آية الله مرتضى الشيرازي : ان مراجع التقليد عامل الاستقرار وهم الضمانة الكبيرة لشد اواصر المحبة والوئام بين ابناء البلد الواحد من اية طائفة أو قومية أو عشيرة كانوا

 

«التقت جريدة الوطن الكويتية اية الله السيد مرتضى الشيرازي  نجل المرجع الديني الكبير الراحل آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي قدس سره  فتطرق الى فلسفة المرجعية والوكالة ومدى التعاون بين المراجع وأعمالهم وأعمال وكلائهم في البلاد الاخرى وفيما يلي نص اللقاء:

الأنبياء والأئمة

ماذا تعني المرجعية؟

- هناك الكثير من مضامين المرجعية الدينية والتي تعتبر الامتداد الطبيعي لرسالة الأنبياء والأئمة عليهم السلام وهي المسؤولة عن أولا: تعليم الناس الكتاب والحكمة وابلاغ رسالات الله كما قال تعالى «الذين يبلغون رسالات الله»، ثانيا: تزكية النفوس وتطهيرها قال تعالى «يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة»، واما ثالثا: الحفاظ على القيم الاسلامية وعلى شعائر الله ودينه القويم حسب أدلة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وتكتسب المرجعية الدينية أهميتها وشرعيتها وقيمتها من قوله تعالى «فاسألوا أهل الذكر»، وقوله تعالى (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلم يحذرون) وقول الرسول الاكرم - صلى الله عليه وآله وسلم - «الفقهاء حصون الاسلام»، ومن قول الامام علي عليه السلام «يجاري الأمور والاحكام على ايدي العلماء بالله، الامناء على مرامه وحلاله» تحف العقول.

ومن قول الامام المهدي المنتظر «واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وانا حجة الله» الى غير ذلك من مئات الادلة والآيات والروايات.

مميزات المراجع

ما مواصفات ومميزات المرجع او الكفاءات التي يجب ان تتوافر فيه؟

- المعروف ان المواصفات التي ينبغي ان تتوافر في مرجع التقليد هي مواصفات وثيقة الى ابعد الحدود كما انها كثيرة، ومنها تلك التي اشار اليها الامام الحسن العسكري عليه السلام بقوله: من «كان من الفقهاء»، وهو الشرط الاول بان يكون المرجع فقيها حقا لا مدعيا للفقاهة وما اكثرهم على مر التاريخ، وان يكون «صائنا لنفسه» عن المعاصي مثل الكذب والغيبة والنميمة وغيرها وكذلك عن كل مرديات النفس من تكبر وعجب وغرور وشبه ذلك، ويكون «حافظا لدينه» اي الا يبيع دينه مثلا للسلطان او لذوي المال والمنصب من اجل ان يربح مالا ويبيع فتوى، و«مخالفا لهواه» اي لا يأسره حب الشهرة او حب الرياسة وغير ذلك، ثم ان يكون «مطيعا لأمر مولاه» في كل ما امره، بان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويتصدى للبدع ويقارع الظلم وكما قا الامام امير المؤمنين عليه السلام «وما اخذ الله على العلماء، اي والذي اخذه الله وشرطه على العلماء، ألا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم».

ويقول امير المؤمنين عليه السلام «لا يقيم امر الله سبحانه وتعالى الا من لا يصانع ولا يضارع، اي لا يتشبه في عمله بالمبطلين والضلال ولا يتبع المطامع»، وهكذا كان فقهاؤنا العظام، فمثلا نجد السيد احمد الخونساري «المتوفى عام 1405 هـ» القمة في الورع والقدس والطهارة الى درجة انه عرف بالعديد من الكرامات، وكذلك كان العلامة ابن فهد الحلى (توفي 841 هـ) والكثير من مراجعنا وعلمائنا الابرار.

الوكيل والالتزام الاخلاقي

كيف يوصل المرجع فتاواه الى مقلديه في البلاد الاخرى؟

- آلية ايصال مراجع التقليد فتاواهم للمقلدين هي اما عن طريق الوكلاء والرسالة العملية ومواقع الانترنت، اضافة الى الطريقة المباشرة بالتواصل شخصيا مع مرجع التقليد ويعد ذلك من امتيازات مراجع التقليد العظام حيث ان ابوابهم مشرعة بوجه عامة الناس يوميا لكي يتواصلوا معهم مباشرة، بل اننا نجد وفي نموذج من اسمى نماذج التاريخ البشري ان عالما عملاقا كالعلامة السيد محمد باقر المجلس المتوفى عام 1110 هـ المؤلف لموسوعة البحار التي تقع في مئة وعشرة مجلدات اضافة الى اكثر من سبعين كتابا آخر ورغم انه كان في الدولة الصفوية بمنزلة «صدر اعظم» اي ما هو اعلى مرتبة ومقاما من رئيس الوزراء رغم ذلك كان يذهب من داره للمسجد ويرجع ماشيا لكي يكون بمقدور عامة الناس الوصول اليه والتحدث معه مباشرة وبث شكاواهم ايضا وربما استغرقت هذه المسافة الساعتين او اكثر وهذا ما لا نشهد له نظيرا حتى في اسمى الدول المسمى بالديموقراطية وكما سبق فان المرجعية ليست منصبا دنيويا ولا اداريا ولا نظام دولة بل هو بالاساس نظام هداية وارشاد وتبليغ رسالات لذلك فان الوكيل له الحرية في ان يتبنى رؤية وموقف اي مرجع من المراجع شاء كما ان له ان يتقيد بآراء ومواقف احد المراجع كالتزام اخلاقي مع انه ليس هناك الزام او اجبار ولا يوجد هناك نظام عقوبات بل ان للوكيل ان يتبنى رؤية او موقف المراجع حتى وان لم يكن يحمل وكالة عنه مما يؤكد ان المرجعية بالاساس هي ترابط ديني معنوي اخلاقي تربوي واما الوكلاء فهم على درجات، والدرجات ليست ادارية اي لا يوجد مجلس ادارة ورئيس تنفيذي ونائب الرئيس مثلا بل هي درجات اعتبارية تتبع مدى العلم والاخلاق الفاضلة والتقوى ومدى محبة الناس للوكيل وفهم حوله او مدى ثقة المرجع به، وبذلك يكون اعتباره ودرجته عند الناس اكبر ومن غير المألوف لو جرى غير ذلك ويتضح ذلك اذا لاحظنا ان وكلاء ورسل الانبياء غير الذين تسلموا الحكم كالنبي سليمان ونبينا محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم لم تكن لديهم تلك التقسيمات والمناصب الادارية المعروفة حاليا.

ويقوم المرجع بانتخاب الوكيل على حسب معرفته الشخصية به او حسب توثيق الثقات له او حسب وكالات سابقة يحملها من مراجع آخرين.

الوكالة اشبه بالشهادة

هل يمكن أن يحمل عالم الدين وكالتين عن مرجعين من مراجع التقليد؟ وكيف تفسرون ذلك؟

- من الممكن أن يحمل عالم الدين وكالتين أو أكثر عن العديد من مراجع التقليد العظام والمرجعية ليست منصبا دنيويا ولا اطارا اداريا حتى يمتنع ان يمثل عالم واحد مرجعيتين، ففي الدول مثلا نجد ان السفير هو سفير لدولة واحدة فقط في الاغلب الاعم ولا يمكن ان يكون سفيرا لدولتين، اما في المرجعية فلانها عبارة عن تجسيد قوله تعالى «الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون احدا إلا الله» ولانها مسؤولية التبشير والانذار كما قال جل اسمه «وما ارسلناك إلا مبشرا ونذيرا»، لذلك كان من الممكن، بل من الدارج ان يحمل العالم وكالة وتمثيلا عن اكثر من مرجع واحد ويضطلع من قبلهم جميعا بمسؤولية الهداية والارشاد والتبشير والانذار، ومن ذلك أيضا نستكشف قضية مهمة جدا وهي أن الوكيل عادة يبقى بعد الوكالة ذا حرية واستقلال كبيرين بمعنى ان ما يقوم به من أعمال ومواقف لا تعكس بالضرورة موقف المرجع ورأيه، وذلك يعني ان المرجعية لا تتحمل عادة مواقف وأعمال الوكلاء، حيث ان الوكالة لا تعني احتكارا لشخصية العالم ولمواقفه وتصرفاته بل هي عادة اشبه بالشهادة، مع بعض الصلاحيات المعهودة، وكما ان الجامعة مثلا لا تتحمل مسؤولية مواقف وأعمال خريجيها، بل حتى اساتذتها بل الخريج والاستاذ هو المسؤول عن نفسه ومواقفه، كذلك المراجع والوكلاء.

فللوكيل اعتباران وحيثيتان ووجهتان وتصرفاته ومواقفه وحتى آراؤه قد تنبع من الحيثية الذاتية وقد تنبع باعتبار الوكالة ومن جهتها.

المراجع عامل الاستقرار

هل يتدخل المرجع في الشؤون الداخلية للبلاد الاخرى؟

- لا أعرف شخصيا احدا من المراجع العظام يتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد الاخرى فليس ذلك من ديدن المراجع العظام أو دأبهم أو سيرتهم فرسالة المراجع هي امتداد لرسالة الانبياء قال تعالى «ان اريد إلا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب».

وقال: (فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمصيطر).

وقال: (مبشرين ومنذرين).

ونؤكد ان مراجع التقليد عامل الاستقرار وهم الضمانة الكبيرة لشد اواصر المحبة والوئام بين ابناء البلد الواحد من اية طائفة أو قومية أو عشيرة كانوا، ومن ابرز الشواهد على ذلك الدور الذي تقوم به المرجعية الرشيدة في تكريس دعائم الامن واللحمة الوطنية في العراق.

اختلاف وليس خلافا

هناك من يعتقد ان هنالك خلافا ما بين المراجع؟ ما مدى صحة ذلك؟

- لا يوجد هناك خلاف أو نزاع بين المراجع العظام سواء أكانوا في النجف الاشرف أم في قم المقدسة، بل الحادث هو الاختلاف، وهناك فارق كبير بين الخلاف والاختلاف فقد قال الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «اختلاف امتي رحمة».

وقال الله تعالى من قبل: (ومن آياته خلق السموات والارض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ان في ذلك لآيات للعالمين).

وبتعبير آخر فإن الاختلاف قد يتعدى بـ عن أو مع اذ تقول اختلف زيد عن عمرو وتقول اختلف زيد مع عمرو، والاختلاف في المراجع العظام هو اختلاف احدهم عن الآخر وليس اختلاف احدهم مع الآخر.

وعلى سبيل المثال هنالك اختلاف بين المراجع العظام في الاولويات، فهل الاولوية مثلا للعمل الثقافي - التربوي، ام الاولوية للعمل الاجتماعي - الخيري، ام الاولوية لغير ذلك؟ فمثلا نجد ان الاولوية القصوى للعالم العظيم المحقق الشيخ نصير الدين الطوسي المتوفى عام 672هـ كانت التصدي للغزو المغولي للبلاد الاسلامية، فكان ان قام بأذكى خطة غيرت وجه التاريخ وحافظت على العالم الاسلامي بأكمله ازاء اكبر غزو تعرض له في التاريخ، حيث اجتهد في تغيير مسار الاحداث وفي التأثير على هولاكو، ونجح بايقاف طائفته التدميرية، بل نجح نجاحا باهرا في انقاذ ارواح عشرات الالوف من العلماء (سنة وشيعة) من القتل حيث ابدع في طرح فكرة (مرصد مراغة) و(جامعة مراغة)، وانقذ بذريعة ذلك ارواح الالوف من الفلكيين والفلاسفة والاطباء والفقهاء، بل انه وصل الحال بالمغول الوحوش المتعطشين للدماء الى بعض ان يبعث هولاكو موفدا الى البلاد العربية كالشام والجزيرة العربية واربيل والموصل ليدعو علماءهم للمجيء الى مراغة واستثمار كل الامكانات التي وفرها لهم الطوسي لنشر العلم وتطويره.

بل ان المحقق الطوسي نجح في ادخال نور الاسلام الى قلب ابن هولاكو فكان ان اسلم هو وحاشيته وقادته وضباطه وجنوده، وانتهى بذلك فصل مأساوي من اغارة البرابرة على الدول الاسلامية.

ومثلا نجد ان الميرزا محمد حسين النائبين المتوفى عام 1355 كانت اولويته بناء الحوزة العلمية وتربية علماء وفطاحل يكونون الاساطين في العلم والمكانة والمنزلة، فربى العشرات من كبار المجتهدين وكان منهم آية الله العظمى السيد ابو القاسم الخوئي وهو احد اشهر مراجع العصر الحديث كما هو معروف.

وفي اتجاه آخر نجد ان الاولوية للسيد محمد الشيرازي المتوفى عام 1422 كانت لنشر العلم والثقافة وتأسيس المؤسسات الدينية والثقافية والاجتماعية، وانطلاقا من ذلك فقد الف اكثر من الف وثلاثمائة كتاب في مختلف حقول العلم والمعرفة وكان منها (موسوعة الفقه) في مائة وخمسين مجلدا، كما الف تلامذته اكثر من عشرة آلاف كتاب، كما اسس اكثر من الف وخمسمائة مؤسسة علمية وتربوية ودينية وخدمية في انحاء العالم.

ومن جهة اخرى، هنالك اختلاف في الرؤية، فهنالك من يرى من المراجع ضرورة تصدي المرجع للعمل السياسي وهناك من يرى ضرورة تجنب المرجعية لذلك «ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات» وهكذا نجد مثلا ان مدرسة النجف الاشرف التقليدية كانت بشكل عام تتجنب التصدي السياسي، وكانت مدرسة قم المقدسة تتصدى بشكل عام للجوانب السياسية في حياة الامة، ولكل مدرسة استثناءاتها، كما هو واضح جلي.

السيد مرتضى الشيرازي في سطور

الف ثمانية عشر كتابا منها «شورى الفقهاء - دراسة فقهية اصولية» والذي حصل في ضوئها على العديد من اجازات الاجتهاد عام 1412 هـ من عدد من مراجع التقليد العظام.

قام بتأسيس وساهم في تأسيس اكثر من مائة وعشر مؤسسات ومراكز ومساجد وحسينيات ومدارس ومكتبات ومستوصفات ومواقع في الانترنت في انحاء العالم مثل امريكا، بريطانيا، العراق، سورية، ايران، باكستان، الدول الاسكندنافية والعديد من دول الخليج وغيرها.

¼ يشرف على ادارة الكثير من المؤسسات الاسلامية والثقافية والتربوية في العالم ومن بينها قنوات فضائية مثل قناة سلام الفضائية وجامعات مثل جامعة اهل البيت عليهم السلام العالمية ومراكز دراسات وبحوث مثل مركز www.siiroline.org وغيرها.

¼ الامين العام لمؤسسة الامام الشيرازي العالمية - مقرها واشنطن كما انه أحد ابناء المرجع الديني اية الله العظمى الامام السيد محمد الحسيني الشيرازي رحمه الله.