العالم يحتفل باليوم العالمي للاجئين: 200 مليون نسمة يعيشون خارج أوطانهم

 

 

لبنان: تجارة بشر ومافيات ابتزاز وأطفال من دون هوية أو حماية

أحيت المنظمات الدولية والأهلية في ما يزيد عن 191 دولة أمس، اليوم العالمي للاجئين والمهاجرين، كما قامت عدة منظمات بمسيرات وفعاليات عديدة بهذه المناسبة وحسب تقارير للامم المتحدة فإن نحو 200 مليون نسمة يعيشون في دول لم يولدون فيها، هو رقم يشكل أكثر من 3 في المائة من سكان العالم. وحسب التقارير فإن عدد المهاجرين زاد على الضعف منذ سنة 1970، ويعيش 60 في المائة من مهجري العالم في الدول الأكثر نموا، و40 في المائة في الدول الأقل نموا. ويعيش معظم مهاجري العالم في أوروبا، حيث يبلغ عددهم أكثر من 56 مليون نسمة، وآسيا أكثر من 50 مليون نسمة، وأميركا الشمالية 41 مليون نسمة، وفي المناطق الاكثر نموا تكاد تبلغ نسبة المهاجرين إلى باقي السكان 1 من 10، أما في البلدان النامية فتبلغ نسبتهم 1 من 70.

وبمناسبة اليوم العالمي للمهاجرين أعرب المفوض الأوروبي المكلف شؤون الأمن والعدل والحرية، فرانكو فراتيني، عن أمله في تمكن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي من التوصل إلى سياسة أوروبية موحدة بشأن اللجوء بحلول 2010، «بحيث يتمكن جميع طالبي اللجوء في مختلف دول الاتحاد من الحصول على معاملة موحدة والتمتع بالقدر الكافي من الحماية وفق معايير واضحة». وجاءت كلمة فراتيني في بيان صدر أول من أمس عن مكتبه بهذه المناسبة، حيث أشار إلى أن نقاشاً أوروبياً عاماً بهذا الصدد سوف يطلق في العام المقبل، ودعا كل الأطراف إلى المشاركة والإدلاء بأفكارها للتوصل إلى الهدف، حسب تعبيره. وأشار المفوض الأوروبي إلى أن التحدي الأكبر الذي يواجه أوروبا في الوقت الحاضر يتلخص في كيفية وضع المعايير الكفيلة بالتمييز بين الأشخاص الذين يحتاجون فعلاً لحماية دولية وبين من لا يحتاجون لذلك في ظل التبعات الثقيلة التي يتحملها الاتحاد بسبب تفاقم مشكلة المهاجرين غير الشرعيين. وأوضح أن المفوضية الأوروبية تبذل جهوداً حثيثة من أجل التوصل إلى مقاربات متماسكة على المستوى الأوروبي وتحديث الإطار القانوني الذي يحدد وضع اللاجئين بانتظار التوصل إلى نظام موحد على مستوى القارة الاوروبية. وأشاد فراتيني بـ«التقاليد الأوروبية التي تتبنى قيم التسامح والحماية وإيواء اللاجئين» مشيرا في الوقت نفسه إلى «إسهامات المهاجرين في إثراء المجتمعات الأوروبية عبر السنوات الماضية». وأضاف «إعداد سياسات اندماج متماسكة وجيدة كفيلة بإثراء أوروبا».

وكانت المفوضة الأوروبية المكلفة الشؤون الخارجية وسياسة الجوار، بينيتا فيريرو فالدنر، قد أكدت في وقت سابق على أن مسألة الهجرة أصبحت بالنسبة لأوروبا حقيقة يجب التعامل معها، و«لا يمكن حل هذه المشكلة بشكل فوري». وقالت المفوضة الأوروبية في كلمة لها، ألقتها في افتتاح مؤتمر نظمته الحكومة البلجيكية في يناير الماضي، حول الهجرة في أوروبا، إن «أوروبا بحاجة إلى المهاجرين، لأن عدد الأوروبيين يتضاءل وأصبحوا في غالبيتهم من كبار السن»، وتابعت «في النمسا مثلاً، سيتضاءل عدد السكان بمعدل الربع حتى عام 2050، إذا أغلق الباب أمام المهاجرين، أما في إيطاليا، فإن واحدا من ثلاثة إيطاليين يبلغ من العمر أكثر من 65 عاماً، وهذا ما سيؤدي إلى خلو الكثير من الوظائف، وتراجع ملحوظ في مستوى الخدمات». وأوضحت فالدنر «نريد هجرة شرعية، لا هجرة تجر علينا، وعلى المهاجرين الكثير من المشاكل والأزمات». واضاف «إن الأمر الأساسي هو إقامة التوازن بين العمل على تقليص الهجرة غير الشرعية، واستقبال مهاجرين نحن بحاجة إليهم، من أجل رفاهيتنا الاجتماعية والاقتصادية». وعلى مستوى الدول العربية، يستقطب لبنان نسبة كبيرة من اللاجئين غير الشرعيين قياسا على مساحته وعدد سكانه وإمكانياته، كما يعتبر ممرا لتجارة البشر بين القارات، وفق تقارير المنظمات العالمية المهتمة بهذا الملف. وفي ظل هذه المعطيات كان الاحتفال بيوم اللاجئ العالمي في بيروت مدخلا إلى واقع مأساوي يعيشه بضعة آلاف من العراقيين والسودانيين والمصريين والصوماليين، إضافة إلى رعايا من دول الشرق الأقصى وأفريقيا. نظم الاحتفال المكتب الإقليمي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وشاركت فيه جمعيات أهلية تهتم بواقع اللجوء وتقدم الدعم المادي والاجتماعي الى هؤلاء الذين يفتقدون أدنى مقومات الحياة الكريمة وأشار الممثل الإقليمي لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في بيروت، ستيفان جاكميه، الى أن لبنان ليس مجهزا أو قادرا على تأمين الاندماج المحلي للاجئين غير الفلسطينيين نظرا لاعتبارت اجتماعية واقتصادية وديموغرافية. لذا كان العمل على التوصل إلى حل وسط ترجم مذكرة تفاهم مع المديرية العامة للأمن العام وتم التوقيع عليها في العام 2003. وتأخذ هذه الاتفاقية بالاعتبار الأوضاع الإنسانية والظروف الأمنية المتعلقة بالنظام العام وقال جاكميه إن العمل مع اللاجئين في لبنان يتم بناء على قانون 1962، الذي يقضي بسجن وترحيل كل من يدخل لبنان خلسة بمعزل عن توفر شروط اللجوء المعترف بها عالميا في المتسلل او المقيم بطريقة غير شرعية وتشير أرقام المفوضية للعام 2005 إلى تسجيل 1078 لاجئا غير فلسطيني و1450 طالب لجوء لدى المكتب الإقليمي في بيروت. وأكثر من 75% من مجموع اللاجئين وأكثر من 95% من طالبي اللجوء هم من أصل عراقي. وإذا أخذنا في الاعتبار أن هذه الأرقام تتضاعف سنويا يمكن تقدير حجم المشكلة. لكن الرقم الإجمالي للاجئين يصعب إحصاؤه، لأن كثيرين من المتسللين لا يسجلون أنفسهم لدى المفوضية أما مديرية الأمن العام اللبناني فتحاول قدر الإمكان التعامل مع ظاهرة اللجوء على اعتبار أنها من المواضيع الساخنة في منطقة حوض البحر الابيض المتوسط. ويتم التعاون قدر الإمكان مع الجمعيات الأهلية وجمعيات حقوق الإنسان، بالإضافة إلى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين للعمل وفق آلية توفير الحوافز للتخفيف من ظروف تدفق اللاجئين والمبادرة إلى إطلاق مشاريع تنمية بشرية في البلدان النامية. كما تسعى المديرية إلى التعاون مع الدول المصدرة للاجئين لضمان عودتهم الطوعية إلى بلد الأصل.

«الشرق الأوسط» لم تكتف بالاحتفال الرسمي بيوم اللاجئ وانما سعت إلى الاطلاع على معاناة شرائح واسعة من الذين يدخلون لبنان خلسة، على أمل الخلاص من اضطهاد او خطر على الحياة او تحسين أوضاعهم المعيشية نظرا إلى نسبة الفقر المخيفة في بلادهم، او الذين خططوا ليكون لبنان محطة بانتظار لجوء إلى أحد البلدان الغنية، فعلقوا في دوامة مستمرة منذ سنوات، كما هي الحال مع السوداني أحمد الطيار توتو الذي ترك قريته «أم قربان» في جبال النوبة لتعرضه للتمييز العنصري وخطر الموت، كما قال، مضيفا: «دخلت لبنان خلسة من سورية لقاء مبلغ 450 دولارا، وذلك لصعوبة الحصول على تأشيرة شرعية. مهرب البشر الذي ساعدني معروف من جميع اللاجئين اسمه عبد العزيز، لكنه يستحق أن يكون على رأس منظمة إنسانية لأنه يجيد الاهتمام بمن يهربهم». وأحمد يحمل إجازة جامعية في التربية، لكن عمله في لبنان كان في ورش البناء. وقال انه تعرض للكثير من الظلم، وغالبا ما سرقه رب العمل ولم يدفع له بدل أتعابه. لكن المعاناة الكبرى التي عاشها كانت عندما ألقي القبض عليه بسبب إقامته غير الشرعية، اذ تم توقيفه في المخفر، لكنه لم يدخل السجن بل وقع في قبضة مافيا مهمتها أن تبتزّ من هم في وضعه وعددهم بالآلاف. دفع لرجال المافيا 700 دولار، كما قال، «ليكفوا شرهم عني. لكنهم عادوا ليطلبوا المزيد. ضربتهم زوجتي. ولم أتخلص منهم إلا بعد الاستعانة بخدمات مؤسسة كاريتاس التي وكلت لي محاميا. وهو حاليا يتابع قضيتي لدى المحاكم المختصة» لكن المأساة الأكبر للجوء يعكسها أطفال لا يملكون هوية أو أي حماية اجتماعية وقانونية ويتعرضون لمختلف أنواع الاضطهاد والحرمان. أحيانا لا يملكون المأوى ما يؤمن لهم والغذاء والاستشفاء. ودائما لا يحصلون على حقهم من العلم والمعرفة. مدرسة «إنسان» تهتم بهذه الحالات، تفتش عن العائلات المهاجرة. الصغير جورج، ابن الثمانية، يشكل نموذجا موجعا لأطفال اللاجئين. هو من أم سري لانكية وأب نيجيري. لم يعرف والده، عاش مع أمه وصديقها المصري. لكن والدته سرعان ما تخلت عنه وعن أخيه نصف الشقيق، ليبقى مع الصديق المصري مقيما في غرفة لا تتوفر فيها أدنى مستلزمات الحياة. جورج لا يملك أوراقا تثبت هويته. وهو أيضا لا يملك لغة. يتفاهم مع الآخرين بعبارات سري لانكية وعربية وانكليزية مكسرّة. وهو عنيف جدا لا يثق بأحد ويخاف من الناس. ويبدو انه تعرض لعنف واعتداءات خلال سنوات عمره القليلة. تتابعه حاليا مرشدة اجتماعية ليتمكن من التأقلم مع التلامذة في صفه.

ويقول شارل نصر الله مدير «إنسان» التي تحل ضيفة على إحدى مدارس الضاحية الشمالية لبيروت: «خلال عملنا استنتجنا أن في لبنان عائلات موجودة على الأرض من دون أي وجود قانوني أو اعتراف رسمي. جمعنا 39 طفلا من ثمانية بلدان، هي مصر والسودان والفلبين وسري لانكا وغانا والهند ونيجيريا وتشاد. لكنهم بنظر القانون يعتبرون نكرة. تولينا الاهتمام بهم من دون أوراق ثبوتية. وفتحنا لهم صفوفا وسيطة بين الشارع والمدرسة. أوضاع هؤلاء الأطفال صعبة للغاية، ليس على صعيد الأوراق فحسب وإنما على صعيد ما يتعرضون له من اعتداءات تراوح بين العنف والتحرش وحتى الاغتصاب. وهكذا نمنح الطفل سلاحا معرفيا ليحمي نفسه ويكوّن شخصيته. كذلك تسعى المدرسة إلى محاولة إيجاد حلول قانونية للأولاد». وعدا التعليم تمنح مدرسة «إنسان» أطفالها الملبس ووجبات طعام يومية ورعاية طبية. ومن جهة اخرى، تحاول عدة دول أوروبية رغم التقييمات الدبلوماسية الايجابية للهجرة، مثل المانيا إلى تقليص عدد العمال الاجانب لمحاربة البطالة في صفوف مواطنيها، حيث تقدمت وزارة العمل الالمانية باقتراح إلى مجلس الوزراء يستهدف مكافحة البطالة من خلال تقليص عدد الاجانب الذين يعملون في المزارع وأعمال موسمية أخرى. وقال مسؤول في رابطة المزارعين الألمان إنه بموجب الخطة سيتعين على الشركات خفض العمالة الموسمية التي تستعين بها من العمال الاجانب من دول أوروبا الشرقية، وخاصة بولندا بنحو عشرة بالمائة هذا العام عن مستويات عام 2005. وقال مدير الرابطة بوركهارد مولر الذي شارك في محادثات مع الحكومة إنه قرار مقيد بشدة. وكانت المانيا قد اعتمدت في عام 2004 على حوالي 325 الف عامل موسمي أجنبي اشتغل معظمهم في جني الخضر والفواكه رغم أن 15 ألفا آخرين عملوا في الفنادق وخدمات توريد الاغذية والمشروبات. ويبدو أن المانيا استعانت بعدد مماثل العام الجاري.

وذلك بمستوى سزيد عن 50 بالمائة عن عام 1988 عندما سمح قرار سابق للمزارعين باستخدام عمالة موسمية يمثل الاجانب الاغلبية الساحقة منها. أما في العالم العربي فإن هناك نحو 30 مليون عربي موجودون في الخارج منهم نحو 12 مليون سوري، و 4 ملايين فلسطيني ومثلهم من العراقيين، وبمناسبة اليوم العالمي للاجئين الذي وافق يوم امس، أصدرت وزارة المهجرين والمهاجرين العراقية أول من أمس بياناً أكدت فيه أنها تعنى بأمور اللاجئين العراقيين الذين لجأوا إلى دول عربية وأجنبية آخذة على عاتقها «متابعة ما يقرب من 4 ملايين لاجئ عراقي» ووجهت الوزارة عبر بيانها أنظار العالم بأسره إلى «ما تواجهه مئات الآلاف بل ملايين العوائل اللاجئة، من مشاكل وصعوبات قررت مغادرة أوطانها واللجوء إلى بلدان أخرى هربا من الحروب والاضطهاد والنفي».

وأوضحت الوزارة بمناسبة اليوم العالمي للاجئين «المخاطر التي تعكسها ظاهرة التهجير القسري في العراق»، معربة عن تقديرها لـ «كل الجهود الإنسانية التي تبذل من أجل مساعدة اللاجئين والدفاع عن حقوقهم». وفي النهاية تمنت الوزارة في بيانها «أن يكون اليوم العالمي للاجئين يوم أمل لجميع اللاجئين والمهجرين والمغتربين في كل بقاع الأرض».

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-21-6-2006