

ومن مناطق الظل التي كشفت عنها الدراسة اعتراف 23% من المُستجوبين بعدائهم للسامية. ويعتبر الأستاذ كاتاسان هذه النسبة نتيجة للانتقادات اللاذعة التي تعرضت لها سويسرا بسبب الجدل حول ودائع اليهود في المصارف السويسرية خلال الحقبة النازية وللأحداث الجارية في منطقة الشرق الأوسط.

عموما، أظهرت الدراسة الجديدة أنه يمكن نعت أكثر من نصف المُستجوبين بـ"المعادين للأجانب". في المقابل، يؤيد 85% الملاحقات الجنائية ضد التصريحات العنصرية، 77% يدعمون إدماجا أفضل للأقليات في المجتمع، و55% من المشاركين يساندون تسهيل إجراءات حصول الأجانب على الجنسية السويسرية.

فكيف يمكن تفسير هذا التناقض؟ تـرُد سيمون برودوييي في تصريحاتها لسويس انفو: "إن هذا الرقم يعكس تماما ازدواجية السويسريين إزاء الآخر".

من جانبه، أوضح الأستاذ كاتاسان أنه يمكن دائما تفسير الأرقام بطرق مُختلفة، مضيفا "لكن هذه التناقضات الظاهرية توضح في الواقع نضج السويسريين المطلعين بشكل جيد على ظاهرة الهجرة. فرغم خوفهم من الآخر، يعترفون بأن الأجانب هم أيضا "صانعي سويسرا".

الكرة في ملعب السياسة

ويرى الأستاذ كاتاسان أن الأداة الجديدة لقياس المواقف المبغضة لفئات من البشر أو المعادية للأجانب هي بمثابة "نظام إنذار ممتاز للتلاحم الوطني"، إذ "ستسمح بإجراء التحقيق كل عامين وتحديد الاختلافات حسب تطور الظرف الاجتماعي والاقتصادي" والآن بعد توفر الأداة، ماذا بعد؟ يبدو أن الكرة في ملعب السياسة، إذ يتعين حسب ميشيل غاليزيا، رئيس قسم محاربة العنصرية في وزارة الداخلية السويسرية البدء بـ"تحليل الدراسة والنظر في كيفية تحويلها إلى أداة مراقبة حقيقية تسمح لنا بتحديد نقاط المقارنة حسب الفترات الزمنية" ويأمل كاتب الدراسة الأستاذ كاتاسان اعتماد الأداة الجديدة ضمن نظام تناوب بين مختلف معاهد سبر الآراء التي تعمل بشكل خاص بعد الاستفتاءات الشعبية، ولم لا إنشاء مركز كفاءات خاص وفي هذا السياق، نوه السيد غاليزيا إلى "ضرورة إيجاد أسلوب لتوزيع تكاليف هذه المراقبة المُنتظمة بين مختلف المكاتب الفدرالية".

الـسـيـاق

أنجزت الدراسة الجديدة في إطار مشروع للصندوق الوطني السويسري للبحث العلمي بعنوان "العنف اليومي - جريمة منظمة".

يهدف البرنامج إلى فهم أفضل لظروف تكوين أقصى اليمين في سويسرا وخصائصه الاجتماعية وتكاثره.

نتيجة انشغالها العميق بتصاعد أعمال عنف أقصى اليمين، رصدت الحكومة الفدرالية ميزانية إضافية لهذا البرنامج بقيمة 4 ملايين فرنك لإنجاز بحث مُكمل له على مدى ثلاث سنوات بعنوان "التطرف اليميني: الاسباب والاجراءات المضاداة".

معلومات أساسية

- أجرى الباحثون في إطار دراسة "التطرف اليميني - الأسباب والإجراءات المضادة" 3000 لقاءات فردية استغرقت زهاء 40 دقيقة مع سويسريين وأجانب مقيمين في سويسرا، وطرحوا أسئلتهم في صيغة إيجابية.

- 90% من المُستجوبين يرفضون الترطف اليميني. 77% يدعمون اندماجا أفضل للأقليات، و55% يؤيدون تسهيل إجراءات منح الجنسية السويسرية.

- حدد الباحثون مفهوم "بُغض فئات من البشر" برفض بعض الفئات من الاشخاص، غالبا الاقليات، مثل المعوقين والنساء والمثليين واليهود والمسلمين والمشردين. اما معاداة الاجانب، فتشمل حسب الدراسة "الخوف أو رفض المهاجرين".

 وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: swissinfo-28-6-2006