حيرة الأمريكان في التعامل مع إيران

 

 

 

تُـظهر التحركات الأمريكية المتناقضة في التعامل مع إيران تخبُّــطا واضحا بين الرّغبة في استخدام العصا الغليظة وحشد تأييد جيران إيران من دول الخليج.

حول الحيرة الأمريكية في التعامل مع إيران التقت سويس إنفو في واشنطن بالسيد كلود صالحاني، رئيس تحرير صحيفة ميدل إيست تايمز والمراسل السابق لوكالة يونايتد برس إنترناشيونال في الشرق الأوسط وأوروبا.

تُـظهر التحركات الأمريكية المتناقضة في التعامل مع إيران تخبُّــطا واضحا، بين الرّغبة في استخدام العصا الغليظة وحشد تأييد جيران إيران من دول الخليج، لاتِّـخاذ موقف صارم إزاء النفوذ الإيراني المتصاعد في المنطقة وطموحها النووي، وبين الحاجة إلى تأمين نوع من أنواع التعاون الإيراني الأمريكي في وقف أعمال العُـنف والمقاومة في العراق، لتوفير مناخ يسمح بالاستجابة إلى حدٍّ ما للضغط الشعبي بتقليص الدور العسكري الأمريكي في العراق.

فبينما تدخل الولايات المتحدة في مباحثات مع إيران وتتفقان على تشكيل لجنة أمنية مشتركة لوقف العنف في العراق، تجوب وزيرة الخارجية ووزير الدفاع دول الخليج لحشد تأييد دول المنطقة للتعاون مع الولايات المتحدة في الوقوف بحزم أمام تزايد النفوذ الإيراني في المنطقة وكذلك ضد الطموح النووي الإيراني؟

حول الحيرة الأمريكية في التعامل مع إيران التقت سويس إنفو في واشنطن بالسيد كلود صالحاني، رئيس تحرير صحيفة ميدل إيست تايمز والمراسل المُـخضرم لوكالة أنباء يونايتد برس إنترناشيونال في الشرق الأوسط وأوروبا على مدى ربع قرن، والحائز على جائزة بوليتزر للصحافة في التغطية الإخبارية.

سويس إنفو: ما هو تفسيرك للتناقض بين هاتين السياستين الخارجيتين أمريكيتين المتنافرتين تماما في التعامل مع إيران؟

كلود صالحاني: هذا التناقض يعكس وجود معسكرين داخل عملية اتِّـخاذ القرارات فيما يتعلّـق بالسياسة الخارجية الأمريكية. فمن ناحية يدفع ديك تشيني، نائب الرئيس باتجاه شنِّ عمليات عسكرية أمريكية ضد إيران، وتراوحت اقتراحاته بين شنِّ هجمات إجهاضية على منشآت إيران النووية، قبل أن تصل إلى مستوى القُـدرة على إنتاج الوقود النووي وتخصيب اليورانيوم، وبين شنِّ هجمات عسكرية خاطفة على ما يصِـفه بمُـعسكرات تدريب داخل إيران، لإعداد مقاتلين وإرسالهم لشنِّ هجمات على القوات الأمريكية في العراق.

ومن ناحية أخرى، يرغب الرئيس بوش في استخدام الضغوط الدولية والعقوبات وردع إيران من خلال تزويد الدول المجاورة بصفقات أسلحة بالغة التطور، لكي لا تتمادى في جهود توسيع نفوذها في المنطقة، دون الحاجة إلى الدخول في حرب جديدة، بينما يتعرّض لضغوط من الشعب والكونغرس الأمريكي للانسحاب من العراق.

سويس إنفو: لكن، هل سيكتب النّـجاح لتوجه الرئيس بوش باستخدام صفقات الأسلحة المتقدمة تكنولوجيا لدول مجلس التعاون الخليجي ومصر كوسيلة لردع إيران؟

كلود صالحاني: يمكن لذلك التوجُّـه أن ينجح، ولو جزئيا، لأنه يستغل الخوف المتصاعد في منطقة الخليج من دخول إيران النادي النووي، وهو خوف يجعل دُول الخليج تتعاون مع الولايات المتحدة لتقليص فُـرص إيران في التحوّل إلى قوة نووية، بل وقد يدفع دول الخليج إلى الوقوف مع مصر والسعودية لإيجاد توازن نووي عربي، وهو ما سيدفع المنطقة إلى الدخول في حلقة جديدة وخطيرة من حلقات سباق التسلح.

سويس إنفو: أظهر لقاء الرئيس بوش برئيس الوزراء البريطاني الجديد غوردون براون موقفا موحّـدا إزاء التعامل الصارم مع إيران، فيما يتعلّـق ببرنامجها النووي، فكيف سيمكن الخروج من المواجهة الأمريكية المستمرة مع إيران؟

كلود صالحاني: لا أتصوّر مَـخرجا بدون الدخول في مفاوضات تعترف بحق إيران المشروع في تطوير قُـدرات نووية للاستخدام السلمي فقط، مقابل موافقة إيران على السَّـماح لمراقبي ومفتّـشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بزيارة مُـفاعلاتها النووية والتأكُّـد من استخدامها للأغراض السلمية فحسب، وبذلك يمكن تهدئة المخاوف الأمريكية ومخاوف دول المنطقة، وقد يمكن لروسيا القيام بدور هام في هذا الخصوص.

سويس إنفو: الولايات المتحدة واصلت استخدام القنوات الأوروبية في التفاوض مع إيران، فلماذا لا تدخل الولايات المتحدة في مفاوضات مباشرة مع إيران مثلما فعلت مع كوريا الشمالية، بعد تمنع طال أمده؟

كلود صالحاني: أنت طرحت السيناريو المِـثالي للخروج من تلك العُـقدة المستعصية، وهو المحادثات المباشرة، ولكن لسوء الحظ هناك كمّ متراكم من المَـرارة والاتهامات المتبادلة بين طهران وواشنطن تجعل من العسير الدخول مباشرة في تلك المفاوضات، ويتعيّـن على الولايات المتحدة، لكسر تلك الحواجز، أن تتوقّـف عن وصف إيران بأنها أحد أضلاع مثلث الشر في العالم، وفي المقابل، يجب أن تتوقّـف إيران عن وصف الولايات المتحدة بأنها الشيطان الأكبر في العالم والبدء في خلق مُـناخ يتَّـسم برغبة كل طرف في قبول الطرف الآخر، ولكن الطرفان وافقا على أية حال في الدخول في محادثات حول العراق على مستوى السفراء، مما يُـظهر أن التفاوض المباشر بينهما أمر غير مستحيل، وإذا توفَّـر التعاون وحُـسن النية، فقد يُـمكن الانتقال من المحادثات المباشرة حول العراق إلى مباحثات مباشرة حول البرنامج النووي الإيراني.

ولكن يجب التنبّـه إلى أن مثل ذلك التفاوض سيكون مستحيلا إذا واصلت كل من الولايات المتحدة وإيران فرض شروط مُـسبقة للدخول في تلك المفاوضات. فإيران تشترط الإفراج عن مليارات الدولارات المجمّـدة في البنوك الأمريكية منذ سقوط حُـكم الشاه، قبل الدخول في مفاوضات مباشرة حول برنامجها النووي، والولايات المتحدة تشترط تعليق تخصيب اليورانيوم، قبل الدخول في مفاوضات مع إيران.

سويس إنفو: لكن الولايات المتحدة تشترط كذلك وقف الدّعم الإيراني لحزب الله وحماس وتوقّـف إيران عن إثارة مشاعر الكراهية لإسرائيل والحديث عن نهايتها المحتمة، فما الذي يتعيّـن على إيران عمله للتوصل إلى نوع من المصالحة مع الولايات المتحدة وتجنّـب المواجهة معها؟

كلود صالحاني: مشكلة إيران أن هناك توجّـهات عديدة تتجاذبها في الداخل، وفي النهاية، لا تتحدث طهران بلِـسان يعكِـس موقفا موحّـدا. فالرئيس أحمدي نجادي له مواقف تختلف عن مواقف المجلس الأعلى، التي قد لا تتّـفق بالضرورة مع آراء البرلمان الإيراني أو حُـراس الثورة الإسلامية، حتى حول قضايا غير خلافية، مثل مساندة حزب الله أو تأييد حركة حماس. ولكن الموقف الأساسي الذي يثير غضب الولايات المتحدة من إيران ومواقف إيران المناهضة للجهود الأمريكية المتعلِّـقة بمحاولة التوصل إلى حلٍّ سِـلمي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي. فإذا تم التوصل إلى تسوية عن طريق المفاوضات لذلك الصراع، فستختفي عقبة رئيسية في طريق إمكانية حدوث مصالحة أمريكية مع إيران، خاصة إذا أمكن التوصل أيضا إلى حلٍّ لمشكِـلة الطموح النووي الإيراني.

سويس إنفو: من المطالب الإيرانية المُـعلنة، ضرورة اعتراف الولايات المتحدة بأن إيران قوّة إقليمية رئيسية في الشرق الأوسط، مثل تركيا وإسرائيل، فهل سيمكن للولايات المتحدة قبول دفع ذلك الثمن لقاء تعاون إيران في العراق؟

كلود صالحاني: يجب أن تُـقر الولايات المتحدة بحقيقة واقعة، هي أن إيران أصبحت قوة إقليمية بالفعل، سواء أحبّـت واشنطن ذلك أم لا.

فإيران تقوم بدور في الشرق الأوسط لا يمكن للولايات المتحدة أن تلعبه، لكونها بعيدة عن المنطقة ولا تنتمي جُـغرافيا للشرق الأوسط، ولذلك، سيكون منطِـقا ذكيا من واشنطن أن تُـقر وتتفهّـم حقيقة الدور الذي يُـمكن لإيران أن تقوم به ومحاولة حثِّـها على أن يكون ذلك الدور إيجابيا.

سويس إنفو: ماذا عن السيناريو البديل، لو أن المواجهة حول البرنامج النووي الإيراني تصاعدت، هل لا زال الخيار العسكري مُـتاحا أمام الولايات المتحدة، رغم المأزق الذي تواجهه في العراق؟

كلود صالحاني: أخشى أن بعض أعضاء الإدارة الأمريكية لا يزالون يروِّجون لفِـكرة الخِـيار العسكري مع إيران، وأنا شخصيا لا أعتقد أنه خِـيار مطروح، لأنني أعتقد أنه لو أقدَمت الولايات المتحدة على توجيه ضربة عسكرية لإيران، فستواجه المزيد من المآزق والمشاكل في منطقة الشرق الأوسط، وبالقياس على ما حدث في العراق، يمكنني القول بأنه لو كرّرت الإدارة الأمريكية نفس السيناريو في إيران، فستواجه أربعة أو خمسة أضعاف المشاكل التي تواجهها حاليا في العراق، وبالتالي، أعتقد أنه توجّـه بالغ الخطورة أن يتبنّـى أحد مثل ديك تشيني منطِـق أنه يوجَـد حلّ عسكري للمشكلة مع إيران، ولكن للأسف، فإن مصدرا أمريكيا مطّـلعا صرّح بأن مسؤولا كبيرا في المخابرات الأمريكية أكّـد له أن الرئيس بوش عقَـد العزم على ألا توجِّـه الولايات المتحدة ضربة عسكرية إلى المرافق النووية الإيرانية هذا العام، مما يُـبقي الباب مفتوحا أمام احتمال أن تأتي الضربة في العام القادم، بحيث قد يتسلم الديمقراطيون مقاليد الحكم والبلاد في أعقاب حرب ثانية على إيران إلى جوار الحرب الدائرة في العراق.

سويس إنفو: هل تعتقد أنه سيكون للديمقراطيين أسلوب تعامُـل مختلف مع إيران، إذا نجحوا في انتخابات الرئاسة في العام القادم؟

كلود صالحاني: قد تكون نبرة حديث الديمقراطيين في الغاية الانتخابية وفي غِـمار معركة التنافس على الفوز بانتخابات الرئاسة مختلفة وتدعو إلى انتهاج توصيات لجنة بيكر - هاملتون بالحوار مع إيران، خاصة حول العراق، ولكن عندما يصل المرشح إلى المكتب البيضاوي في البيت الأبيض، تكون له نظرة مختلفة إلى العالم، ولذلك، أعتقد بأن الديمقراطيين قد يتَّـخذون أسلوبا مُـغايرا لِـما عوّدتنا عليه إدارة بوش في التعامل مع إيران، ولكن سيتعيّـن عليهم التعامل مع حقيقة أنه لو سمح لإيران بدخول النادي النووي، فستكون لذلك عواقب خطيرة بالنسبة للمنطقة، بل وبالنسبة للعالم ككل.

سويس إنفو: بعد كل السيناريوهات التي تحدّثنا عنها، ما هو تصورك لمستقبل العلاقات بين إيران والولايات المتحدة؟

كلود صالحاني: لا أرى في الأفُـق ملامِـح لمُـصالحة بين طهران وواشنطن فيما تبقّـى للرئيس بوش من فترته الرئاسية الثانية، ولا فيما تبقّـى للرئيس أحمدي نجاد من سنوات في رئاسة جمهورية إيران الإسلامية، وكل الأمل معقود على تغيير الرئاسة في البيت الأبيض في غُـضون أقل من عام ونصف، فقد يؤدّي وصول مرشح ديمقراطي إلى البيت الأبيض في يناير عام 2009 إلى إيجاد فرصة لفتح صفحة جديدة في تاريخ العلاقات الأمريكية الإيرانية وبدء مفاوضات من مُـنطلق جديد، ولكن ما سيسود ساحة العلاقات في المستقبل القريب، هو تهديدات واستعراض عضلات وحرب نفسية أمريكية لترهيب إيران، وطنطنة خطابية إيرانية ضدّ الولايات المتحدة، وأخشى ما أخشاه، هو أن تتحوّل هذه المُـهاترات إلى أعمال عدائية تُـستخدم فيها القوة المسلحة.

و كل ذلك بسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:سويس إنفو- 5-8-2007