البرادعي: إيران ليست خطراً داهماً

 

 

مهمته ليست سهلة. الجانب الإيراني مناور كي لا نقول مراوغ والجانب الأميركي غارق في برنامج يتخطى ما يؤكده الخبراء من معلومات ووقائع. إنه الدكتور محمد البرادعي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية. قصدت منزله في فيينا حاملاً جملة من الأسئلة تصدّرها بالتأكيد واحد عن القلق على الترسانة الباكستانية بعد اغتيال بينظير بوتو رئيسة الوزراء السابقة وابنة ذو الفقار علي بوتو راعي الحلم النووي الباكستاني.

سألته عن باكستان وتطورات الملف الإيراني. وعدنا بالذاكرة الى البرنامج النووي العراقي. كما سألته عن أشهر تاجر نووي في التاريخ وهو العالم الباكستاني عبدالقدير خان الذي قدم خدماته للبرنامجين الإيراني والليبي وعرض تقديمها لجهات أخرى انطلاقاً من هموم «تجارية وأيديولوجية معاً».بدا الرجل الحائز جائزة نوبل للسلام قلقاً على رغم تنفسه الصعداء بعد التقرير الأخير للاستخبارات الأميركية عن البرنامج الايراني ولم يفته أن يحذّر من المخاطر التي يمكن أن تترتب على أي عمل عسكري ضد ايران خصوصاً لدى الجار الباكستاني.

الدكتور البرادعي، بعد نهاية سنة وبداية سنة، هل تشعر بالقلق على العالم؟

- أشعر بكثير من القلق على العالم، وبكثير من الحزن، لأننا لم نضع قدمنا على الطريق السليم سواء نظرنا الى العالم ككل، أو إلى المنطقة العربية التي نشأتُ وتربيت فيها، وإلى العالم الإسلامي بصفة عامة.

أولويات العالم مختلّة. هناك بليونا إنسان، أي ثلث سكان العالم، يعيشون على أقل من دولارين في اليوم. هناك 850 مليون شخص يذهبون إلى الفراش جوعى كل يوم. هناك واحد في المئة من سكان العالم يملكون 40 في المئة من موارده أو موجوداته، فيما يملك نصف سكان العالم واحداً في المئة من هذه الموارد. هناك اختلال كامل في المساواة والعدالة وإذا نظرنا الى كيفية معالجة خلافاتنا، فإننا نجد أنها وسائل العصور الوسطى، أي من يحمل العصا الكبرى التي يمكنه أن يقهر بها خصمه الأكبر من دون أن يفهم ما إذا كان للخصم وجهة نظر أخرى، أو أن الحل الدائم لن يكون إلا عبر الحوار، كحل دائم وعادل ومشرّف ومتكافئ. ما نراه في العالم اليوم هو صراعات امتدت على عقود وقرون مثلاً، ما يحدث في فلسطين والعراق والصومال. وللأسف، فإن معظم هذه الخلافات، إن لم يكن كلها، في المنطقة العربية والمنطقة الاسلامية. طبعاً هذا أمر يحزنني ويقلقني، لأنني لا أرى حلاً في المستقبل القريب، لأننا ما زلنا نعالج القشور أو الظاهر وليس الأسباب ما زلنا نعتمد على نظام عالمي يدعى نظام الردع النووي القائم على أن الدول الكبرى تتولى حيازة السلاح النووي وتطوره. وفي الوقت ذاته، تقول هذه الدول لكل دول العالم الأخرى لا يحق لك أن تملكي سلاحاً نووياً، فهو ضرر وخطر عليك. هذا نظام قائم على من يملك ومن لا يملك في نظام الأمن الدولي وهناك مؤسسات دولية، وخصوصاً مجلس الأمن الذي أُصيب كثيرون بالاحباط من أدائه مسؤولياته، إذ ينجح في كثير من الأحيان، ويفشل كثيراً أيضاً. عندما ننظر اليوم الى دارفور، وبصرف النظر عمن أصاب وعمن أخطأ، هناك مئتا ألف شخص فقدوا حياتهم في هذه الحرب. كما أن هناك حوالى مليوني شخص شُرّدوا، وما زال مجلس الأمن والمجتمع الدولي يناقشان ما هي القوة التي سترسل الى دارفور، هل هي قوة إفريقية أو مختلطة؟ ومن سيدفع مصاريفها؟ وفي المقابل، هناك أرواح بشرية تزهق يومياً.

من عام 1989 إلى عام 2003، مات 3 ملايين و800 ألف شخص في ما يسمى حرب الكونغو الثانية. كثير في العالم لا يعلم حتى بوجود هذه الحرب. هناك فرق في نظرتنا الى قيمة الحياة البشرية. وهذا أمر يقلقني كثيراً. عندما يموت أبناؤنا وإخوتنا في العراق، هم أعداد، يُقال مات هنا 40 أو 50. وعندما يموت جندي انكليزي أو أميركي، نسمع تاريخ عائلته وزوجته أو خطيبته وأولاده. عندما حصل انهيار كهف على عمال مناجم في أميركا، ظلينا ثلاثة أيام على شاشات التلفزيون نتابع أخبارهم. وجميعنا يحزن عليهم، إنما عندما ينظر الانسان نظرة موضوعية، فإن هناك تفرقة في نظرة المجتمع الدولي إلى قدسية الحياة الانسانية.

هناك حياة لها قيمة أكبر من الأخرى. أذكر كل هذا لأقول إن المجتمع الدولي لا يفهم بأن هذا كله مرتبط بما نراه من احساس بعدم الأمن اليوم، كما لم نره في أي وقت سابق، سواء على المستوى الانساني أو الدولي بدءاً بدخول المطار عندما أصبح شبه حصن عسكري، وبإحساس كل الدول في الشرق والغرب بعدم الأمان. مشاكل التنمية مرتبطة في النهاية بمشاكل الأمن.

أنا أعالج قضية أسلحة الدمار الشامل، ووظيفتي أن أحاول الحد من انتشار السلاح النووي، والتخلض منه في نهاية المطاف. عندما أرى من موقعي كيف يتم هذا، فلا بد أن أبدأ من عملية الفقر، ومن الشخص الذي لا يملك كرامة أو أملاً أو احساساً بالحرية ويعاني على يد حكومته وهذا أمر ينطبق في المقام الأول على العالمين العربي والاسلامي. والانسان الذي يرى أن العالم الخارجي يهمش قضاياه. أنظر الى القضية الفلسطينية، بصرف النظر عمن أخطأ أو أصاب.

جميعنا أخطأنا، إلا أن هناك 40 عاماً مضت، وما زال الشعب الفلسطيني يعيش تحت الاحتلال. عندما أضع نفسي في موقع هذا الشخص، وليس فقط الفلسطيني بل العراقي والأفغاني، فإن لا أمل في حياته لا أستطيع أن أوفر الغذاء لعائلتي، ولا أعامل بالكرامة التي يجب أن أعامل بها كإنسان. أحس بالغبن والظلم لا يكون هناك مفر أمامي إلا أن أثور على واقع حياتي سواء أخذت في الدين أو اللغة أو اللون سبباً لذلك على مدى التاريخ، رأينا الثورات تتخذ ذرائع مختلفة، إنما هي في النهاية ثورة الانسان على الاحساس بالظلم أو الغبن الذي نعانيه. لا يولد الانسان ارهابياً أو قديساً. الفارق هو المناخ أو البيئة التي يولد فيها.

عندما سمعت باغتيال رئيسة الوزراء الباكستانية السابقة بينظير بوتو، هل شعرت بالقلق على الترسانة النووية الباكستانية؟

- بالطبع، شعرت بالقلق كثيراً على الترسانة النووية الباكستانية. وكذلك الأمر عندما كنت أعالج منذ أكثر من سنة، الملف النووي الايراني، وأحذر دائماً من استخدام القوة، وأذكر باستمرار أن أمامنا وقتاً فسيحاً للحل الديبلوماسي، ويجب ألا نفكر في الحل العسكري في المشكلة الايرانية أو أي مشكلة أخرى قبل استنفادنا الحلول الديبلوماسية كافة، ولم يبق لدينا إلا الحل العسكري باعتباره الخيار الأخير، ونحن أبعد ما نكون عن هذا وأذكر دائماً في خصوص المسألة الايرانية أنني أخشى أن تكون آثار أي حرب جديدة في الشرق الأوسط والعالم الاسلامي، ليس في إيران التي يخشى العالم أنها قد تصنع قنبلة بعد عشر سنوات من الآن. إنما أكثر ما أخشاه هو تأثير ذلك في باكستان، وهي دولة لديها كثير من المشاكل الداخلية، وهي دولة إسلامية تتفاعل مع العالم الاسلامي. وأخشى أن يقوم نظام من الفوضى أو نظام متطرف في هذه الدولة التي لديها 30 أو 40 سلاحاً (نووياً). أخشى أكثر من أن تحصل جماعة متطرفة في باكستان أو أفغانستان على سلاح نووي، لأن هذا السلاح لو كان في يد دولة مهما كان نظامها، دينياً أو ديموقراطياً، يبقى رهن نوع من العقلانية.تعلم الدولة بأنها لو استخدمت السلاح النووي، فإنها ستُدمر بالكامل نتيجة الردع النووي إلا أن هذا الأمر لا ينطبق اطلاقاً على الجماعات المتطرفة التي ستستخدم السلاح النووي لو حصلت عليه. الايديولوجيات لا تقوم على نظام الردع أو الخوف على الحياة، لأنها (الجماعات المتطرفة) مستعدة للتضحية بحياتها في سبيل عقيدتها.

هل لديك خوف جدي من أن نستيقظ ذات يوم لنجد أن «القاعدة» حصلت على سلاح نووي؟

لدي خوف أكبر من حصول جماعات مثل «القاعدة» أو غيرها على سلاح نووي، من حصول دول جديدة عليه.

هل هذا وارد أو ممكن؟

ليس سهلاً، إلا إذا سرقت سلاحاً نووياً. لكن سرقة سلاح نووي ووسائل الايصال عبر صاروخ طويل المدى وغيره صعب. والأكثر احتمالاً أن تحصل على مصدر مشع، إذ أن هناك آلافاً من المصادر المشعة، وأن تفجر هذا المصدر المشع في منطقة سكنية أو في عاصمة كبيرة حيث سيحدث انتشار للمواد المشعة، وسيموت المئات أو الآلاف، وهو أمر ستكون له انعكاسات اقتصادية بعيدة المدى. وهذا عمل إرهابي تريده الجماعات المتطرفة.

هذا الاحتمال أكبر بكثير من الحصول على السلاح النووي، إنما أنا لا أستبعده مئة في المئة ولهذا فأنا أقول إن لا بد من حماية الأسلحة والمنشآت النووية كافة حتى لا يحصل هذا الكابوس الممكن وبالطبع يثير هذا الاغتيال في باكستان القلق ليس على المجتمع الباكستاني فحسب، وإنما أيضاً حيال احتمال تصعيد هذا الموقف ووصول الجماعات المتطرفة الى الترسانة النووية الباكستانية.

هل سيكون حادث مواد مشعة أخطر من اعتداءات «11 أيلول»؟

حادث بمواد مشعة سيكون بالتأكيد أخطر من اعتداءات «11 أيلول» (سبتمبر). كما لو تصورت حادث تدمير مصدر اشعاعي قوي، إذ أن هناك مصادر اشعاعية قوية جداً يتم تفجيرها من طريق الوسائل التقليدية. هذا سيؤدي الى تسرب المواد الاشعاعية لا قدر الله في وسط لندن أو القاهرة مثلاً. سيكون طبعاً تأثيرها بشعاً لناحية عدد الضحايا أو المصابين بالاشعاعات بدرجة عالية يكون لديها تأثير على المدى الطويل وسيؤدي هذا العمل الى إخلاء منطقة كبيرة جداً من عاصمة أو غيرها إلى حين تنظيفها من الاشعاعات وسيكون تأثير هذا العمل بالطبع أبشع بكثير من «11 أيلول».

هل هناك معلومات أن المجموعات الارهابية تسعى إلى الحصول على مصدر مشع؟

تردنا معلومات دائماً عن محاولات لتهريب المواد المشعة عبر الحدود. ولدينا سجل لعمليات محاولة التهريب غير المشروع للمواد النووية والمشعة من كل الدول. هذه الدول تبلغنا عندما تقبض على شخص يحاول عبور الحدود أو المطار بمواد مشعة وهناك مئة حادث كل عام يحاول فيها أشخاص تهريب مواد مشعة. ولحسن الحظ فإن كل هذه المواد محدودة الكمية والقوة إنما هذه هي الحوادث التي ضُبطت، فهل هناك حوادث أخرى لم تُضبط؟ هذا هو السؤال. هل يمكن تهريب كمية كبيرة من المواد المشعة؟ هذا هو الكابوس الذي نعيشه يومياً.

هل ضاعف انفجار الاتحاد السوفياتي هذه المخاطر؟

الاتحاد السوفياتي تحول من إدارة مركزية بالكامل الى ولايات مختلفة، ومر عدد من السنوات حتى لمّت روسيا شملها مرة أخرى. والدول التي استقلت تبني أجهزة الرقابة على الحدود وغيرها. ولذلك كان تركيزنا والمجتمع الدولي حتى الآن على حماية المواد المشعة والنووية في الاتحاد السوفياتي ودوله السابقة. وما زال هناك كثير من العمل أمامنا، ولا سيما أن كثيراً من محاولات التهريب التي أذكرها، تأتي من دول الاتحاد السوفياتي سابقاً وأوروبا الشرقية مثل كازاخستان وأوزبكستان وأوكرانيا ورومانيا.

الملف الإيراني

بدأت سنة جديدة، أين أصبح الملف الإيراني؟

هناك كثير من الخلط وسوء الفهم في الملف الايراني في العالم ككل والعالمين العربي والاسلامي. الملف الايراني بدأ في منتصف الثمانينات عندما كانت ايران تتعرض الى حرب كيماوية من (الرئيس العراقي السابق) صدام حسين. وكانت هناك حرب سقط فيها مليون أو مليونان من الطرفين وكان لدى إيران منذ عهد الشاه، برنامج طموح لاستخدام الطاقة النووية. وكانت هناك عقود بلغت قيمتها عشرة بلايين دولار مع الغرب أيام الشاه.

وبعد الثورة عام 1979، أوقف الغرب تصدير أي موارد أو مفاعلات نووية إلى ايران نتيجة علاقات عدم الثقة مع الثورة الايرانية. وحاولت إيران لسنوات بناء جسور التعاون مع الغرب، إلا أنها لم تتمكن من ذلك. ولذا قرر الجانب الايراني عام 1985 اللجوء الى طريق الاتجار غير المشروع عبر «شبكة خان» في باكستان. وبدأ البرنامج النووي الايراني وما يطلق عليه دورة الوقود النووي منذ عام 1985. كان على إيران في ذلك الوقت إخطار الوكالة الدولية للطاقة الذرية لأنها جزء من اتفاقية منع الانتشار النووي، بأنها تستورد وتبني وتقيم هذه الأبحاث، إلا أنها لم تفعل ذلك. هي بالطبع تذكر أنها لجأت الى الطريق الخفي لأنها لم تستطع الحصول على أي تقنيات نووية عبر الطرق المشروعة. كما تذكر أنها لم تخطر الوكالة في ذلك الوقت لأن عملية الاستيراد كانت توقفت.

في نهاية المطاف، ونتيجة لحقيقة أن هذا البرنامج بُني بأسلوب غير شفاف ومن دون إخطار الوكالة، نشأ نقص في الثقة. وعملنا خلال السنوات الأربع والخمس الماضية لإعادة بناء فهمنا للبرنامج النووي الايراني منذ عام 1985 حتى الآن. نجحنا الى حد كبير، لكن لا يزال هناك كثير من المسائل ينبغي على ايران ايضاحها لنا عن طريق التعاون الشفاف والكامل معنا. وسيكون الشهر أو الشهران المقبلان حاسمين في هذا المجال، لأن ايران قررت أخيراً بأن تتفق معنا على خطة عمل لتوضيح كل هذه المسائل. وإذا استطعنا توضيح هذه المسائل خلال الشهرين المقبلين، يمكننا أن نقول إن برنامج ايران في الماضي وفي الحاضر، تحت اشراف الوكالة، ومخصص للأغراض السلمية. إنما هذا جزء من الموضوع. أما الجزء الذي يقلق العالم الغربي وكثيراً من المراقبين، هو الخوف من أن ايران لو حصلت على التكنولوجيا الخاصة بتخصيب اليورانيوم، ستستخدمها مستقبلاً لتخرج من نظام منع الانتشار، وصناعة سلاح نووي. وستبدأ استراتيجية هجومية في منطقة الخليج والشرق الأوسط.

يمكن أن أقسم المشكلة الايرانية الى قسمين: الماضي والحاضر. وهو ما نقوم به في الوكالة. الوكالة جهاز مثل الرادار، أستطيع أن أقول لك ما أراه في الأمس واليوم. ولا أستطيع أن أقول ما أراه غداً أو بعد غد، لا في إيران أو في أي دولة أخرى، لأن هذا يتوقف بالطبع على الدولة وسلوكها في المستقبل ولذلك، فأنا دائماً أقول إنني أستطيع أن أفتش الماضي والحاضر، إنما لا أستطيع أن أفتش عن المستقبل ونياته.

هذه مسألة تقوم على بناء الثقة. هناك ثقة معدومة بين ايران والدول الغربية والولايات المتحدة خصوصاً وعندما تستمع الى الجانب الايراني، يقول إن الغرب يفرض عقوبات اقتصادية وحظراً شاملاً عليه منذ الثورة وهذا صحيح. هناك عملية انعدام ثقة. والحل الوحيد برأيي لبناء ثقة في المستقبل هو من طريق التفاوض لأن في امكان مجلس الأمن أن يقر عقوبات، لكنها بمفردها لا تستطيع الوصول الى حل شامل لهذه المشكلة كما نعلم فإن العقوبات في كثير من الأحيان لا تحل المشاكل، إنما تلحق ضرراً بالمدنيين الأبرياء، ولا تصيب الحكومة بأي ضرر.

يقال مثلاً إن إيران بعيدة ثلاث سنوات عن صنع القنبلة، أو بعيدة خمس سنوات، ماذا يقول الدكتور البرادعي؟

من أجل أن تحصل على سلاح نووي، فلا بد من أمرين أساسيين. أولاً، المواد النووية التي تصنع السلاح، وهي اليورانيوم العالي التخصيب أو البلوتونيوم. كما نرى الآن، لا تستطيع إيران الحصول على هذه المواد طالما أنها تحت رقابة الوكالة. وطالما أن ايران جزء من منع الانتشار، فإنها لا تستطيع أن تخصب اليورانيوم الى درجة أعلى من خمسة في المئة. وهي تحتاج الى تخصيب اليورانيوم الى درجة 90 في المئة من أجل صنع سلاح. ولذلك لا بد من أن تخرج من نظام منع الانتشار وتطرد المفتشين، مثلها مثل كوريا الشمالية وإذا حصل هذا السيناريو وخرجت من النظام، فإن إيران التي لديها حالياً ثلاثة آلاف وحدة طرد مركزية على سبيل المثال، تحتاج على الأقل الى ما بين سنة و18 شهراً لتصنع المواد النووية اللازمة لصنع قنبلة نووية. وهذا جزء، ولا بد لاحقاً مما يطلق عليه تحويل هذه المواد إلى سلاح، وهو تصغير هذه المواد لتصبح قنبلة ثم صنع أجهزة التفجير، وهي على قدر عال من التعقيد. ولا بد كذلك من أن تكون لديها وسائل الايصال، أي الصاروخ الذي يمكن أن يحمل هذه القنبلة.

أستطيع أن أحكم على المواد النووية، لأن صلاحياتي تتعلق بمراقبتها. وبالطبع، ليست لدي صلاحيات، ولا أعلم ماذا تقوم به إيران في عملية التصنيع أو الصواريخ الطويلة المدى. أبني على ما ذكرته الاستخبارات الأميركية نفسها خلال العامين الماضيين. جون نيغروبونتي قال عندما كان مديراً لأجهزة الاستخبارات إن ايران تحتاج الى ما بين ثلاث وثماني سنوات، على رغم أن هذا المسؤول كان يقول إن طهران مصرة على صنع سلاح نووي وكان يأخذ في الاعتبار كل ما ذكرته آنفاً، أي صنع المواد النووية والسلاح والصواريخ طويلة المدى ويجب أن يعدل الصاروخ أيضاً من أجل أن يحمل سلاحاً نووياً. خليفته ماكونيل ذكر الكلام ذاته، أي أن ايران تستطيع أن تحصل على السلاح في نهاية هذا العقد أو في منتصف العقد المقبل. وبعد ذلك، جاء تقرير وكالة الاستخبارات أن ايران توقفت تماماً عن صنع أي سلاح نووي منذ عام 2003.

ماذا يغيِّر هذا التقرير؟ هل يستبعد خطر الحرب؟

- أنا تنفست الصعداء لأنني كنت أذكر هذا منذ فترة. نحن في الوكالة لم نر برنامجاً فاعلاً قائماً لصنع سلاح نووي في ايران، بناء على ما نراه وعلى عمليات التفتيش المتعددة. لم نر منشأة تحت الأرض تخصب اليورانيوم. ولم نر دلائل أو معلومات من أي جهاز استخباراتي على أن هناك عمليات تصنيع لسلاح نووي كنت دوماً أقول إن هناك مسائل على ايران حلها كي تتضح لنا الرؤية. إنما في الوقت ذاته، لا يمكنني القول إن ايران هي خطر حالي وطارئ، وبالتالي يجب أن نفكر في استخدام الحل العسكري. وكان يزعجني أن أسمع الحديث عن محرقة نووية وحرب عالمية ثالثة ولذلك جاء هذا التقرير ليأخذ عنصر السرعة من الملف الايراني ويتيح الفرصة لبدء حوار جاد لحل المشكلة من طريق المفاوضات لا يمكن أن أفصل الملف الايراني عن عملية الأمن في الشرق الأوسط. إيران تقول إنها تود الحصول على تقنية تخصيب اليورانيوم لأغراض اقتصادية. قد يكون هذا رأي عشرة في المئة لكنّ أحداً لا يستطيع إنكار أن عملية تخصيب اليورانيوم في حد ذاتها رادع مستتر إذا حصلت الدولة عليه إذا لم تحصل الدولة على السلاح النووي إنما على المعرفة (المتعلقة بصنعه)، فإن هذه الحالة أفضل بكثير من الحصول على سلاح نووي، لأن الدولة ما زالت خاضعة الى نظام منع الانتشار النووي. لكنها بذلك أرسلت رسالة واضحة الى العالم وجيرانها أنها تستطيع القيام بذلك (صنع قنبلة) خلال مدة قصيرة.

مثل أي بلد في العالم؟

- مثل دول لديها عمليات تخصيب يورانيوم كاليابان والبرازيل وألمانيا وهولندا التي لديها المعرفة والقدرة.

لكنها قادرة على صنع سلاح نووي؟

- إذا كانت لديك المعرفة لتخصيب اليورانيوم أو لفصل البلوتونيوم، فإنك مشيت 70 الى 80 في المئة من مشوار صنع سلاح نووي. لأن امتلاك المواد النووية جزء أساسي من صنع السلاح. ولذلك في رأيي أن حصول ايران وأي دولة أخرى على هذه التقنية، هي من وجهة نظرهم شهادة تأمين. إذا استطعتُ الحصول على ذلك، سأحمي نفسي من ضربة عالمية، وسيعطيني ذلك قوة ومركزاً. لا يخفى علينا أن الدول التي تملك سلاحاً نووياً أو تلك التي لديها المعرفة، كلها دول كبيرة. عندما يتكلم أحمدي نجاد عن أن بلاده دخلت النادي النووي، يأخذ في الاعتبار أن هناك 12 أو 13 دولة في العالم فقط تملك السلاح النووي أو التقنية لصنعه وفي تصوري، ترى ايران أن هذا قرار استراتيجي سيؤمن لها حماية في المنطقة وسيعطيها القوة والموقع المميز. لا يمكن فصل ذلك عن عملية الأمن في الشرق الأوسط. ايران تقول إنها من أقوى الدول في المنطقة، ولا بد من أن يتعامل معنا العالم على هذا الأساس، أي أنها قوة اقليمية وعلى العالم الاعتراف بنا واحترامنا.

وبالتالي لا يمكن فصل عملية تخصيب اليورانيوم عن الأمن الاقليمي. لم نحدِّد أبداً ما هو شكل الأمن في منطقة الشرق الأوسط، وهو أمر يعود الى غياب السلام. لا يوجد سلام في الشرق الأوسط لأن نصف العالم العربي في حالة حرب أهلية أو شبه حرب أهلية لم نفكر في العالم العربي أو الشرق الأوسط، في مفهوم الأمن أو مصالحنا الاستراتيجية التي لا تتغير بتغير الأنظمة. ففي كل دولة، هناك مصالح جيوسياسية محددة لا تختلف مع تغير الأنظمة. لم نقم بذلك، لعلنا اعتمدنا في كثير من الأحيان على أننا، أي العالم العربي، أكثرية في الشرق الأوسط. لم نفكر ما هو شكل الأمن الذي يجب أن نعيش فيه عندما بدأت القضية الفلسطينية، وبدأ الخلاف بيننا وبين ايران، أصبحت هناك حالة شلل. المحزن أننا من أولى المناطق التي بدأت نظام الأمن الاقليمي عام 1945، أي الجامعة العربية. وهو النظام الذي أثبت فشله أكثر بكثير من نجاحه في أكثر من حرب. ليس فقط لم يعمل، بل بدأت دول عربية حروباً ضد بعضها بعضاً.

من أجل حل المشكلة الايرانية، لا بد من معالجة الجذور وليس فقط الظواهر. لا بد من أن أسأل نفسي لماذا تريد ايران الحصول على هذا الأمر؟ ولا بد من أن أسأل نفسي هل هذا الأمر يتفق مع نظام الأمن في المنطقة؟ وما هو تأثيره في الدول المجاورة وعلاقتها بإيران؟

العالم يسير في اتجاهين، الأول ينسى عمليات التفرقة والاختلافات العرقية واللغوية، ويركز على ما يجمعنا كأسرة انسانية بصرف النظر عما إذا كان الانسان مسلماً أو مسيحياً أو يهودياً أو شيعياً أو سنياً. ما يجمعنا هو مجموعة من القيم المشتركة، نود أن تكون لدينا أسرة، وأن نربي أولادنا وأن نعيش أياماً مستقرة وأن نعمل وأن نحمي أنفسنا عندما نكبر. العالم يسير في هذا، ويسير أيضاً نحو بناء مساحات تكامل والمؤسف أننا بدأنا في العالم العربي بالتكامل عام 1945، وبالعمل على مفهوم المواطنة. عندما ترى لبنان على سبيل المثال. كان مثالاً للمواطنة، أي أن نركز على ما يجمعنا وليس ما يفرقنا أما الآن، نرى أننا نسير في عكس التيار الذي يسير فيه العالم. نركز على ما يفرقنا، وهي اختلافات ليست سطحية فحسب إنما مضحكة.هذا شيعي وهذا سني وهذا قبطي وهذا مسلم ونسير على أننا بدلاً من أن نتجمَّع في اطار عربي أو قومي ولدينا المقومات كافة لذلك، نتحدث اليوم عن فيديرالية العراق وعن تقسيم لبنان. رجعنا الى ما قبل عصر النهضة.

مخاوف إسرائيل

هل لديك خوف من شن إسرائيل غارة على المنشآت الإيرانية؟

- بالطبع هذا الخوف موجود. لدى إسرائيل مخاوف كثيرة وقلق من استحواذ ايران القدرة والمعرفة التقنية لصنع أسلحة نووية. ترى اسرائيل في ذلك تهديداً لوجودها لأن بعض التصريحات الصادرة من ايران لم يساعد على ايجاد أجواء من الثقة، إنما على بناء جو من الفزع والتوتر لكن حتى لو قامت اسرائيل أو غيرها بضرب المنشآت الايرانية، فإنها لن تحل المسألة، وإنما ستعقدها أكثر. وذلك للأسباب الآتية: أولاً أن المنشآت الايرانية ما زالت صغيرة.

قد تعطل (الضربة) البرنامج سنة أو اثنين، لكن المعرفة موجودة في عقول الايرانيين. برأيي، سينتج ضرب هذه المنشآت يقيناً هزة للكرامة الايرانية. وسيكون هناك توافق كامل بين الأطياف الايرانية كافة، المعارضة للنظام والموالية له، على بناء سلاح نووي في أقرب فرصة، لأنه أصبح هناك تهديد للدولة نفسها الآن. أنا دائماً أفرق بين حبي لوطني وكراهيتي لنظام معيَّن. وهذا سيؤدي الى تأثيرات على المنطقة كافة حيث لديها (طهران) نفوذ لن تقف مكتوفة الأيدي كما بدأنا حديثنا، سيكون لذلك تأثير في باكستان، وفي العالم الاسلامي. وسيكون ذلك بمثابة تأكيد للمفهوم السائد في العالم الاسلامي بأنه ضحية لمؤامرة كاملة من العالم الغربي. أنا لا أعتقد بأن هناك مؤامرة بل بأن العالم الغربي يدافع عن مصالحه، ونحن كذلك. وإن لم ندافع عن مصالحنا سواء كشعوب وأفراد، سنعامل معاملة مختلفة.

نتكلم دائماً ونفضِّل الحديث عن المعايير المزدوجة. ردي على هذا الأمر هو عندما نقف على أرجلنا ونتعلم ونكون دولاً صناعية وحضارية، ستختفي تلقائياً هذه المعايير المزدوجة التي تعكس تفاوتاً في القوة والمصالح. ما يقلقني في هذا الأمر أيضاً أننا في المنطقة سواء أخذنا الموضوع الايراني أو العراقي في الاعتبار، نقف متفرجين كما لو كان أمن المنطقة مسألة تخص الآخرين. عندما أرى من يحاول حل النزاع العراقي والمشكلة اللبنانية. هل يعقل بأن الحديث في المشكلة الايرانية يكون بين ما يطلق عليه الدول الست، أي الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا، من جهة وإيران من جهة أخرى؟ أين دول منطقة الشرق الأوسط؟

إذا كان هناك حل، فسيكون على حساب منطقة الشرق الأوسط لأنها مسألة تتعلق بأمنها. وإذا كانت هناك حرب فسيكون أثرها علينا. لا بد من أن تكون هناك مشاركة، أي أن نعلم بأن علينا أن نكون في مقعد القيادة في أي شيء يتعلَّق بأمننا. نحن لا يمكن أن نترك مصيرنا وأمننا ومستقبلنا وحضارتنا لتكون محل بحث في المجالس الأوروبية والأميركية وأن ننتظر دائماً النتيجة، أي ما سيقررونه لنا إذا استمر هذا الوضع، لن تقوم لنا قائمة. «لا يغيِّر الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم».

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:dralhayat-7-1-2008