دعوة لتشكيل مفوضية مستقلة وفاعلة لحقوق الانسان في العراق

 

 

المحامي حسن شعبان

 

حقوق الانسان والديمقراطية

لم تعد النصوص الدستورية والقانونية التي تقضي بانشاء اية مؤسسة  وطنية لحقوق الانسان بعيدة عن السمات  الاساسية والمعايير التي اتت بها مبادئ باريس التي اعتمدت من قبل الدول الاعضاء في الامم المتحدة (بالإجماع) عام 1993 والتي تتعلق بظروف التأسيس والأهداف والآليات حيث اصطلح على تسميتها بمبادئ باريس .تضمنت هذه الوثيقة الدولية جملة معايير رئيسية ينبغي احترامها في أي تشريع دستوري او قانوني يصار بموجبه وطنيا تأسيس مؤسسة او مفوضية وطنية لحقوق الانسان وهي :

1. ضمان الاستقلالية في الدستور في التشريع القانوني

2. الاستقلال عن الحكومة.

3. التعددية بما في ذلك التعددية في العضوية.

4. ولاية واسعة تستند الى معايير عالمية لحقوق الانسان تستعمل الحقوق كافة اقتصادية واجتماعية وثقافية ومدنية وسياسية.

5. اتاحه الإتصال ماديا واجتماعيا ولغويا وثقافيا وماليا.

6. توفير الموارد المالية الكافية / الزام الدولة بضمانة.

7. صلة وصل بين المجتمع المدني والحكومة.

ولعل من اهم مهام المؤسسات الوطنية هذه تعزيز حماية حقوق الانسان ,وهذا يعني بالضرورة نشر ثقافة حقوق الانسان بين الناس جميعا حتى يصلوا الى معرفة بكيفية احترام حقوق الاخرين ويتعلم الافراد(طريقة) الدفاع عن تلك الحقوق ومن جانب اخر من هذه المهام لابد من تحديد الآليات لحماية هذه الحقوق وضمان عدم تعرضها للانتهاكات من اية جهة كانت (حكومية) او غيرها مع ضمان ان لايفلت منها احد من الذين تعرضوا لهذه الحقوق من العدالة .......! , وهناك مهام تكميلية تقع على عاتق هذه المؤسسات من خلال استيعا بها لكل اشكالات التعرض لمبادئ حقوق الانسان ومدى (صلاحياتها) في التشريعات القانونية المختلفة.

في مؤتمر فينا عام 1993 كان هناك اكثر من مؤسسة وطنية لحقوق الانسان يعمل بعضها وفق مبادئ باريس والاخر خارج هذا الاطار يعمل  تحت تأثيرات الحكومات وخاصة البلدان ذات النمط  الشمولي والفردي في الحكم ,وحاولت هذه الأخيرة مدعومة من دول معروفة بمصادرتها للحريات الاسياسية والديمقراطية حرف اتجاه المؤتمر من خلال ما ادعوه بالخصوصية المحلية ومحاولة تحجيم المبادئ العالمية لحقوق الانسان ,وتحت (عباءة) الخصوصية هذه كشفت دول نشاز ومنها نظام الرئيس العراقي السابق عن انيابها محاولة التعرض  لعالمية هذه الحقوق، وفرض نصوص تتوافق وتتفق مع نهجه الدكتاتوري وتحت ذريعة الخصوصية الوطنية دعت لمصادرة النصوص والإعلانات الدولية والتي أقرتها الأمم المتحدة واتفق على تسميتها بالشرعية الدولية  لحقوق الإنسان بيد إن الإرادة البشرية ونشطاء حقوق الإنسان ومنظماتها ودول ديمقراطية عريقة أسقطت هذا النهج الخطير وأزاحته من مقررات المؤتمر العالمي واكدت إنها غير قابلة للتجزء وهي ملائمة وطنيا كما هي دوليا .

في هذا المؤتمر وغيره .جرى تأكيد على اهمية تواجد هذه المفوضات الوطنية المستقلة ودورها في الدفاع عن مبادئ حقوق الانسان وفضح انتهاكاتها واحالة مرتكبيها الى العدالة وتقديمها المشورة بشأن ثقافة حقوق الإنسان وضرورة تعميمها بين ابناء الشعب وفي المدارس والجامعات المدنية والعسكرية وترك الدول حق اختيار، الاطر التي  توائم ثقافتها واحتياجاتها ولا تتعرض مع العالمية في نصوصها الخاصة.(مبادئ باريس) التي اشرنا إليها فيها من الوضوح والشفافية بما يكفي وهي ليست غير ممكنة التطبيق وتتمتع بمقومات عامة تكاد تكون صالحة في كل مكان وزمان ومنها العراق.

بعد سقوط النظام  الفرد في العراق  يسعى نشطاء حقوق الانسان ومنظماتهم لان تأخذ مبادئ الشرعية الدولية طريقها باتجاه المجتمع العراقي وباتت حقيقة تقربها احزاباً ومنظمات مختلفة بالرغم من تعرضها الى انتهاكات خطيرة من قبل قوات الاحتلال والأجهزة الحكومية ومليشيات حزبية والقوى الارهابية المعروفة. تم تشكيل وزاره سميت بوزارة حقوق الانسان ورغم ان جهودها على الصعيد العملي ظل في خانته الضيقة فان جهودها في نشر ثقافة حقوق الانسان كان ملحوظا ويعد ذلك الى ان هذه المؤسسه لم تكن مستقلة وانما ضمن الريع الحكومي وأختير وزراؤها بالمحاصصة الطائفية رغم التقاطع الصارخ مع الحقوق والحريات الاساسية لمبادئ حقوق الانسان لهذا لم يعد من الممكن أن تقوم بمهام المفوضية العليا لحقوق الانسان التي أتى بها الدستور الدائم بل وأكثر من ذلك لم يعد لوجودها بعد قيام المفوضية أي معنى وضرورة تماماً كوزارة المرأة ووزارة المجتمع المدني التي وجدت لأغراض إملاء الحقائب الوزارية على أسس محاصصية ليس ألا أرقاماً في السلطة التنفيذية وليست مؤسسات مستقلة  جاء الدستور الدائم لينهي الجدل في هذا الموضوع حينما نص في أحد بنوده (ضرورة تشكيل مفوضية عليا لحقوق الإنسان مستقلة وتخضع في رقابتها المالية والإدارية لمجلس النواب) على أن تشكل وتحدد إختصاصاتها بقانون ورغم الإيجابية التي تحلى بها النص بيد إنه أتى قاصراً بسبب عدم تضمينه أن تقوم على أساس مبادئ باريس كما فعلت دساتير عدد من البلدان .

تقع اليوم على عاتق منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني وكل القوى والأحزاب التي تلتزم نصاً وروحاً بالشرعية الدولية لحقوق الإنسان مهمة تشكيل رأي عام واسع يضغط بإتجاه البرلمان العراقي الجديد للعمل على سن قانون للمفوضية العليا المستقلة لحقوق الإنسان يتماشى ويتفاعل مع مبادئ باريس الرئيسية وأن لا يتقاطع معها وأن يكون ملاذاً آمناً لكل الناس دون تمييز أو إقصاء وأن تكون عوناً لكل حقوق الإنسان المدنية والسياسية والإقتصادية و الإجتماعية والثقافية وخاصة لأولئك الذين هم دون خط الفقر وتحرص على أن يتمتع الجميع بحقوقهم ويعرفونها ويدافعون عنها ويتمتعوا بها .وبهذا الإتجاه دعت المفوضية العليا لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة إلى ورشة عمل في (لارنكة) بين 7 - 10 آذار 2006 العراقيين برلمانيين. منظمات مجتمع مدني، وزارات حكومية، مجلس القضاء الأعلى، للتواصل الى ثوابت مشتركة حول قيام مفوضية عليا مستقلة لحقوق الإنسان في العراق أقروا فيها ضرورة الإلتزام بمبادئ باريس وتتمتع بإستقلالية وحيادية يجب أن تتمتع المفوضية بأهم شروط التاسيس والعمل على أن لا يخضع لأية مساومة أو تجزئة ألا وهي الإستقلالية في قراراتها وممارساتها بعيداً عن أي تدخل حكومي وغيره وينص ذلك صراحة في تشريعها القادم ذلك لأن الإستقلالية هي معيار مصداقيتها وحيادتها .

ضمان الإستقلالية ينبغي أن لا يكون مجالاً للمناقشة والجدل وإنما أساس لبناء مؤسس حقيقي يكون للجميع دون تمييز بسبب الجنس أو اللون أو المعتقد أو العنصر أو اتجاه وغيره، ويشمل الإستقلال المالي والإداري وفي إختيار أعضاء المفوضية وإدارة شؤونها وهو سيف ذو حدين أم أن يكون مستقلاً ولا تلومه في الحق لومة لائم وأما لا تكون وفي مقدمة شروط الإستقلالية تأتي مهمة إختيار أعضاء المفوضية والشروط التي لابد أن يخضع لها في الإختيار سواء أكان ذلك في مسألة النزاهة وسجله الذي لم يتعرض الى الإدانة القانونية أو شرط عدم إنتمائه الى حزب سياسي ويتمتع بنشاط في مجال حقوق الإنسان وعدم إرتكابه أي إنتهاك لحقوق الإنسان وله تاريخ وطني مشهود من قبل الرأي العام العراقي .

هذه ثوابت ينبغي أن يأخذ بها القانون الجديد في إختياره لأعضاء المفوضية حتى تستطيع من تحقيق أهدافها وإختيار الإستقلالية وعدم الدخول في العمل الحزبي لا يعني مطلقاً إنتقاصاً من العمل الحزبي الذي يشكل أساساً هاماً في التعددية والنهج الديمقراطي وإنما لضمان أداء المفوضية لواجباتها بشكل حيادي وعادل وعلى البرلمان الجديد أن يدرك وهو يتشكل من أحزاب وقوى سياسية أهمية الأخذ بنظر الإعتبار مهام وشروط هذه المفوضية وأن لا تخضع لأية محاصصة حزبية أو غيرها لأنها ستكون هذه (الإستقلالية) و (الحيادية) التي تصر عليها ضماناً للجميع وليس لجهة كبيرة أو صغيرة .

وينبغي أن لا تكون وجهات نظر هذه المفوضية ذات نظرة أحادية بل لابد أن تكون متنوعة، فالتعددية شرط أساسي آخر من مبادئ باريس، أي أن يكون هناك أشخاص متنوعون في خدمتهم ومعرفتهم وسمعتهم ويلتقون في قرارات توافقية وعلى أن ترتبط هذه المؤسسة بمجموعات إستشارية ومجموعات عمل ذات خبرة عالية تعزز عملياتها، خاصة تلك التي تتمتع بخبرات دولية وفي مقدمتها مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة ولابد أن تتمتع هذه المفوضية بقدر عالٍ من القانونية وبحكم القانون وسلطته المطلقة لإنها معنية بالتشريعات القانونية التي ينبغي أن تحترم العهود الدولية الواردة في الشرعة الدولية سواء التي إعترف بها العراق وأقرها أو التي لم يوقع عليها أو إعترض عليها جزئياً وفي مقدمة ذلك يأتي الإنضمام الى قانون محكمة روما (المحكمة الجنائية الدولية) وضرورة أن تتمتع المفوضية العليا بصلاحيات قضائية واسعة من خلال تواجد قضاة معارين من مجلس القضاء إلى المفوضية لهم صفة الإختصاص في هذه القضايا ويتمتعون بصلاحيات إصدار مذكرات الحضور والتحقيق والإحالة إلى المحكمة ومراجعة سياسة الحكومة في مجالات حقوق الإنسان وتحديد أماكن الخطأ فيها ومدى إلتزامها بأحكام الشرعية الدولية و تقديم الدراسات الضرورية في هذا المجال ومن الأولويات أيضاً في مهامها هي التوعية على مبادئ حقوق الإنسان والعمل على نشرها وإرساء ثقافة حقوق الإنسان وبناء إطار مجتمعي تتعزز فيه حقوق الإنسان وتحترم وتحمى وتتم كل هذه الثوابت والأسس من خلال تعزيز العلاقة مع المنظمات غير الحكومية، وخاصة العاملة في مجال حقوق الإنسان لأنها تشكل ذراعها التنفيذي لدى الرأي العام والضمانة غير المكتوبة لتمرير قراراتها ولوبياً إضافياً تستعين به عند الضرورة .

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: جريدة الصباح-17-3-2006