الشيعة في مصر .... منع ومحاصرة

 

 أحمد قناوي

 

 

يعانى الشيعة في مصر جملة من إهدار لكثير من الحقوق التي ينضوي معظمها في خانة الحقوق الأساسية للإنسان، ورغم وجود لحظات تاريخية حديثة شهدت تطور نسبي في تلك الحقوق في أربعينيات القرن المنصرم امتدت حتى أوائل الستينات ، إلا أن تلك اللحظات انقضت ليعود الحال بالنسبة للشيعة كما كان في سياق الحصار العام للمذهب الشيعي والملفت للنظر أن الاسباب السياسة وليست الفقهية كانت هي السبب الأول في ضرب حالة من التعتيم وجذر حقوق إنسانية على معتنقي المذهب من المصريين ، ورغم أن الظهور الحديث للمذهب في مصر جاء بصحبة تقارب مذهبي بين السنة والشيعة وذلك في منتصف الأربعينات على يد جماعة التقريب وقد استمر هذا النشاط حتى فترة السبعينات، وفي السبعينات ظهرت جمعية آل البيت وكانت الظروف مساعدة لها في البداية نظراً للعلاقة القوية التي كانت تربط بين نظام السادات وإيران في عهد حكم الشاة ، وعندما قامت الثورة الإيرانية وجاء قيامها بالتزامن مع تنامي تيار الإسلام السياسي فإن حملة شعواء قد تم تدشينها على مستويات مختلفة في مواجهة الشيعة كمذهب وكان من تلك المستويات المستوى الأمني بالقطع بعد أن بلغ المستوى الإعلامي مداه ، بدوران عشرات المطابع وإفراغ عشرات من براميل الأحبار طعناً في المذهب الشيعي ، وغدت الفتاوى التي صدرت من أعلى مؤسسة دينية في مصر عن المذهب بإعتبارة مذهباً إسلاميا مثل باقي المذاهب وغدت كذلك أقوال العشرات من الشخصيات الإسلامية البارزة بحق المذهب غدت جميعها صوتا رقيقا لا ينفذ منة بصيص ضوء في ظل العاصفة الشعواء التي هبت بدعم رسمي ومؤسساتي مصري وعربي ، لأن الحكمة التي تعلمتها النظم أن سلطاتها عندما تتهدد فلا بد لخلاصها حتى باستخدام طرق تنتهك المعايير الحقوقية الاساسية .

وفي العام 1979 وهو عام قيام الثورة الايرانية تم الغاء الجمعية بقرار من الحكومة المصرية كما تم مصادرة المسجد التابع لها والذى كان يحمل اسم مسجد آل البيت ، ورغم أن الجمعية حصلت على حكم قضائي قرر حقها في العودة لممارسة نشاطها الا أن الحكومة المصرية لم تقم بتنفيذ هذا الحكم وعرقلتة بوسائل مختلفة ومتعددة ، وفي خلال الخمسة أعوام المنصرمة تم القاء القبض على عدد من أتباع المذهب الشيعي في مصر تحت دعاوى مختلفة تبرز حالة المنع التعسفي لهم من ممارسة شعائرهم و حقوقهم الدينية . و الملفت للنظر أنة لم ينسب الى أى من تلك المجموعات الشيعية القيام أو الدعوة للقيام بأعمال تتصف بالتطرف والغلو .

والموقف الرسمي المصري من الشيعة لا يستند فقط على الأبعاد الأمنية فهو فوق ذلك يستفيد من حملة التضليل الواسعة التي تم تسويقها عبر ما يقرب من ثلاث عقود كاملة ، حول معتقدات الشيعة ، من خلال عشرات الكتب والآلاف من المقالات التي أثارت الشكوك حول عقيدة الشيعة فتارة يوصفون بالكفر وتارة بالمروق عن الدين الإسلامي وفي الغالب الأعم يستقر لدى العامة أنهم فرقة ضالة على خلاف فتاوى صادرة من المؤسسة الدينية الأولى في مصر في فترة الستينات من القرن الماضي والتي قررت فية فتوى صادرة عن شيخ الأزهر في ذلك الوقت الشيخ "شلتوت" بأن المذهب الشيعي الاثنى عشري مذهب إسلامي يجوز التعبد بة كسائر المذاهب الإسلامية الأخرى ،وهى فتوى تتسق مع أراء وأفكار العديد من رجالات الفقة الاسلامي ، لكن الغبار الذي أثارته الحملة الضارية من التضليل لم تتركك لتلك الفتاوى مكان ولا للأراء موضع ذكر، ورغم التراث الجيد للتقارب السني الشيعي في مصر ورغم التواصل بين الشيعة والقوى الإسلامية المصرية وعلى راسها مؤسسة الأزهر والأخوان المسلمين إلا أن حملة التضليل لم تترك مجالا للبناء على ذلك التراث، كل ذلك جاء في سياق منع كامل للشيعة في مصر من التعبير عن رأيهم ونشر أفكارهم وطرح رؤاهم المختلفة سواء بالكتابة في الصحف أو بتأسيس دور نشر تهتم بالرد على كل هذا الكم من حملات التضليل ، فبدى الامر أنة تحالف قوي بين السلطة وأصحاب الافكار التى انتقلت مع الانفتاح في بداية الاربعينيات الى الغلو مع بداية السبعينيات وحتى الان ، وكان على الشيعة دفع الثمن، وهو في كل الاحوال ثمن باهظ .

غير أن الصورة على قتامتها بدت في الانفراج لاسباب لاتعود للسلطة ولاتعود للشيعة ولكنها لسبب أخر لم يكن في الحسبان ، ذلك أن تنامى الانفتاح الاعلامي على أصعدة مختلفة ، ساعد في إزالة الكثير من أثار حملة التضليل ، خاصة وأن الكثير من الفاعليات الشيعية دول ومنظمات بدت أقرب بمواقفها الكثيرة الى الكثير من الامانى العامة ، فإيران الدولة الشيعية كانت لها الكثير من المواقف الجيدة تجاة القضايا المركزية العربية تجاوز الكثير من النظم ، كما وأنها ابتدعت الياتها السياسية على نحو إن لم يكن مكتمل وعلية الكثير من الملاحظات الا أنة يبقي أفضل بكثير من واقع كثير من الحكومات العربية ، وحزب الله اللبنانى كمنظمة اصبح يصنف لدى الغالبية العظمى على أنة منظمة رائدة في المقاومة العربية ، تحوز الاعجاب في وقت لايجد المواطن العربي شيئا أخر يستحق هذا الاعجاب  ولكن التعامل الرسمي المصري مع الشيعة ظل على حالة من المنع والحجب وعدم الاعتراف بالحقوق ، وظل حق التعبير لتلك الفئة ممنوعاً اعلامياً وممنوعا تنظيميا بعدم الموافقة على جمعيات اجتماعية للشيعة في مصر ، وظلت الملاحقات الامنية على حالها أضيف اليها هذه المرة تخوف قوى اسلامية من تواجد شيعي حقيقي في مصر قادر في احوال كثيرة على طرح رؤي اسلامية مختلفة ومستنيرة وخلاصة القول يمكن أن نقرر أن التيار الشيعي في مصر اليوم ،كمذهب ديني لمن ينتمون اليه الحرية التعبير عن معتقداتهم ، يواجه عدة مشكلات داخلية أهمها :

- عدم وجود مراجع أو وكلاء مراجع.

- عدم وجود مساجد..

- ندرة الكتاب الشيعي..

- الضغوط الأمنية..

- التعتيم الإعلامي

ومما لاشك فية أن إستمرا حرمان هذا التيار والتضييق عليه ومنعة من التعبير عن ابسط حقوق المكفولة لكل جماعة دينية ، يمثل انتهاكاً ليس فقط لحوق إنسانية تكفلها القوانين الوطنية والمواثيق الحقوقية الدولية وإنما تمثل تراجع عن حقوق كانت ممنوحة لهذا التيار منذ اكثر من نصف قرن مضي .

محام وباحث قانوني

kenawi22@hotmail.com 

المصدر: الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان-25-4-2006