مجلس حقوق الإنسان"... هل يفك الارتهان للسياسة؟

 

محمد ولد المنى

 

 

هل حقاً بدأ العالم عهداً جديداً من العمل في مجال حقوق الإنسان، كما قال كوفي عنان لدى افتتاحه الدورة الأولى من أعمال "مجلس حقوق الإنسان"؟

في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف بدأت يوم الاثنين الماضي دورة المجلس الجديد، بانتخاب السفير المكسيكي "لويس الفونس دي ألبا" أول رئيس له، كما شرع المجلس خلال دورته التي تستمر أسبوعين ويحضرها وزراء ومسؤولون من 100 دولة، في إعداد نظامه الداخلي وأجندة عمله وآلياته الجديدة، وأطلق مراجعة شاملة للمرجعيات والمسؤوليات السابقة، كما سينتخب رؤساء الفرق التابعة له.

يعود تأسيس مجلس حقوق الإنسان إلى مبادرة من أمين عام الأمم المتحدة كوفي عنان الذي قدّم في مارس 2005 خطة لإصلاح المنظمة الدولية، تضمنت إنشاء مجلس يحل محل "مفوضية حقوق الإنسان" التي واجهت طريقة أداء عملها انتقادات عديدة خلال السنوات الأخيرة. وكانت المفوضية التي مضى على تأسيسها أكثر من 60 عاماً، تضم في عضويتها 53 دولة، منها دول ذات سجلات سيئة في مجال حقوق الإنسان، ومن ثم فكثيراً ما لجأت إلى التكتل لتعطيل أية إجراءات فعالة لوقف الانتهاكات. كما فقدت المفوضية السابقة مصداقيتها بسبب عدم احترامها لحقوق الإنسان ذاتها، فضلاً عن المساومات السياسية التي كانت تشهدها خلال دوراتها الطويلة التي كانت تدوم ستة أسابيع، وتنقلب إلى مشاحنات بين الدول الأعضاء والمنظمات غير الحكومية لكن "مجلس حقوق الإنسان" يعد كذلك ثمرة لجهود أوروبية دفعت فكرة إنشائه نحو الأمام، وكان سفير السويد في الأمم المتحدة "يان إلياسون"، الرئيس الدوري للجمعية العامة للأمم المتحدة، هو من طرح في الثالث والعشرين من فبراير الماضي على الدول الأعضاء في الجمعية (191 دولة) مسودة قرار بإنشاء مجلس لحقوق الإنسان، استمرت المداولات حولها خلال أزيد من شهر قبل أن تعرض على التصويت. ودافع "إلياسون" عن مشروع القرار معتبراً إياه أفضل تسوية ممكنة بعد عدة أشهر من المفاوضات التي أجريت برعايته. وجاء أكبر تأييد لمشروع إنشاء المجلس من الاتحاد الأوروبي الذي أعلن تبينه للمشروع، باعتباره "أفضل صيغة تتجاوب مع متطلبات المسؤولية الدولية إزاء قضايا حقوق الإنسان". كما حصل المقترح السويسري على تأييد الأمين العام للأمم المتحدة، وعلى دعم كبير من أغلب المنظمات الناشطة في المجال الحقوقي إلا أن الولايات المتحدة عارضت تأسيس المجلس وبذلت جهوداً كبيرةً منذ البداية لإجهاض فكرة إنشائه، ودعت في المقابل إلى إجراء تغييرات في مفوضية حقوق الإنسان باعتبارها "هيئة قابلة للإصلاح"، وهدد السفير الأميركي في الأمم المتحدة "جون بولتون" بالتصويت ضد إنشاء المجلس إذا ما طرح للاقتراع أمام الجمعية العامة، وطالب في فبراير الماضي بإعادة المفاوضات حول إنشائه أو تأجيله عدة أشهر لكن الجانب الأوروبي، وأطرافاً أخرى لم تنس لأميركا رفضها الانضمام إلى اتفاقية "كيوتو" وموقفها من اتفاقية "المحكمة الجنائية الدولية" وكذلك انسحابها من اتفاقية الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية... عارض إعادة التفاوض على مشروع "مجلس حقوق الإنسان"، إذ من شأن ذلك أن يفتح الباب أمام محاولات متعددة لتعديل نص المشروع وأخيراً أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة، يوم 15/3/2006 وبأغلبية ساحقة، إنشاء مجلس حقوق الإنسان، حيث صوتت 171 دولة من أصل 191 لصالح الهيئة الجديدة، وعارضتها 4 دول بينها الولايات المتحدة التي أعلنت أنها لن تسعى للحصول على مقعد في المجلس الجديد، متهمة إياه بالافتقار إلى ضوابط لمنع عضوية الدول ذات السجل السيئ في مجال حقوق الإنسان.

ووفقاً لقرار إنشاء المجلس فإنه هيئة فرعية تابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، يتخذ من جنيف مقراً له، ويحل محل "مفوضية حقوق الإنسان"، وتناط به "مسؤولية تعزيز الاحترام العالمي لحماية جميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية، دون تمييز من أي نوع وبطريقة عادلة ومنصفة". ويجتمع المجلس في مقره ثلاث مرات خلال العام، لمدة أقلها 10 أيام، إضافة إلى الاجتماعات التي تتطلبها الظروف أو الأوضاع الطارئة. أما تركيبة المجلس فتتألف من 47 دولةً عضواً تنتخبها أغلبية أعضاء الجمعية العامة بالاقتراع السري المباشر وبشكل فردي، وذلك وفقاً لتوزيع جغرافي يمنح أفريقيا 13 مقعداً، وآسيا 13 مقعداً، ومجموعة أوروبا الشرقية 6 مقاعد، وأميركا اللاتينية 8 مقاعد، وأوروبا الغربية 7 مقاعد. وتمتد فترة ولاية الأعضاء 3 سنوات، يجوز تجديدها على التوالي مرة واحدة فقط.

ووفقاً للتوزيع السابق، فقد تم انتخاب أعضاء المجلس في التاسع من مايو الماضي، وفازت ضمن المجموعة الأفريقية أربعة بلدان عربية هي: تونس والمغرب والجزائر وجيبوتي. كما فازت ضمن المجموعة الآسيوية ثلاث دول عربية أيضاً هي: السعودية والبحرين والأردن، فيما لم ينجح ترشيح كل من مصر والعراق وقطر وإيران. لكن خلال أول يوم في الدورة الأولى الحالية للمجلس، انتخب أربعة نواب لرئيسه، بينهم اثنان عربيان هما محمد ليلشكي من المغرب، وموسى بريزات من الأردن وبصرف النظر عن حجم التمثيل العربي في المجلس، والذي هو في دلالته العامة جزء من أزمة قضايا حقوق الإنسان ومضاعفاتها على الساحة الدولية، فإن التحدي الرئيسي أمام المجلس هو إبراز المواصفات التي تميزه وتجعله قوة فعالة أكثر من المفوضية السابقة، ومن ثم يتحتم عليه الابتعاد عن سياسة المعايير المزدوجة وأن يعمل على تحرير حقوق الإنسان من وطأة أو اختطاف السياسة لها طوال السنوات الماضية، الأمر الذي أفرغها من مضمونها الإنساني وحولها إلى ساحة للصراع والصدام. وعلى المجلس، بكل تأكيد، أن يضع الملف الفلسطيني على جدول أعماله بشكل دائم، وأن يعطي اهتماماً أكبر لمعاناة العالم النامي، ولتتبع الانتهاكات التي ترتكبها الدول الكبرى خارج حدودها... فهل يفك المجلس ذلك الارتهان المزمن لحقوق الإنسان في شباك السياسة؟!

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-24-6-2006