الرئيس الفرنسي : أرفض خيار أما الخضوع أو استخدام القوة مع إيران

 

 

لا يختلف تصور الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لمكانة فرنسا عن تصور الجنرال ديغول في الخمسينات والستينات والرؤساء الفرنسيين منذ العهد الديغولي، لكن رؤيته الى الطريق لهذه المكانة مختلفة، فتحقيق هذا الهدف يمكن ان يكون بتحالف فرنسا واوروبا مع الولايات المتحدة وليس بمواجهتها.

وهو منذ دخوله الاليزيه يريد لفرنسا قيادة اوروبا، واعلن ان فرنسا يمكن ان تعود الى حلف ناتو بشروط، وفي حديث شامل اجري معه في الاليزيه انه لا يمكن انتقاده لانه يريد المكان الاول لفرنسا، ويتساءل قائلا اذا لم تقد فرنسا فمن يقود؟

وفي الحوار الذي شمل قضايا عديدة يؤكد ساركوزي ضرورة التعامل مع ايران «بكثير من الحزم»، مشددا في الوقت ذاته على انه لا يتلفظ بـ«كلمة حرب»، كما اعتبر ان شروط زيارة يقوم بها وزير الخارجية برنار كوشنير الى طهران «لم تتوافر» وحدد شروطه في عودة فرنسا الى حلف ناتو الذي كان ديغول قد انسحب من قيادته العسكرية في 1966، وظلت فرنسا بعيدة عن هذه القيادة ولا تسمح بتواجد جنوده على اراضيها حتى بعد ان انضمت الى اللجنة العسكرية للحلف في 1995 بأن الولايات المتحدة يتعين أن تقبل بقدرات الدفاع الاوروبية الحقيقية، وان يكون هناك دور فرنسي بارز في هيكل القيادة التابع لحلف شمال الاطلنطى. واعتبر ساركوزي المستشارة الالمانية أنجيلا ميركل بمثابة «رفيقة روح» بالنسبة له. وفي ما يلي نصوص اسئلة واجوبة في الحوار الذي اجري معه.

أوضحت الخطوط الرئيسية لسياستك الخارجية (في خطاب الشهر الماضي) الى سفرائك، والآن تستعد لحضور اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة. أية مبادرات تود طرحها في نيويورك ؟ وما هي أهدافك في اطار هذا اللقاء ؟

ـ أريد ان ادافع عن فكرة أن فرنسا ستقوم دائما بحملات من اجل السلام وتحقيقه في العالم، وأقول السلام وليس الاستقرار. فالاستقرار بالنسبة لي ليس هدفا كافيا. الاستقرار يعني أنك تتساهل مع عدد معين من الأمور التي لا يمكن التساهل معها بالضرورة. وسنحقق السلام عبر التعددية، وأنا أعتقد بشرعية الأمم المتحدة.

ولا يمكن لبلد بمفرده أن يفرض قانونه الخاص على العالم، وذلك هو السبب الذي يجعلني أعتقد بان السلام سيكون نتيجة التعددية وأؤمن بالعدالة لأننا لا يمكن أن نحقق السلام بدون العدالة، وسأطرح قضية الأرباح الطائلة من المواد الخام لا بمعنى الضرائب وانما بمعنى المنطق المبرر، لا يمكننا أن نحصل على ارباح طائلة من جانب وفقر مدقع من ناحية ثانية كما أعتقد أنه من أجل تحقيق السلام يجب علينا أن نرفض الخضوع لأوضاع معينة غير مقبولة أفكر على نحو خاص بايران وأعتقد، أخيرا، ان علينا أن نكافح من اجل المبادئ العظيمة التي هي مبادئ شاملة، وهذه هي الأفكار التي أود طرحها في الأمم المتحدة وبسبب ان فرنسا تواصل بحرارة صداقاتها فانها تحتفظ بالحق في مد يدها الى الجميع. أعرف اين عائلتي، وأعرف اين تكمن قيمي، وأعرف ما هي أفكاري، ولكنني اريد، بسبب معرفتي بنفسي، أن أمد يدي الى الشخص المختلف، وذلك هو الموضع الذي يجب ان تتجلى فيه خصوصية فرنسا: كبلد لا يثير الارتياب في ما يتعلق بقيمه أو تحالفاته، وعلى وجه التحديد لأنها لا ترتاب بقيمها أو تحالفاتها، ولديها القوة لمد يدها الى الجميع.

ذكرت ايران وفي الفترة الأخيرة كان هناك الكثير من الارتباك بشأن السياسة الفرنسية، وقلت ان ايران مسلحة بالأسلحة النووية لن تكون مقبولة؟

ـ أؤكد ذلك، فسعي ايران الى التكنولوجيا النووية يضع العالم أمام خطر مهلك، هذا شيء غير مقبول كما أن القدرة العسكرية النووية كانت غير مقبولة بالنسبة لليبيا وكوريا الشمالية. ايران بلد عظيم، والايرانيون شعب عظيم، وايران حضارة عظيمة، وايران مؤهلة للعب دورها كاملا. ويمكن لايران أن تحصل على التكنولوجيا النووية المدنية ولديها دور في غاية الأهمية تلعبه في المنطقة، ولدى ايران أشياء تقوم بها افضل من محاولة الحصول على اسلحة نووية.

أريد من الزعامة الايرانية أن تدرك هذا بدون ظلال غامضة، ولكنني مستعد أن أوضح أنه من أجل منع ايران من الحصول على اسلحة نووية يجب علينا أن نشدد العقوبات، ومن ناحيتي لا استخدم كلمة «الحرب».

هل يمكنك أن توضح التعبير الذي تستخدمه في خطابك الى السفراء الذي تتحدث فيه عن «بديل كارثي: قنبلة ايرانية أو قصف ايران»؟ هل يمكن أن تكون فرنسا مستعدة ...؟

ـ ذلك ما لا أريده، وذلك ما لا تريده فرنسا، وبين هذين الحدين هناك سبيل للمفاوضات، وللعقوبات، وللموقف الشديد، وللمناقشات. هناك كل شيء سوية. وليس من الصحيح القول انه ليس هناك حل غير الخضوع او الحرب.

هناك طائفة شاملة من القرارات التي يجب ان يتخذها المجتمع الدولي من أجل اقناع الايرانيين بانهم يتجهون نحو مأزق، كما أفلحنا في اقناع الكوريين الشماليين، وكما أفلحنا في اقناع الليبيين، ولسنا ملزمين بالحدين فقط.

ولكن هل ستكون فرنسا مستعدة لاستخدام القوة لمنع جمهورية ايران الاسلامية من الحصول على قنبلة نووية ؟

ـ ولكن ذلك هو على وجه التحديد الخيار الذي ارفضه في ما قلت «اما القبول أو القوة»، وهو بالضبط ما يريده الزعماء الايرانيون. ولست ملزما بالوقوع في هذا الشرك. فبين الخضوع والحرب هناك طائفة من المواقف والحلول مثل تقوية العقوبات التي ستؤدي الى نتائج في خاتمة المطاف.

في ما يتعلق بالعقوبات، على سبيل المثال، هناك حديث عن توصية لشركات مثل توتال أو غاز دي فرانس لانهاء نشاطاتها في ايران؟

ـ لن يكون لفرنسا خطان، تريد فرنسا أن تقول للايرانيين: لا سلاح عسكري نووي. ونحن لا نسعى الى التفاوض عبر وساطة عقود الشركات الخاصة. لدينا خط واحد فقط، وهذا كل ما في الأمر، ولذلك فاننا نحث بقوة الشركات الفرنسية على تفادي الذهاب الى ايران طالما أن المجتمع الدولي قرر تطبيق العقوبات، واذا لم تكن العقوبات كافية أود أن تكون هناك سلسلة ثالثة من العقوبات الأقوى مع ادراك أن العقوبات لا يمكن أن تفعل فعلها الا اذا كان هناك اجماع ولهذه فان علينا أن نقنع الآخرين بذلك.

ولكن هذه الاستراتيجية جديدة حقا بالنسبة لفرنسا، انها ابتعاد كامل عن سياسة فرنسا التقليدية التي تعارض فرض العقوبات، أو حتى التفكير بالعقوبات خارج اطار الأمم المتحدة؟

ـ أفضل عقوبات الامم المتحدة، ولكن السلسلة الثالثة من العقوبات ستجرى المصادقة عليها، كما آمل، من جانب الأمم المتحدة، غير انه بالنسبة لتطبيق الدول الأوروبية نفسها العقوبات فان ذلك ليس قرارا انفراديا وانما قرار دولي شامل، ولهذا فان الأمر مقبول بالنسبة لي.

ولكن أليست هذه الاستراتيجية السياسية مختلفة ؟

ـ لن اقوم بتحليل موسع لما جرى سابقا، أحاول ان أكون بموقف راسخ مع ما يجري الآن. وموقف فرنسا هو التالي: لا سلاح نووي لايران، وترسانة من العقوبات لاقناعهم، ومفاوضات، ومناقشات، وموقف راسخ. ولا أريد أن اسمع شيئا آخر لا يسهم على نحو نافع في المناقشة اليوم.

ولكن هل يمكنك أن توضح على وجه الدقة ما هي اقتراحاتك لزيادة الضغط الاقتصادي والمالي على ايران، لأن هناك حديثا عن آلية عقوبات على المستوى الأوروبي، اما من جانب الاتحاد الأوروبي او على مستوى كل دولة؟

ـ لست مضطرا الى الدخول في التفاصيل، ما أريد أن أتوصل اليه هو ان يدرك المجتمع الايراني المأزق الذي يريد موقف بعض زعمائه ايصالهم اليه. وما أود أن يحدث هو نقاش حقيقي في المجتمع المدني والسياسي الايراني لكي تتمكن ايران من رؤية انهم، شأن كل بلدان العالم الأخرى، لا يمكن أن يعيشوا في عزلة. وكلما أدركوا ذلك عاجلا فان الايرانيين، الذين لا يلامون في هذه المسألة، لن يواجهوا وقتا طويلا في المعاناة من العواقب.

إنه لأمر صعب ...؟

ـ انه صعب، هذه أزمة دولية يجب ان تعالج بقدر كبير من الهدوء والثبات والتفكير، وهذا ما أحاول فعله. وعلى اية حال فانني لن أمضي الى ما هو ابعد. تلك ليست سياسة فرنسا، ولا معنى لذكر بدائل اخرى، ان ذلك يؤدي الى نتائج معاكسة.

يقول البعض ان سياسة فرنسا بشأن ايران مماثلة للسياسة الأميركية بشأن ايران، هل من الصحيح القول انه في المرحلة الحالية تعتبر «كل الخيارات مطروحة على الطاولة» بالنسبة لفرنسا كما بالنسبة للولايات المتحدة ؟

ـ بالنسبة لي السؤال في ما يتعلق بايران هو ليس معرفة ما اذا كنا قريبين من الولايات المتحدة أم لا المسألة هي الحفاظ على وحدة المجتمع الدولي في ما يتعلق بايران، وفي ما عدا ذلك فسأترك للمعلقين الحكم على ما اذا كنا اقرب وفضلا عن ذلك فان تعبير «كل الخيارات مطروحة على الطاولة» ليس تعبيري، فقد اوضحت ماهية استراتيجيتنا وسأتمسك بذلك. أنا مستعد تماما للحديث مع الولايات المتحدة، ولكنني لا أقرر موقفي اعتمادا على موقف الولايات المتحدة وحدها، فهناك الموقف الروسي والموقف الصيني المهمان في موضوع العقوبات، لا يمكننا أن نعتبر الموقف الفرنسي او موقف الولايات المتحدة باعتباره الأكثر اهمية.

في النسخة الانجليزية من كتابك بعنوان (شهادة) تشير الى ايران باعتبارها «دولة خارجة عن القانون»، هذا لا يظهر في النسخة الفرنسية. واذا كانت ايران بلدا خارجا عن القانون فعلا هل ينطبق مبدأ الاحتواء، أم انه يجب تغيير النظام ؟

ـ لن اقول ان ايران «بلد خارج عن القانون»، ما دام ذلك يعني ان الايرانيين انفسهم خارج القانون. أعتقد ان ابناء الشعب الايراني هم أولا واخيرا ضحايا وليسوا مذنبين. أعتقد أن بعض الزعماء الايرانيين قد وضعوا انفسهم خارج المجتمع الدولي، ولكن ليس البلد لأن الشعب الايراني يمتلك الحق في الحياة والحق في الرخاء والحق في السلام والحق في التطور.

قال وزير الخارجية برنارد كوشنر انه يود الذهاب الى ايران اذا ما وجهت اليه دعوة، لماذا ؟

ـ لا أعتقد أن ظروف السفر الى ايران متوفرة في الوقت الحالي، يمكننا أن نتحدث عن الأمور في قاعات الأمم المتحدة. السفر الى ايران شيء آخر.

في ما يتعلق بالناتو ابلغت سفراءك انك تريد تجديدا في علاقات الحلف مع فرنسا، هل فرنسا مستعدة للعودة الى القيادة العسكرية الموحدة للناتو وفي اية ظروف ؟

ـ أولا ليست لدي مشكلة مع الناتو، دعني أذكرك ان فرنسا عضو مؤسس للناتو، وان هناك 21 بلدا أوروبيا من اصل الدول الأعضاء التي يبلغ عددها 26 دولة. وهذا شيء اود ان آخذه في الحسبان. لقد أسسنا الناتو مع اصدقائنا الأميركيين، يجب ان نتوقف عن تقديم الناتو باعتباره «بعبعا»، تلك هي النقطة الأولى أما الثانية فهي اننا في الناتو واننا احد المساهمين الرئيسيين، في الاطار المالي والانساني، وذلك شيء لم ابتدعه  اذن فهل هناك حاجة للتغيير ؟ انه احتمال يشير اذا ما اردنا التأمل فيه ايجابيا الى شرطين اساسيين لابد من تلبيتهما.

الأول هو أنني اريد ان اكافح من اجل الدفاع الأوروبي، وبغض النظر عن أهمية الناتو، يجب على اوروبا ان تكون قادرة على الدفاع عن نفسها بصورة فعالة ومستقلة. لا يمكن لأوروبا ان تكون قوة اقتصادية بدون أن تضمن امنها، ولهذا فانني اسعى الى ان اجعل التقدم في الدفاع الأوروبي شرطا للتحول الى القيادة الموحدة، وأنا أطلب من اصدقائنا الأميركيين أن يفهموا ذلك ان اوروبا قادرة على الدفاع عن نفسها بصورة مستقلة لن تشكل خطرا بالنسبة للأميركيين، بل انها ستكون مصدر قوة. والنقطة الثالثة هي انه لا حاجة الى القول انه اذا كان لنا أن نتأمل مثل هذه الخطوة فانها يمكن أن تحدث اذا ما كان هناك مجال لممثلي فرنسا في الهيئات المقررة على اعلى المستويات. وهاتان هما الجبهتان اللتان نعمل عليهما.

أعطيت قوة جديدة لطريقة التي تمارس بها فرنسا نفوذها في العالم، هل فرنسا عائدة ؟

ـ حسنا، آمل ذلك، أولا فرنسا عائدة في المفوضية الأوروبية التي اراها باعتبارها حليفا وليس خصما فرنسا تعود في اوروبا الشرقية لأن لدى فرنسا الكثير لتقوله لشعوب شرق اوروبا وفرنسا عائدة في الولايات المتحدة لأنني أريد أن ابلغ الشعب الأميركي ان الشعب الفرنسي صديق لهم فلسنا مجرد حلفاء، بل نحن اصدقاء. وأنا فخور بكوني صديقا للأميركيين. أنا اقول هذا لصحيفة «نيويورك تايمز» ولكنني قلته للفرنسيين وهو ما يتطلب شجاعة اكبر قليلا وصعوبة أكثر قليلا. لم أخف ابدا اعجابي بالحيوية الأميركية ومرونة المجتمع الأميركي وقدرته على رفع أناس من هويات مختلفة الى اعلى المستويات.

لقد مرت اكثر من 20 سنة، ربما 21 سنة، منذ لم يكن وزير خارجية الولايات المتحدة اميركيا، او بالاحري من الخارج ( في اشارة الى انه من الاقليات) : مادلين اولبرايت، كولين باول، كوندليزا رايس، وهو مثال عظيم يجب اتباعه. هناك اشياء اخرى احبها بدرجة اقل، ولكني اشعر بالقرب من القيم التي تحملها وبعد قول ذلك، ليس من حقى اصدار احكام على هذه الادارة او تلك، او على هذا الحزب السياسي او الاخر. لست الذي يختار رئيس الولايات المتحدة، ويجب علي العمل مع الشعب الاميركي صديقنا بغض النظر عن الرئيس الذي يختاره، ويجب على الاميركيين العمل مع الرئيس الفرنسي، بغض النظر عن الرئيس الذي اختاره ولكن ما دمنا قلنا ذلك، فإن فرنسا لا تنفي امكانية علاقات حتى مع شعب لديه علاقات صعبة مع الولايات المتحدة (الرئيس الفنزويلي) هوغو شافيز، ولا يمكن لأحد منعي من التحدث مع هوغو شافيز لان لديه مشكلة من الولايات المتحدة. فنحن نقع على نفس المحيط، حتى بالرغم من المسافة التي تفصلنا بما يقرب من 5 الاف او 6 الاف ميل.

لقد قضيت اجازاتك الصيفية في الولايات المتحدة (في وولفبورو بولاية نيوهامبشاير) ماذا تعلمته عن الولايات المتحدة؟ لان المنطقة التي زرتها تختلف عن نيويورك او واشنطن او بوسطن.

ـ هذا صحيح، ربما كانت الولايات المتحدة الحقيقية، لقد احببت نيوانغلند، واحببت بوسطن، واعتقد انها مدينة جميلة بطريقة غير عادية، ونوعية حياتية مميزة. واحببت الطيبة وبساطة الناس في وولفبورو. واحببت طريقة ترحيب الناس بنا، واحببت الريف، ومراكز التسوق والمطاعم، واحببت السباحة في البحيرات، واحببت الركض في الغابات مع ابني الذي يركب دراجته الى جواري، واحببت بساطة الناس وعدم تعقيدهم، ولا ارى سببا يمنعني من الذهاب للولايات المتحدة لأن مجموعة صغيرة من اساتذة الجمعة النخبة تعادي الولايات المتحدة، وهي لا تتماشى مع طريقة تفكير الشعب الفرنسي على الاطلاق وتعلم من الطريقة التي نحتفل بها بيوم الانزال في نورماندي ( نزول قوات الحلفاء على الشاطئ الفرنسي في الحرب العالمية الثانية) ان الشعب الفرنسي مع الاميركيين وان العلم الاميركي يتمتع بشعبية في فرنسا. لقد قلت ان العلاقات بين فرنسا والولايات المتحدة تتحدى شعبية ساركوزي او بوش. وهناك اشخاص سيأتون بعدي، وبعد بوش. وارى نفسي في اطار التقليد التاريخي للقيادات العسكرية الفرنسية خلال الثورة الفرنسية وكونت روشامبو والمركيز لافاييت. وفي ذلك الوقت كان هناك 20 مليون فرنسي و 4 ملايين اميركي، وكان موقفا عبقريا من جانب لويس السادس عشر لفهم ضرورة مساعدة هذه الديمقراطية الشابة الاميركية. وكانت فرنسا هناك مع لافييت وروشامبو، ورفض روشامبو تلقي السيف من البريطانيين واعطاه الى جورج واشنطن. ولافييت شخصية عظيمة في التاريخ الفرنسي لانه كان الاب الروحي للعلاقات بين الولايات المتحدة وفرنسا، ولم نحارب بعضنا البعض على الاطلاق، وساعدنا دائما بعضنا البعض، ولا ارى سببا لضرورة النظر لبعضنا البعض كدول اعداء، ليس لها معنى ولذا فربما كانت المشاكل التي لدينا ناشئة من حقيقة اننا دولتان تؤمنان ـ وليس بضرورة ايمان كل الدول بذلك ـ ان قيمنا عالمية وبالنسبة لي، اعتقد ان فرنسا والولايات المتحدة اكثر تشابها مما نعتقد، والاكثر من ذلك. من النادر وجود دول في العالم تعتقد ان افكارها عالمية، فالالمان لا يعتقدون ذلك، ولا الاسبان ولا الطليان ولا الصين، يعتقدون انهم عالميون من اجل انفسهم، أي في اطار امبراطوريتهم. وفي الولايات المتحدة وفرنسا، نعتقد ان افكارنا تعهد الى تنوير العالم، وربما كان ذلك مصدر التنافس بيننا، حقيقة تشابهنا.

هناك عبارة في كتابك (شهادة) احب قراءتها . . . بخصوص صورة فرنسا تقول «اتخيل لبلادي اعلى مكانة في اوروبا . . . وفرنسا الجديدة هذا ستصبح دولة تستأنف قيادتها في اوروبا ويستمع اليها في المحافل الدولية» ما تعني بذلك؟

ـ لا يمكن انتقادي للسعي من اجل المكانة الاولى في فرنسا، اعتقد ان فرنسا لديها مسؤولية خاصة في اوروبا، وهي واحدة من اكثرها ازدحاما بالسكان، اذا لم تمسك فرنسا بزمام المبادرة، من سيفعل ذلك؟ هذا هو السبب وراء اقتراحي بمعاهدة مبسطة للاتحاد الاوروبي لكسر الجمود الحالي في اوروبا بخصوص الدستور، وهي السبب وراء اقتراحي بتشكيل «لجنة من الحكماء» لدراسة مستقبل اوروبا.

واعتقد ان فرنسا لديها مسؤولية خاصة، بعدم المضي قدما وحدها بل باقتراح الافكار. وما هي المشكلة في اوروبا في السنوات الماضية؟ هي عدم وجود المزيد من الافكار، فراغ هائل، وما هو الحل في اوروبا؟ النقاش، الافكار، المشاريع، الامل.

كانت هناك مبادرات اخرى من فرنسا منذ انتخابك: كوسوفو ودارفور ولبنان؟

ـ مضيق جبل طارق عرضه 12 كيلومترا، اعتقد ان مستقبل اوروبا وافريقيا مرتبط، لقد ذكرت للدول الاوروبية ان افريقيا هي مشكلتنا، مشاكل افريقيا ستصبح مشاكلنا.

دارفور لا يمكن السماح بالتطهير العرقي، ولذا ايدنا وعملنا على تأسيس قوة مشتركة في دارفور، وبالنسبة للقوة الاوروبية في دارفور على الجانب التشادي، الامر في مصلحتنا بالكامل، ومن مصلحتنا المساعدة على مراقبة الساحل الصومالي بحيث تتمكن السفن من افراغ شحنات الطعام وتجنب مجاعة على نطاق واسع.

في مصلحتنا ان تستمر لبنان في كونها دولة مختلفة ومتنوعة يحتاجها الشرق الاوسط. ومن مصلحتنا في كوسوفو امتناع الالبان والصرب من قتل بعضهما البعض، لان هذه هي اوروبا، وهي البلقان، ويجب على الجميع فهم ان ذلك مصلحة اوروبا، وتميل فرنسا للاحساس بالقلق بخصوص كل هذه المواقف لان فرنسا لديها رسالة للعالم.

اذا سمحت لي في الاستمرار في كوسوفو، عندما نتحدث عن كوسوفو يبدو من المرجح للغاية ان روسيا ستلتزم بقرارها باستخدام حق الفيتو ضد أي قرار لمجلس الامن. وتعتبر الولايات المتحدة هذه القضية اختبارا لتصميم الاتحاد الاوروبي فيما يتعلق بموسكو، وهل اوروبا على استعداد لرؤية موسكو تفرض سياستها الخارجية او ستقر القرار؟

اولا استقلال كوسوفو حتمي على المدى الطويل، ثانيا تبدو رغبة روسيا في استعادة مكانتها الكاملة امرا شرعيا، بل ومطلوبا، ثالثا تريد فرنسا علاقات ممتازة مع روسيا، ولكن روسيا لا يمكنها توقع حقوق القوى الكبرى بدون وجباتها، رابعا، فيما يتعلق بقضية كوسوفو يجب ان تبقى اوروبا موحدة ويجب علينا في النهاية دعم استقلال كوسوفو. واذا قلت ان العملية ليست قضية شهور او اسابيع، فذلك يرجع لانني اريد الحفاظ على الوحدة، وان فلاديمير بوتين (رئيس روسيا) يجب ان يفهم ان لا احد يريد اهانته، وان الجميع يفهم الجهود التي يقوم بها لاستعادة روسيا لمكانتها، ولا يمكن لاحد انتقاده لذلك، ولكن في نفس الوقت يجب عليه فهم ان الطرف الاخر لديه قناعات مثل قناعته، تتعلق بحقوق الانسان واحترام الاقليات وحكم القانون والديمقراطية، ويطلق على ذلك الحوار الصريح.

هل هذا ما دار بينكم في (قمة مجموعة الثماني) في هيلغندام في المانيا في شهر يونيو الماضي؟

ـ بالضبط هذا ما دار، وجدت المحادثات معه مثيرة وذكر لي جانبه من الحقيقة بصراحة، واجبت عليه بصراحة مماثلة، واؤمن بدور روسيا، وروسيا دولة عظيمة، ولكن لا يمكن لأية قوة عظيمة حرمان نفسها من وجباتها.

لقد تحدث، واستخدمت تعبير «وحشية ما» في المشهد الدولي، وهي لغة قوية؟

ـ لما يمكن من المقصود ان تصبح قوية، كان من المفروض ان تصبح قوية.

فيما يتعلق بالولايات المتحدة.. لقد بدأت حملة الرئاسة هناك، قل لنا عما تعتقده؟

ـ اولا، انا معجب بالمرشحين في حملة الرئاسة الاميركية، من المؤكد انها واحدة من اقوى الحملات في العالم، واصعبها مثل الحملة الفرنسية. وكنت مبهورا في الصيف الماضي برؤية العديد من النقاشات داخل كل من الاسر السياسية، واعتقدت: ياربي، ما اطوله من سباق، تحتاج الى طاقة لوضع نفسك عبر شيء مثل ذلك المديح للديمقراطية الاميركية. دعونا اقل لك شيئا، الناس الذين يتحدثون عن الانتخابات في الولايات المتحدة بصفة عامة لا يعرفون عن الانتخابات، ولكن يمكنني التحدث عنها، هي تثير اهتمامي، لقد شاهدت وسمعت ووجدتها فاعلة وتبدأ من الخلف.

ثانيا، تأثرت بنوعية الناس الذين يديرون كل حزب سياسي.. وعندما راقبت النقاش بين الديمقراطيين، كان هناك ما بين سبعة او ثمانية من المشرحين على نفس المستوى. ولم يكن احد يقول هيلاري كلينتون هي فوق الجميع. وهنا استطلاعات الرأي العام، ولكن يحصل كل شخص على فرصة متساوية للتعبير عن وجهات نظره، وهو درس جيد في الديمقراطية.

ثالثا، انا فخور بعدد المرشحين، جولياني على سبيل المثال، نقل عن كتاباتي، وانا معجب بجولياني منذ ان كان رئيسا لبلدية نيويورك واخترع فكرة عدم التسامح المطلق، لقد اعجبت بها وبغض النظر عن ذلك، كان على استضافة، عندما يأتون لفرنسا، كل الممثلين الجيدين للنخبة السياسية الاميركية، لقد شاهدت جون ماكين، كما التقيت بأرنولد شوارزنغر، ومن المتوقع لقاء باراك اوباما، والتقيت بآل غور وسأكون سعيدا بلقاء كل هؤلاء الذين يحملون امال جزء من الولايات المتحدة.

ذا كنت مراهنا، من المرشح الذي سيختار؟

ـ امتنع عن قول أي شيء بالرغم من ان الموقف في الحزب الديمقراطي اكثر وضوحا منه في الجمهوري.

ينتقد العديد من الناس علاقتك مع ادارة بوش في واشنطن، وهي ادارة سينتهي دورها قريبا؟

ـ يخطئ من ينتقدون ذلك، فكل مرة اذهب الى نيويورك، التقي مع مايكل بلومبرغ، وبالنسبة لي ليس ديمقراطيا او جمهوريا هو رئيس بلدية نيويورك. وعندما التقي ببوش او رايس او هنري بولسون وزير الخزانة الاميركية، بالنسبة لي ليسوا من اعضاء الحزب الجمهوري، هم سلطات البلاد الشرعية.

واذا كانت الولايات المتحدة ستختار غدا رئيسا ديمقراطيا، سأكون سعيدا بوجود نفس العلاقة، هناك العديد من القيادات الاوروبية من الاشتراكيين، ولا يمنعني ذلك من العمل معهم.

ما هي رسالتك للرئيس بوش عندما تلتقيه في الاسبوع المقبل لمناقشة تلك الموضوعات المختلفة؟

ـ كما تعلم هناك قضايا مكررة في محادثاتي مع بوش، واعتقد انه يجب على الولايات المتحدة، اقوى دولة في العالم، ان تضع مثالا عندما يتعلق الامر بالحفاظ على بيئة العالم. ان الولايات المتحدة محاطة بمحيطين الهادي والاطلنطي، وظاهر الدفء الحراري، وارتفاع منسوب مياه البحر هي قضايا تهم الولايات المتحدة. ويجب على الدول الكبرى تقديم النموذج، والدول الاعظم ان تأخذ المبادرة، وهي قضية في غاية الاهمية. ولدى الولايات المتحدة دور يجب القيام به في هذه القضية، اذا احترمت الولايات المتحدة اهداف كيوتو، لكننا اصبحنا في موقف اقوى بحيث يمكننا مطالبة الدول الاخرى بالالتزام بكيوتو، هذه قضية عالمية وهي موضوع مقلق في مناقشتنا.

لقد شرحت ان فرنسا ليست لديها قوات في العراق، والعراق يؤثر على الجميع وعلى كل دولة، هل لديك فكرة لحل المشكلة؟

ـ اولا اعتقد بضرورة بذل كل شيء لمنع العراق من الانهيار، ان العراق المقسم لن يكون في مصلحة الاستقرار الاقليمي.

ثانيا، يجب القيام بكل شيء لحصول العراقيين على مؤسسات تتيح لهم ادارة البلاد وضمان السلام بين المكونات الاجتماعية. وثالثا، كلما كان العراق قادرا على الوقوف على قدميه سريعا بدون وجود عسكري ولكن بمساعدة اقتصادية، لكن ذلك افضل بالنسبة للعراقيين والمنطقة والاميركيين.

سيادة الرئيس هل لدى فرنسا دور؟

ـ لفرنسا دور تلعبه، لقد كان برنار كوشنر محقا بالذهاب للعراق لتسليم رسالة رغبة المجتمع الدولي بمساعدة العراق على اعادة بناء نفسه في السلام والوحدة.

هل هناك مبادرات محددة؟

ـ لا كانت هناك مبادرة الذهاب للعراق، وهي كانت في حد ذاتها خطوة سياسية هامة.

لا افهم المبادرة المتعلقة بالعقوبات الالية الاقتصادية والمالية ضد ايران، لان هناك وجهات نظر متعددة في حكومتك؟

ـ لقد اجبت على هذا السؤال بوضوح بقدر الامكان، وليست لدي النية في الحديث عنه مرة اخرى. . . لانه كلما نفذنا هذه الاشياء بسرية، كلما زادت فرصة النجاح.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الشرق الأوسط اللندنية- خدمة «نيويورك تايمز»-25-9-2007