مجلس حقوق الإنسان... الواقع والطموح

 

عائشة المري

 

 

تبدأ اليوم في جنيف الجلسة الأولى لأعمال مجلس حقوق الإنسان الذي حل محل لجنة حقوق الإنسان التي تم إلغاؤها بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة صوتت عليه أكثرية كبيرة من الأعضاء ووافقت الدول الـ54 الأعضاء في المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة بالإجماع على هذا القرار ويتكون مجلس حقوق الإنسان من 47 دولة عضوة تنتخب بالاقتراع السري، وعلى البلد المرشح الحصول على أغلبية عدد أصوات الجمعية العمومية وهو 191 أي على الأقل 96 صوتاً فيما كان أعضاء المفوضية يعينون من قبل كل من المجموعات الإقليمية الخمس. ومن ثم فمن ضمن الـ47 عضواً تم اختيار ألمانيا إلى جانب سويسرا وفرنسا وبريطانيا وهولندا وكندا من المعسكر الغربي، وحصلت القارة الأفريقية على 13 مقعداً من بينها المغرب وتونس، أما أميركا اللاتينية وجزر الكاريبي فحصلت على ثمانية مقاعد منها كوبا والمكسيك والبرازيل، وحصلت بلدان أوروبا الشرقية على ستة مقاعد وتضمنت روسيا وتشيكيا. كما فاز كل من الصين وبنغلادش والبحرين والأردن وماليزيا والمملكة العربية السعودية والفيليبين وجنوب كوريا بالعضوية. وحسب قوانين المجلس الجديد ستكون مدة عمل هذه البلدان حسب اقتراع داخلي ما بين العام والثلاثة أعوام. وينتظر أن تؤسس مداولات مجلس حقوق الإنسان الأطر السياسية التي تحدد آليات الحماية الدولية لحقوق الإنسان للسنوات القادمة.

جاء قرار الأمم المتحدة بإلغاء لجنة حقوق الإنسان بعد سلسلة طويلة من المداولات وكجزء من إصلاح منظمة الأمم المتحدة استمرت المداولات حولها سنوات، فبعد مرحلة من إنشاء منظومة حقوق الإنسان الدولية ظهرت الحاجة لتطوير حقوق الإنسان حول العالم خاصة بعد أن فقدت المفوضية العليا لحقوق الإنسان مصداقيتها لوجود دول بين صفوفها تنتهك حقوق الإنسان باستمرار مثل الصين وكوبا، وتعرضت تقاريرها للدوام للانتقادات اللاذعة خاصة لتوجيهها أصابع الاتهام لانتهاكات حقوق الإنسان للدول الصغرى بينما يتم تجاهل الانتهاكات المنتظمة لحقوق الإنسان من قبل الدول الكبرى. كما أن تبعية مجلس حقوق الإنسان للجمعية العامة دون المرور عبر بوابة المجلس الاقتصادي والاجتماعي ستعطي للمجلس دفعة أكبر وتقلص البيروقراطية، فالقرارات سترفع مباشرة إلى الجمعية العامة مما يزيد من فاعلية القرارات المتخذة لقد لعبت الأمم المتحدة خلال السنوات الـ60 الماضية، دوراً مهماً لا بديل له في حماية السلام العالمي وتعزيز تقدم وتنمية البشرية. لكن بعد كل هذه السنوات ظهرت داخل الأمم المتحدة بعض المشاكل الجذرية المتمثلة في تضخم الأجهزة وانخفاض الفعالية ورفض بعض الدول الأعضاء دفع رسوم الاشتراك، مما دعا الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان إلى تقديم تقرير للجمعية العامة للأمم المتحدة في مارس عام 2005 أعرب فيه عن أمله في أن تتخذ الدول الأعضاء أعمالاً فعالة لدفع إصلاح الأمم المتحدة. وقال: "الآن، نحتاج إلى أعمال تساعد على تحقيق إعلاننا وليس الإعلان أو التعهد فقط". ويشمل إصلاح الأمم المتحدة إصلاح مجلس الأمن الدولي والهيئات المهمة الأخرى وإصلاح مبادئ حماية السلام وآلية معالجة الأزمات وإصلاح السياسة المالية، واعتبر أنان أن ركائز إصلاح الأمم المتحدة هي التنمية والأمن الجماعي وحقوق الإنسان وإصلاح طريقة إدارة المنظمة الدولية. لذا كان إصلاح منظمة حقوق الإنسان الدولية جزءاً رئيسياً من إصلاح الأمم المتحدة.

يتمتع مجلس حقوق الإنسان الجديد بناء على قرار الجمعية العامة بسلطة رقابة للمجلس أقوى وصلاحيات أكبر وأوسع، كما أن مجلس حقوق الإنسان من المزمع أن ينعقد من ثلاث إلى أربع مرات في السنة على العكس من اللجنة السابقة والتي كانت تنعقد لمرة واحدة في السنة لمدة خمسة إلى ستة أسابيع، وبذلك سيتمتع المجلس بمرونة أكبر ومساحة للتحرك واتخاذ القرارات أوسع، فهو يراقب أحوال حقوق الإنسان في كل دولة بانتظام، أما رئاسة المجلس من الدول الأعضاء فهي قابلة للتجديد مرة واحدة. واللافت في مجلس حقوق الإنسان هو وجود ثقل عربي مما يعطي أملاً في حدوث إصلاحات جذرية لأوضاع حقوق الإنسان في الدول الأعضاء وكذلك ينتظر أن ينعكس الوجود العربي على القضايا العربية خاصة القضية الفلسطينية. وينتظر أن تشهد المداولات الأولية عرض مقترحات من المفوضية السامية لحقوق الإنسان لإصلاحات جوهرية تتمحور حول إصلاح نظام الآليات التعاقدية الدولية.

إن نظام حقوق الإنسان الدولي يرتكز على معاهدات الأمم المتحدة السبع لحقوق الإنسان التي تضع المعايير القانونية لتعزيز وحماية حقوق الإنسان وتحدد الالتزامات القانونية للدول الأطراف الأعضاء. هذه المعاهدات هي: العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، واتفاقية حقوق الطفل، والاتفاقية الدولية لحماية حقوق العمال المهاجرين وأفراد أسرهم. وتعمل هيئات المعاهدات السبع من خلال إجراءاتها على رصد التزام الدول الأعضاء فتنظر في التقارير المقدمة ويختص بعضها بالنظر في الالتماسات والشكاوى الفردية. فجوهر نظام حقوق الإنسان يرتكز على تنفيذ الدول التزاماتها الواردة في المعاهدات، بتقديم التقارير، ولطالما أثيرت مسألة الازدواجية في عمل هيئات تلك المعاهدات، كما أن فعالية الإجراءات المتخذة من الدول لمنع انتهاكات حقوق الإنسان كانت موضع تساؤل على الدوام. وقد نوقشت سبل تعزيز ودعم نظام الهيئات التعاقدية تلك، وظهر أول الاقتراحات بأن تعمل تلك الهيئات التعاقدية السبع كهيئة واحدة وبدل أن تقدم الدول الأعضاء تقارير مختلفة للهيئات التي صدقت على اتفاقياتها تقدم تقريراً واحداً، أي هيئة موحدة دائمة للمعاهدات توفر نظام رصد مدعماً وأكثر فعالية لتعزيز نظام المعاهدات على النطاقين الوطني والدولي.

إن واقع حقوق الإنسان في العالم وعلى الرغم من الانتهاكات المستمرة يشير إلى تقدم، فالصورة المظلمة للممارسات اللاإنسانية والحروب والاضطهادات لا تحجب التطورات الحاصلة على أرض الواقع، إذ تصاعد عدد الدول المنضمة للاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، فيما أصبحت عالمية حقوق الإنسان إرثاً ثقافياً عالمياً. جهود تعزيز وحماية حقوق الإنسان ستستمر فالإصلاحات ممكنة وينتظر أن يؤسس مجلس حقوق الإنسان لحقبة دولية جديدة ترتكز على حقوق الإنسان وهذا هو الطموح.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتبة في المصدر المذكور.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-19-6-2006