قل الحقيقة!

 

عائشة المري

 

 

"لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة"  المادة الخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. صور سريالية لكتل آدمية عارية، أجساد تحمل أخاديد وندوباً، بزات برتقالية فاقعة، أكياس سوداء تغطي الوجوه، كراسي تختلط فيها دماء المعتقلين، زنزانات شهدت ومازالت تشهد آلاماً بشرية خلاصها في راحة الموت. صور تصدم الإنسانية في واقعيتها، صور تحمل أحط ما في النفس البشرية حين تعتلي تحمل عصا الجلاد وتعتلي السلطة. ثنائية "الضحية" و"الجلاد" تحمل صورة ذهنية غائمة لاتهام أخلاقي لأفعال اقترفت عبر سلسلة من الإجراءات القانونية من الاعتقال، فالتحقيق، الاتهام وصولاً للمحاكمة. سلسلة إجراءات هي بطبيعتها إجراءات قانونية تحكمها قوانين الدول، لكن ما ينقلها لخانة الاتهام كلمة واحدة وهي "التعذيب". كلمة تثير الاشمئزاز والتقزز، اتهام أخلاقي مشين للدول قبل أن يحمل صورة أمر عسكري وعصا بيد الجلاد. فالقاعدة القانونية تقول إن المجرم بريء حتى تثبت إدانته، فالذنب يحتاج إلى إثبات، لكن قد يكون الحد الفاصل بين البراءة والذنب كلمة انتزعت تحت "التعذيب"، والإدانة تتطلب محاكمة عادلة وقضاءً نزيهاً، مفردات قد تستعصي على الكثير من الدول لذا يستمر التعذيب. ومازال التعذيب ممارسة نمطية في غالبية دول العالم لا تختلف إلا في طريقة إدارته فبين التقليدي والمبتكر من وسائل التعذيب، بين التعذيب النفسي والجسدي، تصطف دول العالم وتتباين مراكزها لا فارق بين الديمقراطي فيها وغير الديمقراطي، وفي الحرب "الإرهابية " على "الإرهاب" يتعرض مبدأ تحريم التعذيب للتقويض والانتهاك إذ لا تلجأ الحكومات فقط لاستخدام التعذيب وإساءة المعاملة كممارسة، وإنما تسعى كذلك إلى جعل هذا الأمر قضية مبررة أخلاقياً ومقبولة محلياً ودولياً، وهنا الإشكالية الأخلاقية قبل القانونية.

في السادس والعشرين من يونيو 1997 أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة رسمياً عن هذا اليوم كيوم عالمي لدعم ومساندة ضحايا التعذيب, وقد جاء هذا الإعلان لتذكير الرأي العام الدولي حول أهمية اتفاقية مناهضة التعذيب التي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 يناير عام 1984 والتي دخلت حيز التنفيذ عام 1987. وكان البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية لمناهضة التعذيب، قد دخل حيز النفاذ يوم الخميس الماضي 22 يونيو 2006، والذي يهدف إلى منع التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة من خلال نظام للزيارات المنتظمة إلى جميع أماكن الاعتقال. ويأتي احتفال العالم اليوم بهذه المناسبة الرمزية بعد أسبوع على بدء أعمال مجلس حقوق الإنسان الجديد، والذي ينتظر أن يؤسس لحقبة جديدة من دعم وتعزيز حقوق الإنسان في العالم. ولعل تحريم التعذيب من الممارسات الأولية والمستمرة التي يجب الوقوف أمامها بحزم، وهذا ما أكدته المفوضة السامية لحقوق الإنسان "لويز آربور" في كلمتها أمام مجلس حقوق الإنسان قائلة "إنه لأمر حيوي أن تتقيد جميع الحكومات بالقانون في ردها على الإرهاب.. وهذا يشمل حظراً تاماً للتعذيب واحترام حق المعتقلين في إجراء محاكمات عادلة"، منتقدة مراكز الاعتقال السرية التي "يمكن أن تضر بحكم القانون وحقوق الإنسان وتخلق بيئة مواتية لانتهاكات أخرى".

عرفت اتفاقية مناهضة التعذيب في مادتها الأولى مفهوم التعذيب بأنه: أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسدياً كان أم عقلياً، يلحق عمداً بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه، هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث -أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أياً كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية. ولا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية أو الملازم لهذه العقوبات أو الذي يكون نتيجة عرضية لها. ويستند تحريم وتجريم التعذيب إلى العرف الدولي فهو محرم دولياً وينطبق على جميع الدول حتى تلك التي لم تنضم إلى معاهدات دولية تحظر التعذيب وهذا الانطباق يشمل جميع الظروف بدون استثناءات أياً كان نوعها أو مصدرها في أوقات السلم كما في أوقات الحروب، في حالة الطوارئ العامة أو الأحوال الاعتيادية، ممارسة مرفوضة جملة وتفصيلا في القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني - المطبق في النزاعات المسلحة– واعتبر نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الذي يغطي الجرائم الأكثر بشاعة المنصوص عليها في القانون الدولي، التعذيب وسوء المعاملة كجريمة ضد الإنسانية وكجريمة حرب.

بين المطلق والنسبي في سياسات حقوق الإنسان تصطف الدول وتتباين وجهات النظر، وبين الإنساني والقانوني مناطق اتفاق واختلاف ومناطق رمادية بين هذا وذاك، لكن لا يمكن تسويغ التعذيب تحت أي بند من البنود أو تحت أي ظرف من الأمن الوطني أو محاربة الإرهاب إلى مسائل أبسط. فالحظر المطلق للتعذيب وسوء المعاملة لا يترك مجالاً للموازنة بين المصلحة الوطنية كما تحتج بعض الدول وبين حقوق المعتقلين والأفعال اللاإنسانية أياً كان نوعها. التعذيب وسوء المعاملة غير قانونيين بالمطلق ولا أخلاقيين ولا يمكن تبريرهما أبداً أو حتى الإيحاء بأنه يمكن تبريرهما في بعض الظروف، فالغايات النبيلة لا تبررها الأفعال اللاأخلاقية، وتاريخياً لا توجد حالات معزولة للتعذيب أو مرة واحدة فقط، فالدول التي تمارس التعذيب كأدوات مشروعة للحكم في الظروف القصوى، مع الوقت تصبح واسعة الانتشار وبالتالي تصبح الوسائل المستخدمة أكثر تطرفاً والظروف التي تُستخدم فيها أقل تطرفاً بشكل متزايد، ويصبح التعذيب أداة للقمع ولممارسة السلطة المطلقة، عندها يصبح التعذيب روتيناً.. التعذيب كلمة مشحونة بألم بشري عظيم، فهل يمحو يوم عالمي لمساندة ضحايا التعذيب ألم يوم واحد تحت التعذيب؟ وهل تختفي كوابيس التعذيب من أحلام الخارجين من الزنزانات؟ إن ضحايا التعذيب يستحقون أكثر من يوم للمساندة، أكثر من يوم للدعم، أكثر من مناسبة لراحة الغفران من آثام التعذيب، فالضحية تحمل آثام جلادها معها، والغفران يتطلب اعتراف الجلاد، فهل تعترف الدول... أشك في ذلك؟

و كل ذلك بحسب رأي الكاتبة في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-26-6-2006