فرنسا والعنصرية الثقافية

 

سبنسر بوير

 

 

يبدو أن صور الشبان السود والملونين الذين أثاروا الشغب في ضواحي باريس قد أقنعت الكثيرين بأن فرنسا لديها مشكلة عرقية. وقد نجد أنفسنا كأميركيين مجبرين علي تهنئة بعضنا البعض بسبب تفوقنا علي فرنسا والدول الأوروبية التي بدأت الآن فقط في مقاومة العنصرية ولكنني شاب أسود عاش في كل من فرنسا والولايات المتحدة وأستطيع أن أقول بأن مشكلة فرنسا ليست عرقية،فهي مشكلة معقدة أكثر من ذلك. وأشعر بالقلق من أن الأحداث التي وقعت في فرنسا قد تكون بالفعل مؤشراً علي ما قد يحدث في أميركا وكنت قد مررت بأول تجربة مع الشرطة الفرنسية في ليلة من ليالي شهر ديسمبر عام 1991. وكنت وقتها قد انتقلت الي باريس وعدت مرة أخرى الي شقتي الضيقة في احدى ضواحي باريس الفقيرة. وبدا منظري وضيعا بسبب السترة العسكرية القديمة والسروال البالي الذي كنت أرتديه. وفجأة ، اقتربت سيارة للشرطة مني وهبط منها 4 ضباط وسألني أحدهم عن وجهتي وطلب ضابط آخر الحصول علي بطاقتي الشخصية. ولكن عندما بدأت في التحدث معهم باللغة الفرنسية،لاحظ أحد الضباط لهجتي وسألني قائلاً : هل أنت أميركي؟ وتابع حديثه قائلاً نرجو المعذرة ونتمنى لك قضاء ليلة ممتعة. ساعتها شعرت بالذهول والصدمة. لقد حذرني أقراني من أن الفرنسيين لا يرحبون بالملونين وأنهم دائماً ما يضايقون العرب والأفارقة. ولكنني علمت بعدها بوقت قليل أن الأميركيين الأفارقة يلقون ترحاباً كبيراً في فرنسا حيث عوملت،على وجه العموم،بصورة أفضل من تلك المعاملة التي كنت ألقاها في الولايات المتحدة. وعوملت بشكل لائق في معظم الدول الأوروبية أيضاً خلال فترة الخمس سنوات التي قضيتها كطالب ومحام في فرنسا وانكلترا وهولندا وسويسرا. ونادراً ما كنت أتعرض للمضايقات العرقية خلال هذه الفترة التي كنت أشعر فيها دائماً بأنني شخص مميز. وقد شعرت بالقلق من أن تتسبب هجمات الحادي عشر من سبتمبر وردة الفعل الأميركية تجاهها في تغير معاملة الأوروبيين الودية معي في ضوء تنامي المشاعر العدائية للولايات المتحدة في أوروبا. وقد حاول أصدقائي الأميركيون البيض في أوروبا إخفاء جنسيتهم، ولكنني حصلت علي جواز سفر حر لأن الأوروبيين لم ينظروا لي في معظم الأحيان على أنني أميركي متغطرس وجاهل يتحكم في الساحة الدولية وهو النمط المعروف عن الولايات المتحدة في أوروبا. وبأسلوب آخر ، أستطيع أن اقول بأنني لقيت معاملة أفضل من رفقائي الأميركيين البيض لأنني ببساطة كنت أسودً. كل هذه الأمور تبدو محيرة وخصوصاً في ضوء المناقشات الدائرة حاليا عن العنصرية في فرنسا. ويطالعنا التاريخ بأن فرنسا رحبت بمشاركة الجنود الأميركيين السود ضمن قواتها خلال الحرب العالمية الثانية. وخلال القرن العشرين، فرت جموع غقيرة من الكتاب والفنانين والمطربين الأميركيين السود من الولايات المتحدة الي أوروبا بفعل التفرقة العنصرية.

وكانت باريس علي وجه الخصوص ملجأً للمفكرين السود من أمثال ريتشارد رايت وجيمس بولدوين. وقد ورثت هذا الارث ذلك أن الأوروبيين ربطوا بيني وبين النمط الأميركي الأسود الذي يفضلونه وما يتصل به من فنون وموسيقى الزنوج وصراعهم التاريخي من أجل الحرية والحصول علي حقوقهم المدنية. وانني شخص أسود ولكني لم أكن مهاجراً ذا ثقافة وعادات مختلفة يخشاها الأوروبيون. لقد كنت مسيحياً ولست مسلماً بمعني أنني كنت مختلفاً ولكن ليس بهذا القدر من الاختلاف ومن واقع تجربتي،أري أن التحيز في فرنسا يختلف بصورة جذرية عن التحيز في الولايات المتحدة،ففي أميركا اعتمد التحيز لفترة طويلة علي لون البشرة ولكن في أوروبا لايتعلق الأمر بلون البشرة بقدر ما يتعلق بالثقافة.

ان فرنسا لا تعاني من مشاكل عنصرية ولكنها تعاني من مشكلة استيعاب ثقافة وعادات المهاجرين وأبنائهم. وتدور الآن موجة عارمة من الجدل داخل فرنسا بشأن الخطوات التي يتعين اتخاذها للتغلب علي هذه المشكلة،وفي الوقت نفسه ترقب جميع الدول الأوروبية الباقية ما يدور داخل فرنسا بحذر بالغ. ويذهب البعض الي أن الحكومة الفرنسية يجب أن تقوم بحصر الممارسات العنصرية كي يتم التعامل معها ، في حين يطالب البعض الآخر بتبني النمط الأميركي الذي يميل لاتخاذ خطوات حاسمة ضد النزعة العنصرية.وقد يفيد النمط الأميركي،ولكن لأن المشكلة تكمن في الثقافة وليس في اللون،فان الحل الحقيقي لهذه القضية في فرنسا والدول الأوروبية الأخري يمثل تحدياً أكبر حيث يتعين علي الدول الأوروبية أن تتفهم وتقدر وتستوعب الثراء الثقافي للمهاجرين بنفس الطريقة التي عاملوني بها. إن النزاعات الثقافية يمكن أن تنمو عبر أنماط مختلفة من الخوف. وفي أوروبا،ثمة خوف كبير من التغيير الثقافي بنفس قدر خوف الولايات المتحدة من الارهاب.

المصدر: -ICAWS-28-11-1426 هـ