بالتغيير الثقافي، يمكن اعادة بناء العراق 

اعتبر نزار حيدر، مدير مركز الاعلام العراقي في واشنطن، ان التغيير الحقيقي المرجو للعراق، لا يمكن ان نتصوره الا بالتغيير الثقافي اولا، والذي يجب ان يمس طريقة التفكير وادوات الحوار والاهداف الغائية للعملية الديمقراطية.

واضاف نزار حيدر، الذي كان يجيب على اسئلة هيئة تحرير (شبكة الوليد للاعلام) الالكترونية:

بعد ان ابتلي العراقيون، ولفترة زمنية طويلة، بما اسماهم المفكر العراقي الراحل عالم الاجتماع الدكتور علي الوردي، وعاظ السلاطين، باتوا اليوم يعانون من مثقفي السلاطين، الذين ينظرون للديكتاتوريات على حساب النظام الديمقراطي الجديد الذي يبنيه العراقيون اليوم باغلى الاثمان.

كيف تنظرون الى دور النخبة في بناء العراق؟.

لعلي اختلف مع السؤال بعض الشئ، فانا لا اعتقد بان التغيير يبدا من النخب، خاصة في بلداننا العربية، التي تحولت فيها النخب الى كومبارس يسير في ركب الانظمة الشمولية الاستبدادية، منظرة ومعللة ومبررة لها استبدادها وسلطتها البوليسية القمعية.

هذا من جانب، ومن جانب آخر، فان البناء عملية شاملة يفترض انها تمس كل جوانب الحياة، والتي على راسها النظام السياسي، فاذا صلح هذا النظام صلحت الكثير من الامور تبعا له، والعكس هو الصحيح، فاذا فسد النظام السياسي فسد كل شئ، ونحن في العراق نختزن الكثير من التجربة بهذا الخصوص في ذاكرتنا الجمعية، سواء البعيدة منها او المنظورة، فعندما رفع النظام الشمولي البائد شعار التنمية في بدايات السبعينيات من القرن الماضي، ونجح على الصعيد المادي، ان من خلال التكنلوجيا والبناء والتنمية الاقتصادية وغيرها، الا ان كل ذلك لم يصمد امام فساد النظام السياسي الذي تحول الى سلطة الفرد الاوحد، فانهار كل ما بناه النظام بسبب حروبه العبثية التي راح يشنها ضد شعبنا الكردي في شمال العراق تارة وضد الجارة ايران تارة اخرى، وضد الجارة الكويت ومن ثم المجتمع الدولي تارة ثالثة ورابعة، وهكذا.

وكدليل على صحة ما اذهب اليه هنا، فان الدينار العراقي كان وقتها يعادل (3.7) دولار اميركي، ولكنه انهار فيما بعد لتصل قيمته يوم سقوط الصنم الى ان يعادل السنت الاميركي الواحد (40) دينارا عراقيا.

تاسيسا على ذلك، فانا لا اتفاءل كثيرا عندما ارى نظاما سياسيا ما ينجح في التنمية على اي صعيد كان اذا لم يقرر اصلاح نفسه، لان مثل هذه النجاحات ستنهار ان عاجلا ام آجلا، وما تجربة النظام السياسي في ايران ابان حكم العائلة البهلوية التي قادت ما اسمته بالثورة البيضاء، الا واحدة من الادلة على هذه الحقيقة.

اننا، في العراق، كما في عالمنا العربي، بحاجة الى التاسيس لدول وليس لانظمة، وللاسف الشديد فان جل شعوبنا تعيش في ظل انظمة تصدر تشريعاتها على هيئة قرارات او مرسومات ملكية او جمهورية وكانها هبة او منحة او تفضلا من الحاكم لرعيته او عليها.

بناء على هذا الفهم، فانا اعتقد بان عملية البناء التي يجب ان تكون شاملة تبدا من التغيير الثقافي اولا، فمشكلتنا اننا لازلنا لم نتعلم كيف نعيش في هذه الحياة التي خلقنا الله تعالى فيها وسخر لنا كل شئ خلقه، فلازلنا نتفنن في الموت والقتل والتدمير والخلافات والمشاحنات والنفاق والتناقضات، اما فن الحياة والسعادة والتعايش والتعاون والحوار والتفاهم وتنظيم الخلاف فلازلنا بعيدين عنها كل البعد.

ومن اجل ان نحقق مثل هذه الثقافة، فاننا بحاجة الى ان تشترك كل شرائح المجتمع العراقي في عملية بناء العراق، والذي كما قلت، تبدا من التغيير الثقافي اولا.

ان المقصود بالتغيير الثقافي، هنا، هو ذاك التغيير الذي يجب ان يمس طريقة التفكير وادوات الحوار والاهداف الغائية للعملية الديمقراطية، فالكثير منا، مثلا، يتصور بان الديمقراطية تعني صندوق الاقتراع فحسب، او ان الدولة تعني الحكومة فقط، وهذا خطا يجب ان يتغير، فاذا كان صندوق الاقتراع هو اداة الفرقاء للوصول الى السلطة، اي انه يشرعن الوصول الى السلطة، فان الانجازات والنجاحات هي التي تمنح هذه السلطة الشرعية المطلوبة للاستمرار في الحكم، فحكومة وصلت الى السلطة عن طريق صندوق الاقتراع تفشل في تحقيق اهداف الناخب، لهي حكومة بلا شرعية للاستمرار في سدة الحكم، وهذا ما يجب ان يفهمه العراقيون من اجل تغيير طريقة التعامل مع الحكومة، اية حكومة تصل الى السلطة عن طريق صندوق الاقتراع، حتى لا يكتفي الشعب بايصال ممثليه الى السلطة بالانتخابات، ثم يرقد في سبات عميق لا يعرف ماذا تفعل الحكومة وما الذي انجزته وما هي نجاحاتها، وفي اي برنامج فشلت ولماذا وكيف؟.

كذلك، فان اعتماد فهم ان الدولة تعني الحكومة تحديدا، خطا آخر لا يساهم في بناء مفهوم الدولة، وهو الفهم الذي يدفع اليوم كل الفرقاء السياسيين والكتل البرلمانية بالتشبث بتسمية رئيس الوزراء القادم منها لتضمن وصولها الى الحكومة ــ الدولة، انما ينبغي تغيير هذا الفهم بمفاهيم اخرى تعتمد اركان الدولة بالكامل، فالبرلمان جزء من الدولة والسلطة القضائية جزء من الدولة والمعارضة تحت قبة البرلمان جزء من الدولة، ومؤسسات ومنظمات المجتمع المدني والاعلام ومراكز الابحاث ومجموعات التفكير والتنظير، ان كل ذلك اجزاء من الدولة لا يمكن الفصل بينها ابدا.

اما على صعيد النخبة، فلقد حاولت ان تساهم في عملية البناء، كل حسب اختصاصها، الا انها، وللاسف، تعرضت لعمليات تصفية جسدية وملاحقات امنية خسر العراق الجديد بسببها الكثير من الطاقات والكفاءات والخبرات التي حاولت ان تعود الى بلدها للمساهمة في عملية البناء، اذ كما نعرف فان النظام الشمولي البائد كان قد صفى النخب العراقية وعلى مختلف الاصعدة، فلقد عمد النظام البائد الى تبني سياسة الولاء للسلطة اولا، في التعامل مع النخب العراقية، ومن كان يشك في ولائه كان يعمد الى تصفيته وان كان رفيقا في الحزب الحاكم، او عبقريا او مثقفا ومفكرا او عالما ومتخصصا في اي مجال من مجالات العلم والمعرفة.

كما ان سياسات الحزبية الضيقة والمحاصصة التي اعتمدتها الاحزاب والكتل التي حكمت في بغداد بعد سقوط الصنم في التاسع من نيسان عام 2003، غلقت الابواب امام النخب العراقية التي لا تنتمي جلها الى الاحزاب الحاكمة اليوم، ما اضاع فرصة ذهبية كبيرة امام العراقيين للاستفادة من النخب العلمية التي تعلمت كثيرا وابدعت اكثر في بلدان المهجر طوال مدة اقامتها فيها.

كما ان للفساد الاداري والروتين وضياع القرار في دهاليز مؤسسات الدولة، اضاع الكثير من الفرص امام النخب العلمية والمثقفة التي حاولت الرجوع الى بلدها لتصب فيه خبرتها الطويلة.

لقد استبشرت هذه النخب خيرا بمؤتمر الكفاءات الذي رعاه مجلس النواب قبل حوالي عامين في العاصمة بغداد، الا انها اصيبت بخيبة امل كبيرة عندما علمت بانه كان مؤتمرا استعراضيا اريد منه خدمة اغراض دعائية انتخابية لقائمة على حساب القوائم الاخرى.

وما بقي من جهود تبذلها بعض النخب هنا وهناك في بلاد المهجر، لتنظيم التواصل الدائم مع الداخل، لخدمة عملية التنمية والبناء، لم تعد كونها جهودا محدودة لا ترقى الى مستوى الطموح وفعل الدولة. 

هل وقف المثقفون ووجهاء المجتمع، الموقف المطلوب خلال محنة العراق وسنواته السبع العجاف؟.

لا شك في ذلك، فلقد سعت مفاتيح المجتمع العراقي، خاصة شريحة المثقفين والوجهاء، الى ضبط ايقاعات الشارع للحيلولة دون انفلاته، فكلنا نعرف، مدى خطورة الظرف القاسي الذي مر به العراق منذ سقوط الصنم، خاصة في فترة الاثارات الطائفية التي توجت بالعملية الارهابية التي نفذتها جماعات العنف والارهاب التكفيرية في مدينة سامراء المقدسة، بتفجيرها لمرقد الامامين الهمامين العسكريين، والتي اريد منها تفجير الحرب الاهلية والطائفية بين ابناء العراق الواحد، الا ان الموقف المتزن والحكيم الذي ابدته مفاتيح المجتمع العراقي، وعلى راسها المرجعية الدينية العليا في النجف الاشرف، وشريحة المثقفين والوجهاء، الذين دعوا جميعهم الى ضبط النفس وعدم الانجرار وراء المخطط الذي رسمته الجماعات الارهابية للعراق الجديد، هو الذي حال دون انزلاق العراق في اتون الحرب الاهلية والحمد لله.

ولكن ما يؤسف له حقا، هو ان بعض (الوجهاء) ومن ينعتون انفسهم بالمثقفين انجروا الى مخطط الارهابيين عندما حولوا مناطقهم الى حواظن دافئة لجماعات العنف والارهاب، والى ملاذات آمنة للارهابيين، ما ساعدهم على مواصلة مخططاتهم الدنيئة مدة زمنية اطول، ما كان يمكنهم ان يستمروا كل هذه المدة الزمنية الطويلة ينفذون فيها خططهم التخريبية، لو لم يجدوا في داخل العراق من يساعدهم على تحقيق اهدافهم، فكلنا نعرف فان الارهابيين في العراق جلهم من القتلة الذين تسللوا اليه من خارج الحدود مستفيدين من الانفلات الامني الذي صاحب عملية سقوط الصنم، ومدعومين بالمال الحرام الذي اغدقته عليهم انظمة واسر حاكمة في المنطقة، الى جانب الدعم اللوجستي الذي يحصلون عليه من اجهزة مخابرات اقليمية ودولية عديدة، الهدف من وراء كل ذلك هو تدمير العملية السياسية الجديدة التي يشهدها العراق، وتحديدا محاولات العراقيين في بناء تجربتهم الفتية المتمثلة في النظام الديمقراطي الجديد.

هل هناك انتقادات ترغبون بتوجيهها للمثقفين ووجهاء المجتمع العراقي؟.

ان كان لي ان انتقد احدا، فانني انتقد اربع شرائح في المجتمع العراقي الجديد:

الشريحة الاولى: هم السياسيون الذين عادوا الى العراق بعد سقوط الصنم ليمسكوا بالسلطة.

كنت اتمنى عليهم ان ينقلوا للعراق الجديد، وللشعب العراقي، افضل ما تعلموه في بلاد المهجر، خاصة وان جلهم عاش في بلاد الغرب التي تحكمها الانظمة الديمقراطية، ويحكمها القانون والنظام والتنظيم في كل مناحي الحياة.

كنت اتمنى عليهم ان يعودوا الى العراق بافضل ما تعلموه، اذا بهم ينقلوا للعراق اسوأ ما تعلموه، او قل ما لم ينسوه من تربيتهم (العراقية) وثقافتهم (العالم ثالثية) وللاسف الشديد.

ثانيا: الشريحة الثانية، هم السياسيون الذي يريدون ان يرموا بكرة الديمقراطية العراقية في ملعب الانظمة الاستبدادية الشمولية البوليسية.

انهم يرومون الى رمي الديمقراطية العراقية في حضن الديكتاتوريات العربية، وهذا، لعمري امر خطير ينبغي ان لا يتورط فيه هؤلاء، فاذا كان الناخب العراقي قد منحهم ثقته لتسنم موقع ما في السلطة الجديدة، فهذا لا يعني انه وقع لهم على صك ابيض، مفتوح، يمنحهم الحق في التصرف بثقة الناخب كيف ومتى وانى يشاء، ابدا، فالعراقيون سيحاسبون هؤلاء اشد الحساب واعسره، اذا ما لمسوا منهم تواطؤا في التفريط بالديمقراطية الفتية التي يبنيها الشعب العراقي بدماء النحور ودموع الارامل والايتام.

ان النظام السياسي العربي الفاسد يحاول اليوم هضم التجربة الديمقراطية في العراق الجديد بعد ان يئس من امكانية تدميرها، ولذلك فانا، هنا، احذر هذا النوع من السياسيين من مغبة ان يكونوا هم العامل المساعد لمثل هذا الجهد العربي الرسمي.

ان عليهم ان لا يكونوا اعداء انفسهم، واعداء شعبهم وبلدهم.

ثالثا: الشريحة الثالثة، هي شريحة المثقفين اليساريين، من مخلفات العهود البائدة، من الذين ينتقدون ديمقراطية بلادهم لحساب الديكتاتوريات التي يكتبون في وسائل اعلامها.

تصور، ان احدهم ينتقد في مقال له استمرار (حزب الدعوة) بالسلطة في بغداد مدة (6) اعوام، يعتبرها كافية من اجل ان لا نؤسس لسلطة الحزب الواحد، وقد نشر مقالته النقدية التنظيرية هذه في صحيفة رسمية لنظام سياسي لا زالت عائلة واحدة تحكم البلاد لاكثر من (200) عام، انظروا الى التناقض في الموقف والرؤى.

للاسف الشديد، فان امثال هؤلاء الذين كانوا في يوم من الايام يملأون الدنيا صراخا وعويلا بشعارات طبقة البروليتاريا وامثالها من هذه المصطلحات التي لم تشبع جائعا او تكسو عريانا، اذا بهم اليوم في خدمة السلطان، واي سلطان؟ انه سلطان الانظمة الوراثية الشمولية المتخلفة.

اتمنى عليهم ان يعيدوا النظر في طريقة نقدهم، ووسائلهم في هذا النقد، فبدلا من ان يوجهوا سهامهم الى ديمقراطية العراق الفتية من اسوار ديكتاتوريات الانظمة الشمولية ومنجنيقاتها الحارقة، عليهم ان يدخلوا الى المدينة فينتقدوا من الداخل ما امكنهم الى ذلك سبيلا، ليساهموا في الاصلاح والتصحيح والبناء بدلا من التهريج الذي لا ينفع شيئا.

انهم يطعنون بالديمقراطية العراقية في صحف النظم الشمولية، مقابل دراهم معدودة، وهم بذلك يخذلون الديمقراطية ولكنهم بالتاكيد لم ينصروا الديكتاتورية والنظام السياسي الشمولي، فكيف، يا ترى، تحول منظروا طبقة الكادحين وطبقة البروليتاريا الى منظرين لمصاصي دماء الكادحين، على حد وصفهم للنظم البورجوازية ايام زمان؟.

فبعد ان ابتلي العراقيون، ولفترة زمنية طويلة، بما اسماهم المفكر العراقي الراحل عالم الاجتماع الدكتور علي الوردي، وعاظ السلاطين، باتوا اليوم يعانون من مثقفي السلاطين، الذين ينظرون للديكتاتوريات على حساب النظام الديمقراطي الجديد الذي يبنيه العراقيون اليوم باغلى الاثمان.

الشريحة الرابعة، هي شريحة (المثقفين) العرب، واخص منهم بالذكر الاتحادات العربية المعنية بالفكر والثقافة والكتابة والكتاب، بتشديد التاء، وغير ذلك، هؤلاء الذين تعاملوا بعدوانية مفرطة مع الحالة الثقافية الجديدة في العراق، بالمقاطعة تارة وبالتخوين تارة اخرى، ناسين او متناسين انهم مؤسسات في خدمة الانظمة الشمولية والبوليسية القمعية.

اتمنى عليهم ان يعيدوا النظر في مواقفهم من الحالة الثقافية في العراق وكل ما يتعلق بها من مؤسسات، ففي العراق اليوم منظمات ومؤسسات ثقافية وفكرية حرة لا تنتمي الى السلطة، وهي تحاول ان تبني نفسها وكيانها بعيدا عن سلطة الحاكم، وان اكبر دليل على ذلك هو هذا الكم الهائل من الاعلام الحر ووسائله المختلفة، والتي تطال باقلامها اكبر مسؤول، تفضحه اذا سرق وتنتقده اذا قصر، بتشديد الصاد، وتشير اليه باصابع الاتهام اذا شك فيه الشارع.    

هل تؤيدون من يقول بان العمق الثقافي والمعرفي في العراق، هو الذي حافظ على تماسك شعبه بعد ان تعرض لكل هذه الاهوال؟.

اكيد، فعلى الرغم من الجهد التخريبي الجبار الذي بذله الاعلام الطائفي والعنصري (العربي) مثل قناة الجزيرة القطرية واخواتها، على الرغم من كل ذلك، الا ان العراق خرج من المحنة اشد عزيمة واقوى عضدا واحرص على المثابرة، وانا اجزم بالقول انه لولا التراث الفكري والثقافي والديني والحضاري الذي يتميز به الشعب العراقي، لانهار البلد وتمزق الوطن وتفتت المجتمع.

انظروا الى تجارب اخرى في هذا العالم تعرضت الى معشار ما تعرض له العراق وشعبه الابي الصامد،

ما الذي بقي منها سوى الاطلال التي يقف عليها الشعب باكيا ناحبا ومولولا؟.