مصر : لحظة نهاية نظام شمولي فاشل

 

الدكتور أحمد الغندور الخبير الاقتصادي المصري الكبير، وعميد عمداء كلّيّة الاقتصاد والعلوم السياسية، يرى أن مصر الآن على أعتاب حالة فريدة في تاريخها، هي مرحلة نهاية نظام. ليس نظام مبارك والحزب الوطني فحسب، ولكن ـ كما يرى ـ فهي لحظة نهاية كل النظام الشمولي الذي عاشته مصر منذ ستين عاماً. وعن النظام الحالي يقول إنه يمثّل العودة الى مناخ ما قبل قيام الدولة؛ فالذي يحكم مصر الآن هم البكوات المماليك. وليست هناك دولة، هناك فقط رئيس تتجمّع لديه السلطات كافة. والطبقة الحاكمة هي جماعات مصالح وليست جماعة وطنية، ولا تمثّل فكراً ولا أيديولوجية سياسية معيّنة. ويرى الدكتور الغندور أن عدداً من تلاميذه الذين أصبحوا يعملون في السياسة في خدمة النظام، هم تلاميذ أفسدتهم السياسة، وقال إن شلّة الأمراء الاقطاعيين نهبت كل شيء، وحذّر من غضب المصريين.

دكتور أحمد، ما هي تنبّؤاتك العلمية للمستقبل في مصر، وكيف ترى ذلك المستقبل؟

أنا وصلت لقناعة أننا نعيش الآن عصر البكوات المماليك. النظام الذي نعيش فيه هو نظام شمولي. السلطة تتركّز في يد شخص واحد. كل شيء يقرّره هو وأي شيء...، لا أعرف ماذا سيحدث غداً؟! الوضع ضبابي، كيف أستطيع أن أتنبّأ علمياً بشيء؟، وجداول الانتخاب نصفها أموات يصوّتون، والنصف الآخر هو الأحياء، وهم أحياء لا يصوّتون؟.!

وأنا قلق جدّاً بدرجة أكبر مما كنت عليها. النظام الذي نعيش فيه هو نظام شمولي. السلطة تتركّز في يد شخص واحد. كل شيء يقرّره هو وأي شيء. نحن نعيش نهايات النظام الشمولي. الرئيس في أي نظام شمولي لا يقبل النقد. وهذا منذ بداية نظام تموز (يوليو) ١٩٥٢. والنظام الحالي هو امتداد لنظام تموز (يوليو) الذي لم يكن ديمقراطياً قط.

وما هي مظاهر شمولية نظام مبارك؟

أول مظهر هو أن هناك رئيساً واحداً يملك كل شيء. وثانياً هو وقوف النظام كلّه ضد أي رأي أو جماعة تنتقد أو تعارض الرئيس. الرئيس لا يقبل النقد في كل المراحل: الناصرية والساداتيّة والمباركيّة. ومن هنا تنبع كل مساوئ النظام وكل خطاياه. أنت لا تعرف وجه الحق في ما يقوله الرئيس، لأن الآلة الاعلامية الجهنمية الضخمة، الحكومية، تصوّر لنا قرارات الرئيس وكأنها نابعة من الغيب والوحي. ولذلك فنحن حتى الآن لا نعرف مثلاً الأسباب الحقيقية لهزيمة حزيران (يونيو) ١٩٦٧، وغيرها من الهزائم السياسية التي نعانيها. كما أنه تبدو للناس منطقية ونتيجة للنظام الفردي.

هل كنت تتوقّع أن يتحوّل الرئيس مبارك، الذي استبشرت به النخب السياسية في بداية الثمانينيات، وكنت جزءاً منها، الى قائد لنظام شمولي؟

لا. لم يتوقّع أحد ذلك. وهذا هو سبب استمراره. كنا نأمل خيراً مع مجيء مبارك وسمعته النظيفة، ولكن مباشرة السلطة الشمولية أدّت الى غير ما نتوقّع. وهو عندما يمارسها، لا يمارس سلطة مزاجية، فما يريده الرئيس ضئيل جدّاً بالمقارنة مع ما يريده النظام، وما يريده النظام تريده وتحرّكه قوى سياسية انتهازية ضاغطة، وهنا نقابل البيروقراطية والطبقة البرجوازية الشمولية. ليس صحيحاً أن الطبقة البيروقراطية هي التي تمارس الحكم وحدها، لكن النظام الشمولي، ونظام تموز (يوليو)، ينشئان الى جانب هذه السلطة مجموعة من الانتهازيين الذين يقومون بدور الطبقة البرجوازية في النظام الرأسمالي، لكن حتى ولو كانت الطبقة البرجوازية في النظام الرأسمالي قد أدّت الى البناء، فإن نظيرتها البرجوازية الشمولية في النظام المصري أدّت الى الهدم.

لماذا؟ هل لأن لدينا رأسمالية مشوّهة؟!.

نحن لم يكن لدينا في يوم من الأيام رأسمالية! وهذا واضح في الخصخصة. في المفهوم المصري، الخصخصة هي حملة تسويقية ويظهر هذا في قانون الخصخصة ذاته. قارن مثلاً بين قانون الخصخصة الفرنسي. في سلطة المجلس النيابي هنا وهناك. والأمر الايجابي لمحمود محيي الدين، وزير الاستثمار، الذي ظل يذهب الى البنك الدولي لثلاث سنوات.. لم يذهب للتوفيق بين قرارات الحكومة وقرارات البنك الدولي. ذهب بسبب قدراته وخبرته في: كيف تفسد السياسة كل شيء؟ ومحمود محيي الدين نظيف مادياً، لكنه خضع ونفّذ أوامر الطبقة الانتهازية الضاغطة والمسيطرة في النظام الحاكم.

هل هذه الطبقة الانتهازية هي التي حوّلت نظام مبارك الى نظام يستبدّ بالجماهير دفاعاً عن مصالحها الخاصة؟ ولو كان هذا صحيحاً: أليست هناك مسؤولية تلقى على عاتق الرئيس؟

هذه الطبقات نشأت نتيجة مناخ النظام، ويؤخذ على الرئيس مبارك، وأي رئيس، أنه لم يحاول أن يغيّر المناخ، فلا حرّيّة لأحد، وغياب الحرّيّة يولد الفساد، الاقتصادي منه والسياسي، وأبرز مظاهر هذا المناخ هو استيلاء الطبقة الشمولية على السلطة الاقتصادية. وهذا عمل من أعمال النظام. فالنظام يستولي على كل شيء. يعطي لمن يريد ويحجب عمّن لا يريد. هناك حصص تذهب الى رجال الأعمال، هذه الحصص تذهب في النهاية الى السوق السوداء، ليجني صاحب العطيّة، الفارق بين ثمنها الحكومي المنخفض، وثمن السوق السوداء المرتفع. وهذا وضح في أيام عبد الناصر، وزاد الأمر بعد الانفتاح الاقتصادي أيام السادات، وخلقت طبقة طفيلية زادت شراستها أيام مبارك، مع بدء تطبيق سياسة الاصلاح الاقتصادي، وكل إجراءات هذا الاصلاح صيغت وطبّقت لمصلحة هذه المجموعات الانتهازية.

ما الذي يستفيده النظام من حماية مصالح هذه المجموعات الانتهازية بينما يهدر حقوق ملايين المواطنين؟

هذه الطبقة البرجوازية دورها هو احتكار السياسة والاقتصاد وجميع مؤسّسات الدولة، ودعم كل مؤسّسة تحمي بقاء هذا النظام، بما في ذلك الصحافة الحكومية، بل والصحافة الخاصّة، لأن في بقاء هذا النظام استمراراً لمصالحها، وتراكماً لأرباحها.

كيف استطاع النظام في مصر استخدام الشمولية والاستبداد ليطيل في عمره، بينما الفاشيّة والنازّيّة والشمولية تنتهي من العالم؟!

النظام الشمولي يدمّر نفسه بنفسه. التاريخ صادق في هذا الخصوص، وهو صادق بالنسبة لمصر، فنحن نعيش نهايات النظام الشمولي. وهذا يبيّـن الثمن الضخم الذي دفعناه نتيجة استمرار النظام الشمولي طوال ستين عاماً. أنظر الى ما وصلنا إليه من تدهور وتدمير في المجتمع. وهذا هو الحاجز الرئيسي ضد مشروع التوريث مثلاً، وهذا يؤكّد قولي بنهاية هذا النظام الشمولي.

لكن من الذي سيحدّد نهاية هذا النظام الشمولي: النظام نفسه بممارساته، أو المعارضة والجماهير؟

القوى السياسية الداخلية أولاً والدولية ثانياً، وكل له دور، بدليل ظهور محمد البرادعي ـ المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرّيّة ـ في نهاية الستين عاماً، وما أحاط به من تأييد شعبي.

هناك من يقول إن أصواتاً داخل النظام الحاكم نفسه، مجموعات اقتصادية وسياسية، تؤيّد مطالب البرادعي، وترى أن ترشّح البرادعي هو تجديد لدماء النظام الحاكم، ما رأيك؟

لا. أنا لا أصدّق هذا الكلام! من قال هذا؟، هذا يتناقض مع مواقفهم المؤيّدة للنظام الحاكم. لم يخرج علينا واحد منهم، من الحزب الوطني ونادى بذلك! ولو كانت أصواتها مسموعة أو غير مسموعة، فهي في النهاية أصوات انتهازية وخائفة.

منذ سنوات تقول إن شعور الناس بالظلم زاد، وإن القادم أسوأ، وإن هذا سيجعل الناس تثور على الأوضاع بما هو أكبر من انتفاضة ١٨ و١٩ كانون الثاني (يناير) ١٩٧٧، وفعلاً وقع ويقع الأسوأ، وتفاقم شعور الناس بالظلم، ولم تحدث انتفاضة شعبية، ترى لماذا؟

أنا أتكلّم على شعب، وكلامي هذا منذ ثلاث سنوات أو أكثر، وهذه المدة قصيرة جدّاً في حياة الشعوب، لكن قارن الوضع السياسي حالياً والوضع السياسي منذ أربع سنوات، لقد زاد انعزال القيادات السياسية للنظام عن الناس، والناس تترّبص بهم الدوائر، فهذا يحدث فعلاً.

هل تتوقّع أنه في انتخابات الرئاسة العام المقبل سنرى منافسة بين البرادعي وجمال مبارك؟

الواضح حتى الآن أن ما يطالب به البرادعي من مطالب خاصة بتوفير ضمانات لإجراء انتخابات ديمقراطية سليمة، لن يأخذ به النظام، لأنه لو فعل ذلك ستأتي نهايته على يده، وليس بيد عمرو، لذلك ليس أمام النظام إلا أن يصرّ على الوضع الحالي، وأن يناور وأن يخادع وأن يخرج كل ما في جعبته. لذلك، فإن تصوّر وجود بطاقة انتخابية تحمل جمال مبارك في يمينها، وتحمل البرادعي في يسارها، هو أمر أقرب الى الخيال ولا أقول الهلوسة.

هناك ضغوط من الخارج بضرورة توفير ضمانات لإجراء انتخابات حرّة ونزيهة!

نعم. ليس من مصلحة أي دولة، وخصوصاً الولايات المتحدة، أن تساند نظاماً غير مستقرّ. لأنها بذلك تعرّض مصالحها للخطر. لذلك لا يمكن تصوّر أن الولايات المتحدة تساند مشروع التوريث. فالتوريث بالشكل الذي يريده النظام الحاكم معناه بقاء الأوضاع على ما هي عليه في مصر. وبقاء هذه الأوضاع كذلك، يهدّد مصالح الولايات المتحدة. وهذا يفسر لماذا اعتذر الرئيس الأميركي بوش عن الستين عاماً الماضية التي هيمنت فيها الولايات المتحدة على منطقة الشرق الأوسط ودعمت فيها أنظمة لم تحترم القانون.

هل تعتقد أن النظام يلقي بالاً للاحتجاجات الجماهيرية، فئوية أو سياسية، التي تتصاعد الآن في الشارع؟

نعم يلقي لها بالاً، بل ويخشاها رغم أنها صغيرة. فهذه الاحتجاجات تعبّر عن أزمة النظام الحاكم وعدم استقراره. ويزيد في عدم الاستقرار أن الحلول التي يقدّمها النظام للقضاء على هذه النقاط الاحتجاجية، هو أنه يزيدها سخونة والتهاباً، يزيد في معدّل عجز الموازنة، ويزيد في البطالة والفقر، وهذه هي الدولة الفاشلة التي تفجّر أزمات ولا تستطيع حلّها. ويمكن القول إننا نعاني أعراض عصر ما قبل الدولة، لأن الدولة الحديثة بالتعريف السياسي، هي دولة قانون، فالقانون يصدر بموافقة المجتمع ورقابته. لذلك، فإن أزمات النظام المصري ليست مثل أزمات النظام الرأسمالي في الولايات المتحدة، لكنها أزمات النظام الشمولي الذي لا يعرف القانون. وحلّ هذه المشكلات لن يتحقّق، لأن تحقّقه يتنافى مع مصالح الطبقة المستفيدة من استمرار هذه المشكلات.

كيف ترى الى الأحزاب السياسية في مصر؟

أنا أرى أن هذه الأحزاب هي جزء من النظام الشمولي نفسه، أنا أسمّيها أحزاب النظام، ورؤساؤها هم أبطال أفلام كارتون. نحن أمام وضع غير حقيقي. وأنا حذّرت البرادعي من أن يتعامل مع هذه الأحزاب كشيء مستقلّ عن النظام ذاته. هذه الأحزاب لا يمكن إصلاحها كما لا يمكن إصلاح النظام الشمولي.

الفترة المقبلة ستشهد انتخابات برلمانية ورئاسية، هل تتوقّع أن يبادر النظام بتوفير ضمانات، أو أنه سيسمح لمرشّحين مستقلّين بالترشّح؟

أنا لا أرى أي مؤشّر الى أن النظام سيعدل عن الخط الحالي الذي ينتهجه، وأي انتخابات ستحدث سيكون التزوير رائدها، والدستور بتعديلاته الحالية لا يسمح بتعدّدية في الترشّح للرئاسة، لذلك أصبح الإنسان السياسي في حيرة، لأنه لا يملك من الأدوات ما يجعله يتنبّأ بما سيحدث غداً. ولا أتكلّم على التنبّؤ بالمستقبل، لأن أدوات الاستشراف والتنبّؤ ليس معمولاً بها في النظام الشمولي. التنبّؤ يقوم على الواقع، والواقع ضبابي، والتنبّؤ الآن هو نوع من المضاربة السياسية. أنا قلق جدّاً على مصر، لا أعرف ماذا سيحدث غداً.

ما صحّة مقولة أن أوضاع حقوق الإنسان تدهورت في عهد النظام الحالي أكثر من أي عهد مضى؟

بالطبع. هذا صحيح، وهناك تدهور كبير جدّ في حقوق الناس على كل المستويات.

هل تعتقد أن المصريين سيكون لديهم استعداد في الفترة المقبلة، لأن يقدّموا تضحيات تقرّبهم من نقطة تحديد مصيرهم؟

أعتقد. وهم بدأوا فعلاً، هناك مظاهر احتجاجية فعلاً، قد تكون احتجاجات من فئات محدودة، هي تضحيات من مجموعة صغيرة، لكنها معبّرة عما وصل إليه الحال. وهذه عيّنة عشوائية معبّرة عن المجموعات المكوّنة للشعب المصري. المصريون قرّروا تحديد مصيرهم. وأول خطوة هي أنهم نفضوا أيديهم من النظام.

كلّيّة الاقتصاد والعلوم السياسية أصبحت معملاً لإنتاج كوادر ترتمي في أحضان النظام الحاكم: محمود محيي الدين، يوسف بطرس غالي، علي الدين هلال، محمد كمال، وكثيرون غيرهم...؟

كلّيّة الاقتصاد هي مدرسة لتعليم الاقتصاد والسياسة، هذا في التحليل الأخير. هي كلّيّة تسعى لتخريج الاقتصادي العلمي القوي النظيف بركائزه العلمية القويّة.. وكذلك السياسي. لكن هذه المدرسة تعطي أدوات، وهذا ليس وحده من يحدّد مسار الخرّيج أو الأستاذ في الحاضر والمستقبل، بل يشترك فيه التربية، والتعلّم الذاتي والتثقيف. التربية في مصر كانت قبل تموز (يوليو) تربية خاصة ووطنية، تعلّموها في بيوتهم، لكن في ظل النظام الشمولي ليست هناك تربية وطنية. وإذا أضفت الى ذلك، أن اختيارات أي حاكم وأي نظام هي اختيارات قائمة على الانتهازية والعملية، فالأمر يفسّر نفسه. نحن نكوّن أسس الشخص السياسي والاقتصادي، أما ضميره فهذا أمر يخصّه هو وحده.