كيف يـُفكر مليار مسلم في العالم؟

 

 

منذ هجمات سبتمبر 2001 الإرهابية، ظل المسؤولون الأمريكيون والمواطنون العاديون في الشارع الأمريكي يتساءلون:

لماذا امتدّت أيادي مسلمين من عدّة دول عربية، بأكبر أذى تعرّضت له الأرض الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية؟

ولماذا يكرهوننا ولماذا لم يستنكِـر أكثر من مليار مسلم تلك الهجمات؟

وقد أجرت مؤسسة غالوب لقياس الرأي العام استطلاعا على مدى 6 أعوام، شمِـل 35 دولة إسلامية أو دُولا بها تجمّعات سكانية كبيرة من المسلمين، وأكثر من 50 ألف مسلم في أنحاء العالم. ونشرت نتائج الاستطلاع في كتاب بعنوان:

"مَـن الذي يتحدث باسم الإسلام: ما الذي يفكِّـر فيه ألف مليون مسلم"؟

حمل أكبر استطلاع لآراء المسلمين في العالم إجابات واضحة عن تلك الأسئلة. ونشرت مؤسسة غالوب نتائج الاستطلاع في كتاب بعنوان:"مَـن الذي يتحدث باسم الإسلام: ما الذي يفكِّـر فيه ألف مليون مسلم"؟ وهو تحليل لنتائج الاستطلاع أجراه كل من البروفيسور جون إسبوزيتو، مدير مركز التفاهم الإسلامي المسيحي في جامعة جورجتاون والدكتورة داليا مجاهد، مديرة مركز غالوب لدراسات العالم الإسلامي ويتألف الكتاب من خمسة فصول، تعرّضت مقدمته والفصل الأول منه إلى موضوع الأغلبية المسلمة الصامِـتة من المعتدلين، والتي أظهر الاستطلاع أنها تشكل 92% من المسلمين واستنادا إلى بيانات الاستطلاع، تبيّـن أن غالبية المسلمين وغالبية الأمريكيين يتَّـفقون في الرأي حول ضرورة رفض الهجمات على المدنيين ويُـدينون ارتكاب أعمال الإرهاب.

وأوضح الاستطلاع أن غالبية مَـن رفضوا العنف والإرهاب ضدّ المدنيين، كانوا من المسلمين المتديِّـنين، وأن أصوات الأغلبية من المعتدلين تم التعبير عنها مِـرارا وتِـكرارا، ولكن وسائل الإعلام الغربية تجاهلت تلك الأصوات. وتناول الفصل الثاني إحصائيات عن تفضيل المسلمين في أنحاء العالم للحُـكم الديمقراطي، الذي يأخذ في الاعتبار قيَـمهم الدّينية وعدم تطلّـعهم لحكم رجال الدّين، وأعربت غالبية من المسلمين عن مساندتهم لحرية التعبير وتطلّـعهم إلى دساتير جديدة في بلادهم الإسلامية تكفل ذلك الحق.

وتدحض بيانات الاستطلاع بالأرقام مزاعم الغرب بأن الإسلام لا يتماشى مع الديمقراطية، وأظهر كيف أن المسلمين في أنحاء العالم الإسلامي لا يثقون في صِـدق وجدّية المسعى الأمريكي المُـعلن لنشر الديمقراطية في العالم الإسلامي، واستعرض الفصل الثالث، سِـمات الراديكاليين في العالم الإسلامي ونِـسبتهم التي لا تتعدّى السبعة في المائة وأكد البروفيسور إسبوزيتو أن الاستطلاع يثبت بما لا يدع مجالا للشك، أن الإسلام لا يُـفرز بتعاليمه ومبادئه ما نُـشاهده في العالم الإسلامي من متطرّفين، ولكن الظروف السياسية والاقتصادية والمَـظالم التي يشعرون بأن السياسات الأمريكية بشكل خاص والغربية بشكل عام قد تسبّـبت فيها، وأشار إلى أن تلك المظالم تجمَـع بين المتطرفين والمعتدلين، وإن كان الفارق بين الجانبين هو في حِـدّة المشاعر ومدى تحويل تلك المشاعر إلى موقف سياسي، وأكدت أرقام الاستطلاع في الفصل الرابع كيف أن المرأة المُـسلمة تريد حقوقا متساوية مع الرجل ولا تحتاج في ذلك إلى تدخل دُول الغرب، ولا تتطلّـع المرأة المسلمة لأن تكون متحرّرة على الطريقة الغربية ولا ترغب في أن تتخلّـى عن احتشامها للتشبه بالمرأة الغربية وكان الفصل الخامس والأخير بعنوان، الصِّـدام أم التعايُـش، وتعد بيانات استطلاع آراء المسلمين في هذا الفصل، مفتاح الإجابة عن التساؤلات المحيِّـرة لشعوب الغرب وحكّـامه وخاصة في الولايات المتحدة.

البروفيسور جون إسبوزيتو، مدير مركز التفاهم الإسلامي المسيحي في جامعة جورجتاون  

لماذا يكرهوننا؟

يُـجيب البروفيسور إسبوزيتو على هذا السؤال، الذي طرحته عليه سويس إنفو بالقول: "مع أن هناك قناعة سادت في الولايات المتحدة بعد هجمات سبتمبر مفادُها أن المسلمين يكرهون الولايات المتحدة، بسبب الديمقراطية والحريات التي يتمتع بها الأمريكيون وبسبب القِـيم الأميركية وما أحرزته الولايات المتحدة من تقدّم عِـلمي وتكنولوجي، فإن نتائج استطلاع آراء المسلمين في أنحاء العالم تُـظهر العكس تماما. فقد أعربت غالبية كبيرة ممّـن استطلعت آراؤهم، عن إعجابها بالحريات والحُـكم الديمقراطي في الولايات المتحدة واحترام حقوق الإنسان والتقدّم التكنولوجي الأمريكي" وتضيف الدكتورة داليا مجاهد إلى إجابة البروفيسور إسبوزيتو قولها: "الغريب، أن نسبة المسلمين الذين لم يجِـدوا شيئا يثير إعجابهم في الولايات المتحدة، تراوحت بين 1 و6%، بينما أظهر استطلاع آخر لمؤسسة غالوب أن 32% من الأمريكيين لا يجدون أي شيء يُـثير إعجابهم في المسلمين، وأعربت نسبة 44% من الأمريكيين عن اعتقادهم بأن المسلمين في الولايات المتحدة ليسوا مخلِـصين لها ولا يحبِّـذ 22% من الأمريكيين أن يكون جارهم في السّـكن مسلما"!

أغرب ما كشفت عنه بيانات الاستطلاع، أن مشاعر المسلمين إزاء الغرب تختلف من دولة إلى أخرى. فمثلا ترتفع معدّلات الرفض للولايات المتحدة وبريطانيا، بينما تنخفض نِـسب المسلمين الذين لا يكِـنون مشاعِـر ودّية لكل من فرنسا وألمانيا وقيادات البلدين، فقد أظهر الاستطلاع أن 75% وصفُـوا سلوك الولايات المتحدة دوليا، بأنه عديم الرّحمة، فيما لم تزد نسبة من وصفوا فرنسا وألمانيا بنفس الوصف عن 13% وفي هذا الصدد، يقول البروفيسور أسبوزيتو إن السياسات الخارجية للولايات المتحدة، وخاصة فيما يتعلق بمساندة إسرائيل في صراعها مع الفلسطينيين، ثم الحرب التي شنّـتها الولايات المتحدة على أفغانستان والعراق والمعايير المُـزدوجة التي تقيس بها الأمور وتتعامل معها والتناقض بين ما تقوله واشنطن وما تفعله، هي التي تتسبّـب في المشاعر المناهضة للولايات المتحدة في العالم الإسلامي، وليس بسبب إيمان المسلمين بالدِّين الإسلامي ويخلّـص البروفيسور إسبوزيتو إلى أن الرفض الذي يظهره المسلمون في العالم للغرب عموما، وللولايات المتحدة على وجه الخصوص، يعود إلى اعتقاد سائد بينهم بأن الغرب ينظر إلى المسلمين باستعلاء، وأنه يحاول فرض القِـيم الغربية لتحل محلّ الثقافة والقِـيم الإسلامية، كما أن التاريخ الطويل للاستعمار الغربي في العالم الإسلامي والعربي يُـخيف المسلمين من التدخّـل الغربي والهيمنة من خلال العولمة السياسية والاقتصادية والثقافية والاستعمار الجديد.

خرافة صِـدام الحضارات

حتى قبل أن تمتد يد الإرهاب إلى الأرض الأمريكية في سبتمبر 2001، كانت الولايات المتحدة تبحث عن عدُو جديد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ووجد البعض في الإسلام والمسلمين ذلك العدو الجديد، وطرح البروفيسور صامويل هانتنغتون نظريته في حتمية اندلاع الصّراع والصِّـدام بين حضارة المسلمين وبين الحضارة الغربية، وعندما أعلنت الولايات المتحدة حربها الكونية على الإرهاب، أصبح يحلو لصنّـاع السياسة الأمريكية ولمراكز الأبحاث في الولايات المتحدة أن تجِـد قسمات مشتركة بين الحرب الباردة وبين ما أصبح يُـعرف بالحرب على الإرهاب ومن ثم، خلّـص بعض صنّـاع السياسة الأمريكية وبعض الباحثين والمحلِّـلين، إلى أن كلا من الحرب الباردة والحرب الجديدة على الإرهاب، هي حرب لكسب القلوب والعقول من خلال التعريف بالولايات المتحدة!

وفي هذا يقول البروفيسور إسبوزيتو: "لقد أثبت الاستطلاع أن ما يشعل فتيل التطرّف ويزيد المشاعر المناهضة للولايات المتحدة، حتى بين المعتدلين، ليس عدم معرفة المسلمين بالولايات المتحدة ولا بالقِـيم الأمريكية، وإنما ظهورها وكأنها تشُـن حربا على الإسلام وتربِـط بينه وبين الإرهاب، بل وتدعم حكّـاما قمعِـيين لا شعبية لهم باعتبارهم سندا للولايات المتحدة في حربها على الإرهاب، وبالتالي، فإن كثيرا من الوسائل التي ساعدت أمريكا في كسب الحرب الباردة في الماضي، هي التي تشعل جذوة المشاعر المناهضة لها اليوم، إذا استخدمتها في العالم الإسلامي" وسألت سويس إنفو البروفيسور أسبوزيتو عن جدوى استخدام وسائل دعائية، مثل راديو سوا وقناة الحرة باللغة العربية وراديو فاردا باللغة الفارسية وغيرها بلغات العالم الإسلامي في إطار الدبلوماسية العامة، لكسب القلوب والعقول فقال: "إن جهود الدبلوماسية العامة هي أوضح مثال على الفشل الأمريكي في التعامل مع جذور مشكلة العلاقات مع العرب والمسلمين، فلم تكن المشكلة هي عدم معرفة المسلمين بالولايات المتحدة وقيمها، وإنما في إغفال الأبعاد الأيديولوجية للحرب على الإرهاب وعدم أخذ علاقة الدِّين بالسياسة والعلاقات الدولية والسياسات الخارجية الأمريكية في العالمين، العربي والإسلامي، واستغلال الحكومات والسياسيين، بل والمتطرفين للدِّين، والاكتفاء بدلا من ذلك بوسائل دِعائية على طريقة الحرب الباردة".

ما العمل؟

تقول الدكتورة داليا مجاهد، مديرة مركز غالوب لدراسات العالم الإسلامي، إن غالبية من الأمريكيين تشعر بالقلق إزاء مشكلة سوء العلاقات الأمريكية بالعالم الإسلامي، غير أن نسبة 57% من الأمريكيين يعتقدون بأن تحسين تلك العلاقات يحتاج إلى تصحيح نظرة المسلمين إلى الغرب أو إصلاح سلوك المسلمين من خلال وقف التطرف، ولم يفطن سوى 27% من الأمريكيين إلى ضرورة معالجة مشاكل السياسة الخارجية، التي تثير المشاعر المناهضة للولايات المتحدة في العالم الإسلامي، أما من استطلعت آراؤهم من المسلمين في أنحاء العالم، فتقول الدكتورة داليا مجاهد:

"إنهم يرجعون الصّـدع في العلاقات مع الغرب إلى السياسات الخارجية، خاصة الأمريكية، وافتقار الغرب إلى محاولة تفهّـم العالم الإسلامي، بل وتعامل الغرب مع المسلمين بشكل لا ينم عن الاحترام، ولذلك، يطالب المسلمون، كما أظهر الاستطلاع، بانتهاج الغرب لسياسات تساعد عملية التنمية الاقتصادية في الدول الإسلامية، والتوقف عن التدخّـل في الشؤون الداخلية لتلك الدول، وإنهاء محاولات الغرب فرض القِـيم والمعتقدات والسياسات الغربية على المسلمين، وخاصة في الدول العربية، وانتهاج سياسات أكثر توازنا وإنصافا فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي".

محمد ماضي - واشنطن

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور ودون تعليق .

المصدر : swissinfo