حوار هام مع المهندس حسين جهاد حول تدوين الدستور الدائم في العراق

 

 

في 15- 4- 2005 استضافت شبكة عراق المستقبل إلى جانب المركز الدولي للأنباء, وشبكة المستقبل للثقافة والإعلام الباحث العراقي: المهندس حسين جهاد, لتحاوره حول مبادئ, وهموم, ومشاكل تدوين الدستور العراقي الدائم, ويُجيب على الأسئلة التالية:

- هلْ سينجح المجلس الوطني العراقي المنتخب في تدوين الدستور العراقي الدائم؟

- هلْ تشككون في النجاح ؟

- فما هو الإقتراح للعبور من هذه الأزمة بأقل مايمكن من الخسائر  ؟

- هناك لجنة قد تشكلت لتدوين الدستور يُقال أنها بدأت عملها؟

- لماذا , إذنْ قامت الشخصيات والقوى والمؤسسات والأحزاب والمرجعيات بما في ذلك المرجعيات الدينية بتأييد قانون إدارة الدولة المؤقت المذكور للمرحلة الإنتقالية ؟

- أينْ يكمن الخطر الأكبر في الدستور الدائم المرتقب ؟

- ما هي أهم إشكاليات قانون إدارة الدولة المؤقت الذي وضع في ظل مجلس الحكم , قبل إنهاء الإحتلال رسميا , و إنتقال السيادة ؟

- هلْ مِن أمثلة لكلّ إشكالية ذكرتموها خصوصاً مع إشارتكم لإحتمال تمديد العمل بقانون إدارة الدولة المؤقت الذي تطلقون عليه اسم الدستور المؤقت الدائم؟

- هلْ إحتمال الإنقلاب العسكري إحتمال متوقع على المدى القريب، وكيفْ؟

الزمن المتاح قصير , فحسب دستور العراق المؤقت المعروف بقانون إدارة الدولة المؤقت على المجلس الوطني العراقي ان ينتهي من كتابة الدستور الدائم قبل منتصف شهر آب المقبل ,  اي 4 أشهر فقط , لتخضع الصيغة النهائية للدستور المدون لإستفتاء شعبي قبل منتصف تشرين الأول القادم.

 

* * * *

 

 لابد من التفاؤل, وزرع الأمل , و أن لا نغفل النجوم في ظلمة الليل , لا أشكك بل المهمة صعبة والمسؤولية ثقيلة , الزمن المحدد كان قصيرا , مضى نصفه تقريبا , وميزان القوى على الأرض , بعيدا عن الإستحقاقات الإنتخابية هو المتحكم الأكبر في القرار , الولادت القيصرية الطويلة لتوزيع المسؤوليات والحقائب قائمة، المهام والمسؤوليات الأخرى للمجلس الوطني , المرتبطة بشوؤن إدارة الدولة , وإ صدار اللوائح , و....... هذا كله , إلى جانب عوامل هامة أخرى , تبعث على الترشيد العاجل المتواصل لعملية تدوين الدستور الدائم.

 

* * * *

 

 

القانون المذكور بحاجة إلى دراسة كاملة ومستوعبة، لأنه هناك إحتمال لإجراء بعض التعديلات عليه، وإقراره كدستور دائم، ولهذا سميته بالدستور المؤقت الدائم، والخطير هو إقراره على ثغراته، أو على ثغراته الأساسية الإستراتيجية فيما يخص واقع العراق وتاريخه إلى جانب الظروف المحلية والإقليمية والدولية المعقدة والحرجة، كأن يُقر هذا الدستور المؤقت كدستور الدائم دون معالجة جدية قانونية دستورية لإحتمال الإنقلابات العسكرية، ودور الأمن والمخابرات، نعمْ في الدستور المؤقت بعض الإشارات الإيجابية في هذا الإتجاه، لكنها غير كافية، ويُخشى على لارعاق مِن شبح الإنقلاب العسكري المبرمج المتفق عليه مثلاً للتمهيد لإنسحاب جزئي للقوة المتعددة الجنسيات، مع حفظ ماء الوجه، وورقة الإنتصار، وما إلى ذلك.

 

* * * *

 

هناك سيناريوهات ثلاث لمستقبل العراق:.......... 

في ما يلي النص الكامل للحوار: 

السؤال الأول: هلْ سينجح المجلس الوطني العراقي المنتخب في تدوين الدستور العراقي الدائم؟

الزمن المتاح قصير , فحسب دستور العراق المؤقت المعروف بقانون إدارة الدولة المؤقت على المجلس الوطني العراقي ان ينتهي من كتابة الدستور الدائم قبل منتصف شهر آب المقبل ,  اي 4 أشهر فقط , لتخضع الصيغة النهائية للدستور المدون لإستفتاء شعبي قبل منتصف تشرين الأول القادم. 

السؤال الثاني : إذن , تشككون في النجاح ؟ 

لابد من التفاؤل, وزرع الأمل , و أن لا نغفل النجوم في ظلمة الليل , لا أشكك بل المهمة صعبة والمسؤولية ثقيلة , الزمن المحدد كان قصيرا , مضى نصفه تقريبا , وميزان القوى على الأرض , بعيدا عن الإستحقاقات الإنتخابية هو المتحكم الأكبر في القرار , الولادت القيصرية الطويلة لتوزيع المسؤوليات والحقائب قائمة، المهام والمسؤوليات الأخرى للمجلس الوطني , المرتبطة بشوؤن إدارة الدولة , وإ صدار اللوائح , و.......هذا كله , إلى جانب عوامل هامة أخرى , تبعث على الترشيد العاجل المتواصل لعملية تدوين الدستور الدائم.

السؤال الثالث: ما هو الحلّ؟ هل يكمن في تمديد العمل بدستور العراق المؤقت المعروف بقانون إدارة الدولة المؤقت , الذي وضعه مجلس الحكم المؤقت , و قبل إنتقال السيادة في حزيران الماضي؟ 

تأجيل تدوين الدستور الدائم , و ما يترتب عليه من تمديد للعمل بالقانون المذكور , أمر خطير , يخيب آمال الشعب , ويؤخر أكثر بناء العراق , والتنمية الشاملة , التي تشمل التأهيل الفاعل للديمقراطية , الإشكالات التي تكتنف الدستور المؤقت هي السبب في تأخر , وتأخير البدء الفاعل في تدوين الدستور الدائم المنتظر , كفى العراق الجريح العمل بالدساتير المؤقتة , والتعديلات الدستورية المتلاحقة .

دستور صدر للعراق في 1925 م ,  تضمن نقاط إيجابية , لكن مسائل تم تأجيلها , او عولجت في عبارات إنشائية كلية عامة مطاطة , فتحت الباب أمام تعديلين للدستور المذكور , وفي نفس العام 1925 , فكان ما سمي بقانون تعديل القانون الأساسي الأول لعام 1925 , تلاه  ما اطلق عليه قانون التعديل الثاني للقانون الأساسي الثاني !!! , وفي نفس العام 1925 , و....., تعديلات وخروقات متواصلة للدستور , ودائما تثبيت دساتير طويلة العمر , بأسم المؤقت ، حتى تحولت الى نكتة وفكاهة ، حيث يقال : المؤقت الدائم !! , الدستور المؤقت لعام 1958 م , قانون المجلس الوطني لقيادة الثورة ! رقم 25 لسنة 1963 م,الدستور المؤقت لعام 1968 م , وهكذا ......

السؤال الرابع : فما هو الإقتراح للعبور من هذه الأزمة بأقل مايمكن من الخسائر  ؟

أتصور أن جزءا من ذلك يتمثل في :

1- تشكيل المجلس الوطني المنتخب للجنة من بين أعضائه , تتفرغ لمتابعة دراسة وصياغة دستور دائم يؤكد على المبادئ الإساسية , دون أن يتحول إلى خطاب سياسي محض ، متبحر في الآمال والطموحات العريضة , التي تنسى الآليات والأدوات والوسائل , أو تتناسها , أو تتهرب من تحديدها, أو ........ , على أن تراعى النسب التي أفرزتها الإنتخابات الأخيرة , الى جانب التخصص والخبرة , في إنبثاق اللجنة الإستشارية الخاصة هذه .

2- رسم, وتحديد عاجل من قبل المجلس الوطني, لأهد اف ومسؤوليات وميزانيات اللجنة المذكورة, إضافة الى السمات العامة للعمل, والفترة المتاحة للجنة, لرفع النص المقترح للدستور الدائم, مع البدائل الخاصة بالمشاكل الهامة, وذلك بما يتيح الوقت الكافي للمجلس مناقشته, فإقراره, لعرضه على الشعب في الإستفتاء القادم للدستور الدائم, وطبقاً للجدول الزمني المحدد, أي قبل منتصف شهر تشرين الأول ألقادم.

3- قيام لجنة تدوين الدستور الدائم الإستشارية المذكورة بتشكيل عاجل لهيئة معاونة لها, مِن ذوي الإختصاص والخبرة العراقيين والعالميين في مجال القانون الدستوري الديمقراطي, وإلى جانب المختصين في النفس والإجتماع والإقتصاد والسياسة وفقهاء القانون و...., بما في ذلك فقهاء القانون الإسلامي, كي تحدد اللجنة مع الهيئة الأخيرة المحاور الرئيسية لفصول الدستور, القضايا الشائكة, والثغرات الخطيرة المحتملة لخرق الدستور عموماً, وفي الواقع العراقي خصوصاً و....., ليتم توزيع المهام والوظائف, وتقسيم الأعمال, والإنطلاق الفوري بالتنفيذ في مجموعات متوازية تتسابق مع الزمن في إنجاز المهمات, على أن ترفد اللجنة الإستشارية المجلس الوطني أسبوعياً على الأقل بالنصوص التي انتهت من صياغتها المبدئية, ليخصص المجلس الوطني ما لايقل عن الإجتماع الواحد اسبوعيا لمناقشة, فإقرار ذلك الجزء, وهكذا حسب الجدول الزمني المرسوم سلفاً, للتمكن من الوفاء بإستحقاق الإستفتاء على الدستور, وفي الموعد المقرر.

4- تشكيل اللجنة الإستشارية المذكورة فوراً, وقبل البدء بعملها بتأسيس حلقة وسيطة  مهمتها تأمين الإرتباط والتفاعل الإيجابي بين كل من اللجنة , والهيئة , والمجلس الوطني من جهة , وبين الإعلام , ومؤسسات المجتمع المدني , والأحزاب والمنظمات , وجميع المرجعيات , وفي مقدمتها المرجعيات الدينية , من جهة اخرى , لترشيد التدوين , وتحاشي كتابة دستور يسقط في الإستفتاء عليه , فيقود الى فراغ دستوري , أو تمديد العمل بقانون إدارة الدولة الإنتقالي المؤقت , أو.... , مما يمكن أن يدفع البلاد نحو المجهول , و نحو المزيد من عدم الإستقرار , فتأخير البناء , وتأخير تحسين الظروف المعيشية , والمعاشية , والأمنية , الذي لابد منه , لضمان تمكين الشعب من الإستمرار في مواصلة صموده , ودفاعه عن تطلعاته وآماله الديمقراطية .

السؤال الخامس : هناك لجنة قد تشكلت لتدوين الدستور يُقال أنها بدأت عملها؟

أتمنى ان تكون متسمة بالمقومات المطلوبة, والتي أشرت الى بعضها, لكن يجب تحاشي إنجاز ذلك في الظلام, أو اللجوء الى تأجيل التحديد, أو تعليق التحديد, على ملحقات, أو تعديلات, يتم إلحاقها بالدستور الدائم مستقبلاً, بعد الحصول على موافقة الشعب في الإستفتاء القادم, وبعيداً عن الشعب ومصالحه وتطلعاته, لأن الإستفتاء, يكون قد تمَّ, وتوقيع الشعب قد أُخذ, و على دستور يكتنف الغموض فقراته المحورية الحياتية, فإنجاز مهمة تدوين الدستور في الظلام, والهروب من الحقائق, واللعب في الوقت الضائع خطير, وسيساهم في ولادة دستور دائم هشّ مطاط خِطابي إنشائي مليء بالتناقضات, كما هو حال العديد من بنود الدستور المؤقت تقريباً والمسمى بقانون إدارة الدولة المؤقت الإنتقالي, الذي تمَّ إقراره قبلَ إنتقال السيادة.

السؤال السادس : لماذا , إذنْ قامت الشخصيات والقوى والمؤسسات والأحزاب والمرجعيات بما في ذلك المرجعيات الدينية بتأييد قانون إدارة الدولة المؤقت المذكور للمرحلة الإنتقالية؟ 

إذا كان هناك تأييد, فهو مشروط, ولاسيما ما يرتبط بموقف المرجعيات الدينية, حسب معلوماتي, مثلاً سماحة السيد السيستاني – حفظه الله – أجاب مكتبه على سؤال بهذا الخصوص مانصه: ( لقد سبق لسماحته أن أوضح في تحفظه على إتفاق 15 تشرين الثاني: أن أي قانون يعد للفترة الإنتقالية لن يكتسب الشرعية إلا بعد المصادقة عليه في الجمعية الوطنية, ويضاف إلى ذ لك أن هذا – القانون – يضع العوائق أمام الوصول إلى دستور دائم للبلد يحفظ وحدته وحقوق أبنائه من جميع الأعراق والطوائف. )

وذلك في 16 – 1 – 1425وتضمن جواب سماحة السيد صادق الشيرازي - حفظه الله - على سؤال مشابه ما نصه : ( وحيث أن القانون سوف يُطبّق على كل فرد من أفراد هذه الأمة , فيلزم أن تتم القناعة الكافية لكل شخص عراقي وذلك بمصادقة الجميع عليها عبر إنتخابات عاجلة و صادقة تجعل الأكثرية ملاكاً لها , وتضمن حقوق الأقليات كاملة وعادلة.) و ذلك في 17 – 1- 1425وفي هذا الإتجاه كانت مواقف بقية المرجعيات حسب معلوماتي.

السؤال السابع : أينْ يكمن الخطر الأكبر في الدستور الدائم المرتقب ؟

 أتصورُ ان الخطر في أمور عديدة من أهمها :

1- تجاوز القواسم المشتركة التي جمعت المشتركين في الإنتخابات الأخيرة, كالديمقراطية, وحدة العراق, الفيدرالية, إستكمال السيادة , حكم الأغلبية , ضمان دور الأقلية, وحقوق الأقلية والأقليات, وذلك عن طريق إقرار نصوص دستورية غير عملية للواقع العراقي المثخن بالجراح, والمفعم بعدم الثقة, أو عن طريق تدوين بنود غامضة , معرضة للتأويل والتفسير , أو تعليق تحديد مسائل هامة بصورة مطلقة ومهلهلة على لوائح وملاحق دستورية تكتب لاحقاً !!!.

2- عدم تفعيل دور المحكمة الدستورية العليا, وكما هو المألوف في الدساتير الديمقراطية, بل وأكثر من ذلك, لكون الديمقراطية فتية ممارسةً, ولان المحكمة المذكورة هي التي تتحمل العبأ الأكبر على طريق مراقبة تطبيق الدستور, تفسيره, والبت في الطعون القضائية المرتبطة, النظر في تطابق القوانين والإجراءات والأحكام الصادرة من هذه الساطة أو المحكمة, او تلك, للنصوص الدستورية, فالمحكمة المذكورة تمثل صماماً هاماً للإلزام والإلتزام بالدستور, الى جانب صمامات الأمان الأخرى, تفعيل هذا الدور بحاجة الى تحديد واضح, غير خجول, وصلاحيات موسعة, ومعايير دقيقة لإنتخاب أعضاء المحكمة و.... , وهذا لم يُعالج كما يجب في الدستور المؤقت المعمول به حالياً بإسم قانون إدارة الدولة المؤقت للمرحلة الإنتقالية , فدستور عام 1925 كان يتضمن نقاط إيجابية, كالفصل بين السلطات و ...... , لكن تم تجاوز ذلك, بشطبة قلم, فما أجمل بعض النصوص الدستورية هنا وهناك, وما أقل التطبيق, وما أسوأ التنفيذ, وما أبسـط التجميد المؤقت الدائم !!!!!.

3- إهمال معالجة الدستور الدائم  في نصوص عملية واضحة فاعلة تعالج اي إنقلاب عسكري, وقاية, وعلاجاً, وقاية بتوازن القوى والمئسسة وبناء وقيادة الجيش والأمن والمخابرات و..., وعلاجا إذا وقع إنقلاب رغم كل ذلك , فما هو الموقف الدستوري , الذي يسلب عمليا أي شرعية داخلية , أو إقليمية , أو دولية , من الإنقلاب العسكري , وأيا كانت الظروف , والشروط .

4- فصل الدين عن التشريع , اوبعبارة أدق فصل الأديان عن التشريع , على مستوى القانون الدستوري, أو الفرعي , وهكذا فصل الدين عن المجتمع.

5- المطاطية أو التناول الإجمالي الـمُعلّق لامور هامة ومحورية لضمان ديمقراطية واقعية مُستدامة مثل :

تعديل الدستور الدائم بعد إقراره , اسس نظام إعلام مستقل حر , محاور ومعايير نظام : الإنتخابات, الأحزاب, مؤسسات المجتمع المدني , قانون الطواريء , و......., والمسائل ذات العلاقة بأمور الدفاع, والحياد , وما يضمن ويكرس الإلتزام بحقوق الإنسان الـمُختلفة.

6- تعويم أو تسطيح اسس معالجة القضايا الـمُرتبطة بالتنمية الشاملة العاجلة والآجلة, الإقتصادية , والإجتماعية , والثقافية , والقانونية , والإدارية , والنفسية و...... , ولاسيما ما يتعلق بمشاكل التركة الثقيلة للنظام الشمولي السابق , مثل مصادرة الأموال , إسقاط الجنسية , معوقي الحروب والإرهاب, المهجرين , المهاجرين , نتائج التطهير العرقي أو المذهبي , أو..... . 

السؤال الثامن : هل الخوض في كل هذه التفاصيل من مهمة لجان أو مجالس صياغة الدستور ؟

ليس المطلوب الدخول في التفاصيل والإجراءات , لكن لابد للدستور أن يتضمن المباديء والأحكام المتعلقة بتنظيم السلطات العامة وصلاحيات كل منها والعلاقة بينها , وحقوق الأفراد وحرياتهم , و الأسس العامة التي تحكم النظام السياسي والإقتصادي والإجتماعي والإداري في الدولة.

هذه المحاور العامـة إذا لم يتناولها الدستور بالوضوح والتحديد والتوازن المطلوب , كان الإضطراب في أداء الدستور لدوره المأمول, والتفسير والتأويل, والتعديل المكرر, والصراع, ويفتح الباب أمام تضخم إستصدار ما يسمى بالقواعد القانونية ذات الطبيعة الدستورية, والتي تصدر عن المشرع العادي , والخطير أن القواعد المذكورة, أو حتى القوانين العادية أحيانا مثل قانون الطواريء , يمكن أن تقوم بتفريغ تدريجي غير محسوس للدستور من مبادئه وأسسه وتنظيماته, فلابد من الد قة والجدية لتحاشي اي فراغ من النوع المذكور في كتابة الدستور الدائم , فلم أقصد خوض الدستور في التفاصيل  والإجراءات , وكما أشرت ليس كافيا أن يتطرق الدستور الى المباديء , بل لابد من تحديد واضـح لأسس ومؤسسات تحقيق تلك المباديء , لتشكل مرجعا وإطارا للمواطن ، والمحكمة الدستورية العليا , والإعلام , والأحزاب , ومؤسسات المجتمع المدني , و... , يحتكم إليه , ويتحكم في مطابقة القوانين العادية , و القواعد القانونية ذات الطبيعة الدستورية التي يضعها المشرع العادي مستقبلا بعد إقرار الد ستور .

و لو تحقق ذلك , لكن الدستور الدائم لم يمنح  المحكمة الدستورية العليا صلاحيات كافية و فاعلة وعملية, او منحها ذلك , لكن تعيين اعضاء المحكمة المذكورة , كان متمركزا في يد السلطة التنفيذية , او حلها, او إنتخاب أعضائها كان بيد السلطة الأخيرة , او ..... ماهي النتائج !!؟؟

هيكل صوري كارتوني تتلاعب به السلطة التنفيذية , او التشريعية , او مُـنفِذ القانون , او الشرطي الذي هو في أدنى رتبة وظيفية !!!!!!

ولو حقق الدستور مايجب تحقيقه للمحكمة الدستورية مما تقدم , لكن لم يضمن إستقلال وحرية وتعددية الإعلام, ولم يمنع من إحتكار الإعلام, وذلك بإقرار مباديء كل ذلك بشكل طموحات وآمال وأحلام, دون تحديد الأسس العملية الكفيلة لضمان وتحقيق كل ذلك , لتُشكِّل تلك الأسس الموجزة خطاً أحمراً لايفسح المجال لجهة او تشريع عادي او غير عادي كي يجمد تلك الأسس , و إذا وقع ما يخالف ذلك , كمحاولة لتكبيل حرية الإعلام التي أقرها الدستور , فبدأ الإعلام بكشف الـمُخطط , وتم رفع القضية الى المحكمة الدستورية العليا , لابد من توافر النصوص المحددة الأساسية بخصوص الإعلام كي تحكم المحكمة الدستورية العليا وفقاً لتلك النصوص , فلا يكون حكمها خاضعا للإجتهاد المطلق او الرأي الخاص او التفسير والتأويل , فالمحكمة هذه أيضا معرضة للخطأ , فلا مناص من تعدد صمامات الأمان , كما لابد وأن يكون الدستور قد حددَ ذلك , لكل ماتقدم , ولكي يتسنى نقد وتقييم الأحكام التي تصدر من المحكمة المذكورة , ويتمكن الإعلامُ من الوصول الى ذلك النقد والتقييم المتقدم, ونشره, لإيصاله الى الرأي العام , ومؤسسات المجتمع المدني والأ حزاب , للتحرك في إتجاه حماية حق من الحقوق الفردية او الإجتماعية او العامة , التي أقرها الدستورُ , وبالتالي حماية الدستور من محاولات التفريغ والإفراغ والتهميش في العمل والممارسة , فيتحول الدستور الى ديكور , والديمقراطية في خبر كان وما قيل عن ضرورة تضمّن الدستور لأسس مبادئ الإعلام الحر المستقل غير القابل للإحتكار إلى جانب الأسس التي تحقق ذلك , يقال عن مؤسسات المجتمع المدني, والأحزاب, و...., وفي جملة واحدة  :

تحديد المباديء دون تحديد أسس تحقيق كل مبدأ في مسودة الدستور الدائم الذي سيُعرض على الشعب في الإستفتاء المرتقب يهدد مستقبل الديمقراطية , و لاتتعدى دعوة الشعب للتوقيع على دستور مهلهل من دعوة إلى التوقيع على صك غامض أشبه مايكون بالتوقيع على صك مفتوح فمن الجدير بوسائل الإعلام , ومؤسسات المجتمع المدني والأحزاب الاضطلاع  بدورها الحساس والحيوي في مناقشة كل ما يرتبط بتدوين الدستور , وتسليط الاضواء على هذا المسار الذي سيرسم مستقبل العراق, ومصير الديمقراطية فيه , وهذا الدور لأهميته نصَّ عليه قانون إدارة الدولة المؤقت للمرحلة الإنتقالية .

 السؤال التاسع :  كيفْ يبدأ الإعلامُ , والمجلسُ الوطني الـمُنتخب لَمْ يشرعْ بعد بتدوين الدستور ؟

بتناول مخاطر التأخير ، ترشيد الوعي الدستوري العام , إنضاج الرأي وإبرازه , رفد أعضاء المجلس بالدراسات والمسوح والمخاطر , تهيئة الشعب  للمشاركة الواعية الفاعلة في الإستفتاء , الضغط لرصد ثغرات التدوين , التحقيق من مدى واقعبة ما يقال عن لجنة او لجان منشغلة بتدوين مسودة الدستور بعيداً عن الأضواء , والمناقشات العلنية المطلوبة في المجلس الوطني , لقد نصَّ قانون إدارة الدولة المؤقت المذكور,في المادة (60) :

( على الجمعية الوطنية كتابة مسودة الدستور . وستقوم هذه الجمعية بأداء هذه المسؤولية بطرق منها، تشجيع المناقشات بشأن الدستور بواسطة إجتماعات عاملة علنية ودورية في كل انحاء العراق وعبر وسائل الإعلام , وتسلم المقترحات من مواطني العراق اثناء قيامها بعملية كتابة الدستور . )

 فالتنبيه على خطر تأخير التدوين , وجرّ البدائل الى دائرة الضوء من مسؤولية وسائل الإعلام, ومؤسسات المجتمع المدني , الى جانب القوى والمرجعيات الاخرى , فلا مبرر للإنتظار, بل لابد من الضغط , والتعاون كي يبدأ المجلس الوطني بمهمته عاجلا , لتفادي التاجيل , فالتمديد للعمل بقانون إدارة الدولة المؤقت الذي يعاني من الغموض و الإشكال , الذي ساهم في عدم التجسيد السلس لإستحقاقات الإنتخابات الأخيرة , وبالتالي تأخير تشكيل الحكومة لغاية هذا اليوم , فالإنغماس في ذلك , بدلا من التفرغ لكتابة مسودة الدستور, و إدارة الدولة , لتخفيف الضغوط الأمنية والمعيشية عن كاهل الشعب , وتفعيل الإعمار والبناء .

السؤال العاشر: ما هي أهم إشكاليات قانون إدارة الدولة المؤقت الذي وضع في ظل مجلس الحكم , قبل إنهاء الإحتلال رسميا , و إنتقال السيادة ؟

القانون المذكور  نفسه نص في المادة (62) منه : ( يظل هذا القانون نافذاً الى حين صدور الدستور الدائم وتشكيل الحكومة العراقية بموجبه) وعليه فهذا القانون ساري المفعول , وسيبقى نافذا, طبقا لهذه المادة خلال الفترة المحددة لكتابة الدستور , وخلال الإستفتاء , وبعد الإستفتاء , وحتى تشكيل الحكومة العراقية الجديد ة بموجب الدستور الدائم وهذا خطير , لتضمن القانون مواد تتعلق بماهية الدستور الدائم , و طريقة إقراره , مثلا المادة (60 - ج - ) تنصُّ :

( يكون الإستفتاء العام ناجحا , ومسودة الدستور مصادقا عليها , عند موافقة أكثرية الناخبين في العراق , و إذا لم يرفضها ثلثا الناخبين في ثلاث محافظات او أكثر).

أصل تعرض هذا القانون لكيفية إقرار الدستور الدائم غير صحيح , وقِسْ على ذلك ما يرتبط بالدستور الدائم ماهية , وما جاء في القانون المذكور , و تحت عنوان المرحلة ما بعد الإنتقالية في الباب التاسع منه.

هذا الى جانب الإشكال الذي يكتنف نفس القرار المقرر سلفا للدستور الدائم , ففي نفس المثال المذكور:

· المجلس الوطني المنتخب يُدون مسودة الدستور , ويقرِّ المسودةَ.

· الشعب يوافق على الدستور بأكثرية الآراء .

· فهل يُصادق على الدستور , ليتمّ إقراره ؟

الجواب : لا, ونعم: لا يُصادق عليه, فلا يُقر, إذا رفضه ثلثا الناخبيين في ثلاث محافظات, و.., و نعم يُصادق عليه إذا وافق عليه الشعب بأكثرية الآراء , ولم يرفضه ثلثا ...... اي ان آراء المجلس الوطني المنتخب , وآراء أكثرية الناخبين من الشعب العراقي (و المقيم منه في  العراق فقط! ) لا تشفع للمصادقة على مسودة الدستور الدائم, إلا إذا لم يرفض المسودة ثلثا الناخبين في ثلاث محافظات !!!

اي مَنَحَ حقَّ النقضِ لإقرار الدستور برمته , وفقط لثلثي الناخبين في محافظات ثلاث  لكن في ظلِّ نظام ديمقراطي تعددي فيدرالي , كان يمكن الإستجابة لقلق الإخوة الأكراد بإقرار أصل الفدرالية (بتحديد واضح متكامل) في القانون المذكور إذا أراد الفيدرالية ثلثا الناخبين في ثلاث محافظات مثلا , وليشمل الإخوة السنة في إطار نفس جميع الشروط المتقدمة , اي النظام الديمقراطي التعددي الفيدرالي, وبطلب ثلثي الناخبين في محافظات ثلاث , فذلك يحفظ للأقليتين المساواة و حق تقرير المصير, ويكرس التوازن, و يفسح المجال أمام الأغلبية أيضا للتعبير عن تنوعها وتعدديتها, وهذا لايخلو من الإشكال والخطر والتعقيد , لكن الهدف كان مجرد ذكر مثال , لتوضيح خطورة عدم البحث عن البديل, وإشكالية ما تمَّ إقراره, فذلك إستجاب لقلق مفهوم , وواقعي , لكن أخل بالمساواة والتوازن, وساعد للمطالبة بالمزيد , مما مهدَ لتأخير تشكيل الوزارة , وبالتالي تأخير بدء المجلس الوطني المنتخب أعماله ومهامه , وعلى رأسها تدوين الدستور الدائم, وفي نفس الوقت فتحَ ما تمَّ إقراره البابَ أمام الإخوة الأكراد, كما فتح الباب أيضا للإخوة السنة - ربما - للحيلولة دون إقرار مسودة الدستور الدائم المرتقب (إذا أراد أحدهما ذلك) ليستمر العمل بقانون إدارة الدولة المؤقت الذي يعاني من الإرباك والغموض والإشكال الذي يتمثل في عدم التحديد للمبدأ الـمُقر، أو عدم تحديد أُسس تحقيق ذلك المبدأ أو الحق، أو إنعدام أو شحة البدائل، أو لجوئه إلى الإجماع، أو حقّ النقض، أو مما يُبعِد القرارَ عن الإستحقاق الإنتخابي، وتمثيله لإرادة الشعب، إضافة إلى ما أفرزه في هذا الإتجاه نظام التمثيل النسبي، والقائمة الواحدة، لضرورات منها كون الديمقراطية فتية، والأحزاب والمؤسسات كذلك ممارسةً، لا وجوداً، وما إلى ذلك.

السؤال الحادي عشر: هلْ مِن أمثلة لكلّ إشكالية ذكرتموها خصوصاً مع إشارتكم لإحتمال تمديد العمل بقانون إدارة الدولة المؤقت الذي تطلقون عليه اسم الدستور المؤقت الدائم؟ 

سأذكر بعض الأمثلة، والقانون المذكور بحاجة إلى دراسة كاملة ومستوعبة، لأنه هناك إحتمال لإجراء بعض التعديلات عليه، وإقراره كدستور دائم، ولهذا سميته بالدستور المؤقت الدائم، والخطير هو إقراره على ثغراته، أو على ثغراته الأساسية الإستراتيجية فيما يخص واقع العراق وتاريخه إلى جانب الظروف المحلية والإقليمية والدولية المعقدة والحرجة، كأن يُقر هذا الدستور المؤقت كدستور الدائم دون معالجة جدية قانونية دستورية لإحتمال الإنقلابات العسكرية، ودور الأمن والمخابرات، نعمْ في الدستور المؤقت بعض الإشارات الإيجابية في هذا الإتجاه، لكنها غير كافية، ويُخشى على لارعاق مِن شبح الإنقلاب العسكري المبرمج المتفق عليه مثلاً للتمهيد لإنسحاب جزئي للقوة المتعددة الجنسيات، مع حفظ ماء الوجه، وورقة الإنتصار، وما إلى ذلك.

السؤال الثاني عشر: هلْ إحتمال الإنقلاب العسكري إحتمال متوقع على المدى القريب، وكيفْ؟

هناك سيناريوهات ثلاث لمستقبل العراق:.......... 

(بقية الحوار: قريباً)