وكأننا كنا في حلم! تراجيديا المواطن المسلم في أوروبا

 

خميس قشة

 

 

المواطن الأوروبي المسلم بات يشعر أنه محاصر ومحارب في بلده، التي من المفروض أن تحميه وتدافع عنه وتحترم أفكاره.هذا هو شعور المسلمين عموما من ذوي الأصول غير الأوروبية، وكذا الجدد من الاوروبيين، خاصة بعد الأحداث الأخيرة وتبعاتها، حيث تتغير نظرة المجتمع تجاههم ويتنكر لهم بمجرد اعتناقهم للإسلام .كل شيء تغير من حولنا وكأننا كنا في حلم، أين الحرية وحقوق الإنسان؟ وحقوق المواطنة التي تربى عليها هذا المجتمع؟ وكأن كل شيء ينهار عندما يرتبط الأمر بالإسلام والمسلمين. حقوق المواطن غير قابلة للأخذ أو الاعتداء عليها من قبل الدولة، فهذه الحقوق تتعلق بالمساواة مع الآخرين، حقوق سياسية، واقتصادية واجتماعية وثقافية، إذا انعدمت حقوق المواطن أصبحت الدولة مستبدة وظالمة لا تحقق السلم الأهلي ولا تضمن الحقوق الفردية والجماعية، وهذا ما نعيشه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتفجيرات مدريد وحادث اغتيال المخرج الهولندي «فان خوخ» ولم تتوقف آثار تلك الأحداث في هولندا من مداهمات ومضايقات إعلامية وأمنية مستمرة ومتزايدة. حيث أبعد ورحل أخيرا احد الأئمة المعروفين على الساحة الإسلامية بمدينة «اندهوفن» وتحاكم مجموعة من 14 شابا مسلما «بأمستردام» بتهمة ما يسمى بالإرهاب. واتت هذه الإجراءات الأخيرة متزامنة مع تنادي وزراء الداخلية والعدل في الاتحاد الأوروبي إلى جلسة عاجلة بمقره ببروكسل لمناقشة ظاهرة تزايد خطر الأصولية، والتي كان سببها الظاهري قصة الفتاة البلجيكية الأصل التي فجرت نفسها في دورية أميركية بالعراق، ووقعوا على حزمة من القوانين والإجراءات والسياسات الجديدة لمحاربة ومحاصرة ما يسمى الأصولية الإسلامية في أوروبا، ومن بينها توصيات تلزم شركات الاتصال والإنترنت والطيران والبنوك والهواتف بفحص البيانات لمدة ستة اشهر إلى سنتين كحد أقصى بهدف المساعدة على محاربة الإرهاب والحد من الأصولية. وأن تقدم هذه البيانات في الوقت المطلوب إلى جهة الأمن والمخابرات.. ولقد كان مدهشا تركيزهم على الأصولية بطريقة معممة وغير واضحة، فأي أصولية يقصدون هل كل مسلم هو أصولي وتلزم محاربته؟

ورغم أننا نشارك الساسة الأوروبيين تخوفهم على أمن وأمان المجتمع من وباء ما يسمى الإرهاب والعنصرية الذي لم يسلم منه أحد، إلا أننا نختلف في كيفية معالجة هذه الظاهرة والسياسات المتبعة للحد منها.. فليس الأمر بإطلاق العنان للإعلام والسياسيين في التهجم على كل من هو مسلم حتى أصبح مشروع محاربة الإرهاب مشروعا سياسيا لبعض الأحزاب السياسية للمزايدة واستمالة المواطن الأوروبي الذي ذاق ذرعا من حالة الخوف والرعب التي يعيشها ضد طبقة وشريحة من المجتمع ويبدو أن تشخيص السياسيين للأحداث وانعكاساتها على واقع المجتمع الأوروبي كان صحيحا حينما وصف شيراك رئيس فرنسا العراق بـ(برميل من البارود) إذا انفجر فلن يسلم من ناره أحد ولكن معالجتهم لهذا الواقع لم ترتق إلى مستوى ذلك التشخيص باتخاذ موقف عادل موحد تجاه ما يجري في العراق.

يبدو أن المطلوب من وزراء الداخلية الاوروبيين أن يتخذوا مواقف واضحة ومنصفة وعادلة تجاه كل ما يحدث من قتل وتدمير وإبادة وانتهاك لأدنى حقوق البشر، ولم يدينوا هذه الجرائم وهم دعاة الحضارة والتمدن... خاصة أن في أوروبا أكثر من 35 مليون مسلم، وهذه الأحداث والجرائم تجري على أراض إسلامية، ولا يخفى ارتباط المسلمين بإخوانهم، فالمسلم أخو المسلم ويرتبـط معه بروابـط معنوية، وحق المسلم على المسلم في التآزر والتعاون، أمر معلوم... فلماذا لا يأخذ السياسيون هذا الأمر بعين الاعتبار؟ لماذا تجاهل عواطف ومشاعر المسلمين الذين لا بواكي عليهم حتى وإن كانوا أوروبيين؟

إننا مواطنون اوروبيون. وهذه المواطنة لا تتحقق إلا إذا علم المواطن حقوقه السياسية والاجتماعية والثقافية، وبعد أن يتعلم هذه الحقوق فإن عليه أن يمارسها ويسعى لتحقيقها وأن لا يتنازل عنها، لأن الحق يؤخذ ولا يعطى، وقد أدينا ما علينا وها نحن نعاني من الظلم الاجتماعي، ونحن أكثر المتضررين من خطط وسياسات مقاومة ما يسمى الإرهاب، وتمارس علينا أشكال وأنواع من العنصرية. إن المواطنة جاءت نتاجاً لتحول اجتماعي واقتصادي وللحد من الصراعات الدينية، والعرقية، على قاعدة عدم التمييز، لتوجد مجتمعاً متعدد الأعراق، فالمواطنة لا تقبل المنح أو المنع، وليست مادة للمساومة.

فعلا إنها أزمة مواطنة حقيقية، فأي مواطنة يريدونها لمسلمي أوروبا؟

أليست هذه المواطنة المنقوصة التي يريدونها للمسلمين تغذي العنف والإرهاب الذي يقوض السلم والاستقرار، ويؤدي إلى دوامة العنف والعنف المضاد.المعالجة الحقيقة تتطلب إيقاف الظلم والقهر والحيف الذي يمارس علينا، واستئصال منهج التمييز، وتكريس العدالة الاجتماعية بين أبناء المجتمع الواحد...العدالة الاجتماعية تعني إعطاء كل فرد ما يستحقه وتوزيع المنافع المادية في المجتمع بالعدل، وتوفيرا متساويا للاحتياجات الأساسية والمساواة في فرص العمل للشباب العاطل، والكف عن إهانة هذه الفئة من المجتمع.

*مدير المركز الثقافي الاجتماعي بهولندا

المصدر : الشرق الأوسط - 19-12-2005