مجلس حقوق الإنسان الجديد: ارتياح، وانتقاد، وانتظار

 

 

 شهد مقر الأمم المتحدة في نيويورك يوم 15 مارس 2006 التصويت الحاسم الذي أقر تأسيس مجلس حقوق الإنسان Keystone

أثار التصويت بأغلبية 170 دولة في الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة لصالح إقامة مجلس لحقوق الإنسان ردود أفعال تراوحت ما بين الارتياح والانتقاد والانتظار وفي ظل إجماع على أن شروط عمل المجلس أفضل بكثير مما كانت عليه اللجنة، إلا أن الاختبار الحقيقي يتمثل في كيفية تصرف الدول الأعضاء داخله ابتداء من 19 يونيو..أزال تصويت 170 دولة داخل الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة لصالح المشروع الذي تقدمت به سويسرا من أجل إقامة مجلس لحقوق الإنسان، ليحل محل لجنة حقوق الإنسان المتهمة بالافتقار الى المصداقية، عقبة من بين العديد من العقبات التي تعترض عملية الإصلاح المتعثرة داخل المنظومة الأممية ويبدو أن تقلص عدد المعارضين إلى أربعة بلدان فقط وهي الولايات المتحدة وإسرائيل وجزر مارشال وبالاو، هو الذي اقنع واشنطن (التي تشدد سفيرها بولتون في التهديد بنسف المشروع)، باللجوء الى شيء من التليين في المواقف لحفظ ماء الوجه أما سويسرا التي كانت وراء المشروع، وعملت بجد على توفير الظروف لنجاحه، فقد اعتبرت على لسان وزيرة الخارجية ميشلين كالمي راي أن التصويت يمثل "انتصارا كبيرا للدبلوماسية السويسرية"، بل ذهبت الى حد اعتباره "فكرة سويسرية"، في إشارة الى أن صاحب الفكرة وصاحب المشروع هو الأستاذ السويسري فالتر كالين.

انتصار على أصحاب الحسابات السياسية

تصويت الجمعية العامة بأغلبية 170 صوتا من بين 191 بلدا، ومعارضة 4، وامتناع 3 دول (هي إيران وبيلوروسيا وفنزويلا) عن التصويت، يرى فيه السفير السويسري في نيويورك بيتر ماورر، الذي كان حجر الزاوية إلى جانب رئيس الجمعية العامة السويدي يان إلياسن في إنجاح هذا المشروع، أنه انتصار على "المبالغين في المطالب الذين تخفي مغالاتهم في المطالب نوايا سياسية هدفها إضعاف منظمة الأمم المتحدة".

قد يكون المقصود بهذا الكلام واشنطن التي لعب سفيرها في نيويورك، جون بولتن المعروف بتشدده، دورا كبيرا في العراقيل التي برزت في الأيام الأخيرة والتي كادت أن تعصف بمشروع إقامة مجلس لحقوق الإنسان لو تم الرضوخ لمطالبته بإعادة فتح النقاش من جديد حول الشروط التي يجب توفرها في المجلس، وبالأخص شروط اختيار الأعضاء فيه.

فقد تمسكت الولايات المتحدة بفكرة إشتراط العضوية في المجلس بالحصول على أغلبية ثلثي البلدان الأعضاء في الوقت الذي توصلت فيه مسودة المشروع المعروضة على التصويت الى وفاق ينص على ان يكون ذلك بأغلبية الدول الأعضاء (أي حوالي 96 صوتا). وهو ما اعتبرته السيدة لويز أربور، المفوضة السامية لحقوق الإنسان تحسنا في انتقاء أعضاء المجلس عما هو سائد اليوم في لجنة حقوق الإنسان (حيث يكفي لدولة ان تحصل على 28 صوتا لتصبح عضوة فيها).

في الوقت نفسه، يمكن أن يفهم من تصريحات السفير السويسري لدى الأمم المتحدة في نيويورك أن المقصود بها تلك الدول التي ترغب في تجنب أن يشار إليها بأصابع الاتهام في المجلس الجديد على انها من الدول المنتهكة لحقوق الإنسان، وذلك بالمبالغة في إفراغ المجلس من الآليات الردعية، وهي دول عديدة تنتمي إلى الشمال والجنوب على حد السواء، كما أنها بلدان إسلامية وأخرى غير إسلامية. وفي هذا السياق، قالت وزيرة الخارجية السويسرية: "إنه حل وسط جيد لغاية لأنه يرفع من قيمة المجلس نظرا لأنه مرتبط بالجمعية العامة مباشرة، ولأنه ينص على ضرورة إخضاع كل الدول بما في ذلك الدول الأعضاء لمراجعة دورية لمدى احترامها لحقوق الإنسان، واللجوء حتى الى طرد بلد عضو لو تبين انه يرتكب انتهاكات صارخة في مجال حقوق الإنسان".

عدة اسباب للإرتياح

من جهة أخرى، تجد سويسرا - التي كانت وراء مشروع إقامة مجلس لحقوق الانسان ليحل محل لجنة حقوق الإنسان - في هذه النتيجة مجالا لإرتياح كبير نظرا لأن المجلس استطاع أن يرى النور يعد أسابيع من التعثر والشكوك وفي مواجهة معارضة دولة كبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية.

يضاف الى ذلك أن نجاح سويسرا في الإقناع بأن يكون مقر المجلس في جنيف (نظرا لتقاليد المدينة في مجال حقوق الإنسان والقانون الدولي ولأنها احتضنت على الدوام أشغال لجنة حقوق الإنسان ومعظم آلياتها)، سوف يعزز من مكانة جنيف الدولية على المدى المنظور خصوصا وأن الكنفدرالية ستحتضن لأول مرة محفلا دوليا دائما، نظرا لكون المجلس سيعقد جلساته بشكل دائم على خلاف لجنة حقوق الإنسان التي كانت تلتئم لمرة واحدة ولمدة ستة أسابيع وقد أعربت وزيرة الخارجية منذ الآن عن نية سويسرا في ترشيح نفسها لشغل منصب بلد عضو داخل اللجنة، وهي العملية التي سيشرع فيها ابتداء من يوم 9 مايو القادم على أن يعقد المجلس الجديد اولى جلساته في 19 يونيو.

أما الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة كوفي أنان (الذي يعاني من صعوبات جمة في تمرير مشاريع إصلاح المنظومة الأممية) فقد وصفه بـ "القرار التاريخي" واعتبر أنه "يعطي المنظمة الأممية فرصة هي في أشد الحاجة إليها من أجل الشروع في انطلاقة جديدة لصالح حقوق الإنسان في العالم". ومع أن الأمين العام للأمم المتحدة اعترف بأن "كل فقرات الحل الوسط سوف لن ترضى عنها كل الدول"، بسبب طبيعة العلاقات الدولية، فإنه اعتبر أنه "يسمح الاحتفاظ بآليات قوية في لجنة حقوق الإنسان مثل الإجراءات الخاصة ومشاركة المنظمات غير الحكومية، كما أدخل تعديلات لتفادي نقاط ضعف لجنة حقوق الإنسان".من جانبها، اعتبرت المفوضة السامية لحقوق الإنسان لويز آربور أن مجلس حقوق الإنسان "يتعدى مجرد كونه صورة محسنة للجنة حقوق الإنسان"، مشددة أن "على الدول الأعضاء في المجلس الجديد التعهد بالتزامات فعلية في مجال حقوق الإنسان لكي يتم انتخابهم".

من الأقوال إلى الأفعال

أما منظمات المجتمع المدني التي عادة ما تبدي انتقادات صارمة لمحافل حقوق الانسان الدولية، فقد عبرت غالبيتها عن الارتياح للنتيجة التي تم بها التصويت لصالح إقامة المجلس ولو ان الجميع ينتظر رؤية تصرف الدول داخل هذا المحفل الدولي الجديد لحقوق الإنسان قبل الحكم له أو عليه فقد رحب أمين عام اللجنة الدولية للحقوقيين نيكولا اون بالنسبة الكبيرة من الأصوات التي حصل عليها المشروع، ودعا إلى "ضرورة الإظهار للولايات المتحدة بأن التمسك بالحل الوسط كان مجديا لتحقيق أحسن صيغة لمجلس لحقوق الإنسان" اما مدير المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب إيريك صوتا فقد ابدى ارتياحه لأن المعارضة الأمريكية لم تكن بالشكل المتشدد وأشار إلى أن واشنطن "صوتت ضد مشروع إقامة المجلس ولكنها تنوي الترشح للعضوية فيه".

أخيرا عكس موقف يان ليفثين، أحد مدراء منظمة هيومان رايتس ووتش تساؤلات الكثيرين عما إذا كان تأسيس المجلس يشكل "خطوة هامة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان في العالم"، إلا أنه أضاف: "ما قمنا به ما هو إلا خطوة أولى وان العمل الحقيقي سيبدأ من الآن".

المصدر  : محمد شريف - سويس إنفو – جنيف- (رويترز) - 16-3-2006