نـزار حيدر:  يجب أن لا يأتي مشروع (المصالحة الوطنية) على حساب العملية السياسية

 

 

على الحكومة العراقية ان تكشف عن أسرار الارهابيين التي عثرت عليها في مخبأ زعيمهم القتيل لنتأكد من جدية محاربتها لهم

استبعد نزار حيدر، مدير مركز الاعلام العراقي في واشنطن، أن تتمكن التنظيمات الدينية السلفية، مثل حركة حماس في فلسطين، من تغيير مواقفها من قضية الشعب العراقي، الداعمة للعنف والارهاب، الذي لا زال يحصد أرواح العراقيين الأبرياء وعزا نزار حيدر، الذي كان يتحدث في برنامج (جسور) الذي تبثه مباشرة على الهواء قناة (الفيحاء) العراقية، والذي يعده  ويقدمه الاعلامي العراقي الأستاذ هاشم العقابي، عزا السبب في ذلك الى الخلفية الفكرية التي تنتمي اليها مثل هذه التنظيمات السياسية، اذ من المعروف، فان كل انسان ينطلق، في تحديد مواقفه، من خلفيته الفكرية، ولما كانت هذه التنظيمات تنتمي الى الفكر السلفي التكفيري وتتغذى بفتاوى فقهاء التكفير القابعين في المملكة العربية السعودية ودولة قطر، لذلك فان من الصعب جدا، ان لم نقل من المستحيل، أن تتمكن مثل هذه التنظيمات من أن تنزع عن نفسها وهويتها، وبالتالي عن قراراتها، ظاهرة تقديس الارهابيين والاحتفاء بالقتلة، كما حصل مؤخرا عندما احتفت حركتا حماس الفلسطينية والاخوان المسلمين في الاردن، بمقتل كبير السفاحين والقتلة المجرمين في العراق.

وأضاف نزار حيدر يقول؛ اذا أردنا أن نتصور أي تغيير في مواقف مثل هذه التنظيمات السلفية، يلزم عليها، أولا، أن تغير مرجعيتها الدينية، من السعودية وقطر الى مصر الأزهر مثلا، المعروف عن علمائها وفقهائها الانفتاح والتحرر من الفكر المتعصب، والاعتراف بالآخر، وكلنا يعرف بأن الأزهر الشريف في القاهرة يدرس الفقه الشيعي الاثنى عشري، ويكفي ذلك دليل على الانفتاح الذي يتميز به علماء وفقهاء المسلمين في مصر الكنانة، وهي التي احتضنت جل حركات وقادة التنوير الديني طوال القرنين الأخيرين، كما أنها احتضنت مدارس الحوار والتقريب بين المذاهب، أما في السعودية ومصر فان (العلماء والفقهاء) هناك ليس فقط يمنعون تدريس الفكر الشيعي، وانما يكفرون الشيعة ويستبيحون دماءهم ويتهمونهم بشتى النعوت التي تخرجهم عن ملة الدين ، فهم يعتبرونهم أعداء يجب محاربتهم وقتالهم، وان دماءهم وأموالهم وأعراضهم حلال على (المسلم) ولذلك يجب أن لا يأخذنا العجب أو نستغرب عندما تمجد (حماس) كبير القتلة والمجرمين الذي قتل مؤخرا في العراق، لأنها وأمثالها تعتبره (مجاهدا) قاتل الكفار واستحل دماء غير المسلمين (وهم الشيعة في هذه الحالة) عملا بفتاوي العلماء والفقهاء.

ان من يرضع فكرا تكفيريا من ثدي أمثال هؤلاء الفقهاء، كحركة حماس ومثيلاتها، لا ننتظر منها سوى التمجيد بالارهابيين والقتلة، انطلاقا من رؤيتهم الطائفية البعيدة كل البعد عن الاسلام وتعاليمه السمحاء.

وأضاف نـزار حيدر يقول؛ كيف يمكن لحماس وأخواتها أن تغير مواقفها الداعمة للارهاب في العراق، وهي التي تتغذى على فتاوى فقهاء التكفير القابعين في السعودية وقطر؟ وكيف لها أن تخرج عن خط التكفير الذي يدعم العنف والارهاب في العراق، وهي التي تتلقى الدعم (الديني) والمالي الضخم من السعودية وقطر، اللتان تدعمان الارهاب في العراق بالفتاوى الدينية الطائفية والمال الحرام والموقف السياسي والاعلامي الحاقد؟.

واستشهد نزار حيدر بالكلام الذي تحدث به أحد فقهاء التكفير في السعودية المدعو (عبد الرحمن البراك) صاحب الفتوى التي تجيز جهاد (الشيعة) وقتلهم، وبحضور خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس وعدد من قادتها، والذين كانوا مدعوين في منزل المدعو الشيخ (ناصر العمر) وهو أحد شيوخ التكفير المتطرفين، في العاصمة السعودية الرياض قبل أقل من ثلاثة أشهر، والذي كفر فيه الشيعة ودعا الى مقاتلتهم وعدم الانخداع بهم، على حد قوله، فبادر مشعل ورفاقه الى تقبيل يد ورأس المتحدث، بعد أن أثنوا

عليه وعلى كلامه قائلين له ومخاطبين الجمع الحاضر(معك حق ياشيخنا في كل كلامك) قائلا؛ هل يمكن أن ننتظر ممن يتعبد بفتاوى فقهاء التكفير، ويقبل يد ورأس من يدعو الى قتل الشيعة، بعد تكفيرهم، عوضا عن توبيخه واستهجان كلامه، أن يستنكر عمليات القتل والذبح التي يمارسها الارهابيون في العراق تحت مسمى الجهاد؟

من جانب آخر، اعتبر نزار حيدر ان أي خطوة تتخذها الحكومة العراقية تحت مسمى (المصالحة الوطنية) تنتقص من العملية السياسية التي بناها العراقيون بدمائهم ودموعهم وتضحياتهم، تعد خيانة بحق الشعب وأضاف نزار حيدر الذي كان يتحدث في برنامج حواري؛ أية مصالحة هذه التي تتحدث عنها الحكومة العراقية، في الوقت الذي لا زالت فيه دماء العراقيين تجري أنهارا على يد الارهابيين والتكفيريين وأيتام النظام والمسلحين القتلة؟.

لماذا يجب على الشعب العراقي أن يقدم التنازلات للمسلحين، من دون أن يقدم المسلحون أي تنازل للعراقيين، فيبادروا فورا الى الاعلان عن وقف عملياتهم المسلحة في العراق بانتظار نتائج (المصالحة) مثلا، أو أن يعلنوا، وبصراحة، عن تأييدهم للعملية السياسية الجارية في العراق، قبل البدء بالمصالحة المزعومة، أو أن يعلنوا تأييدهم لنتائج الانتخابات وما أفرزتها صناديق الاقتراع من مؤسسات دستورية جديدة، أو أن يبادروا الى التنديد بالارهاب واستنكار جرائم الارهابيين بحق العراقيين، ليتأكد العراقيون بأن المعني بالمصالحة المزعومة يختلف، بالفعل، عن الارهابيين؟

الى الآن لم يسمع العراقيون أي شئ من هذا القبيل، كما أنهم لم يتعرفوا على هوية أي مسلح يقول مشروع الحكومة للمصالحة المزعومة، أنهم المعنيون فقط بها من بين كل المسلحين الآخرين، من الارهابيين والصداميين؟ ليأكد العراقيون بأن المعنيين لم يتورطوا بالفعل بدم العراقيين الابرياء كما انتقد نزار حيدر أن يتحول موضوع السجناء في العراق، سواء المعتقلين في سجون الحكومة أو في سجون القوات متعددة الجنسيات، الى مادة للمقايضة السياسية، قائلا؛ ان اطلاق سراح أي سجين من قبل الحكومة العراقية، يعد خرقا واضحا للدستور، لأنه يعني تدخل القوة التنفيذية بشؤون القوة القضائية، وهذا خطأ لا يجوز السكوت عنه أبدا، وهو خرق فاضح للدستور الذي ينص على الفصل بين السلطات الثلاث، خاصة القضاء، الذي أكد الدستور على أن يكون مستقلا عن أي تاثير ومن قبل أي كان، بما فيهم الحكومة.

يجب أن يكون اعتقال أو اطلاق سراح أي سجين في العراق بمذكرات قانونية يصدرها القضاء حصرا، أما أن تعتقل الحكومة أو المتعددة الجنسية أو تطلق سراح الناس من دون مذكرات قضائية ومتى ماشاءت وأحبت ذلك، فان ذلك يعتبر انتهاكا صارخا لحقوق الانسان وللدستور على حد سواء.

ثم، اذا كان هؤلاء المعتقلون الذين يجري اطلاق سراحهم حاليا، أبرياء وغير مذنبين، فيجب أن تحاسب الجهة التي اعتقلتهم كل هذه المدة الزمنية من دون مسوغ قانوني، فاطلاق سراحهم ليس منة من قبل الحكومة لتأتي في اطار مشروع ما يسمى بالمصالحة الوطنية، أما اذا كانوا قتلة ومجرمين ومتورطين بجرائم يحاسب عليها القانون، فكيف تسمح الحكومة لنفسها بأن تطلق سراحهم في اطار مشروع المصالحة؟ فأية مصالحة هذه التي تقوم على أساس اطلاق سراح المجرمين لترضية هذا المسلح أو تلك الجهة، وعلى حساب الحق العام والقانون؟.

ان من الجريمة بمكان أن تأتي مثل هذه المشاريع على حساب العملية السياسية الجديدة الجارية في العراق، وان الحكومة العراقية ستتحمل كامل المسؤولية اذا تحول هذا المشروع الى سبب يضاف الى بقية الأسباب التي تهيئ للحرب الأهلية بين العراقيين، خاصة اذا ما ثبت مع الأيام بأن من بين من يطلق سراحهم اليوم، عدد كبير من القتلة والارهابيين وأيتام النظام البائد، من الذين سيعودون الى جماعاتهم ويلتحقون بمجموعات العنف والارهاب، ليمارسوا الارهاب والتدمير من جديد، أو على الأقل سيدفع اطلاق سراحهم، ضحاياهم الى الانتقام منهم بعد أن يشعروا بأن الحكومة تتاجر بآلامهم، وهي عاجزة عن الاقتصاص منهم بالطرق القانونية.

أخشى أن يكتب التاريخ، بأن هذه الحكومة، وهي أول حكومة عراقية دستورية منتخبة، دمرت العملية السياسية، تحت مسمى المصالحة الوطنية، والتي أتوجس منها خيفة ويراودني الشك فيها وعلق نزار حيدر على مشروع المصالحة الذي قدمته اليوم الحكومة العراقية الى مجلس النواب لمناقشته والموافقة عليه، قائلا؛ يخطئ من يتصور بأن من الممكن تحقيق المصالحة الوطنية في العراق بمثل هذه العبارات والمواد المصفوفة والنقاط المرصوصة التي تشبه الى حد بعيد كلام الببغاء، انها مجرد مبادئ مكررة سمعناها وقرأناها عشرات المرات في مشاريع الحكومات التي تعاقبت على الحكم في بغداد منذ سقوط الصنم، فما الذي تغير من الواقع الدموي الذي يعيشه العراقيون؟.

حتى الدستور العراقي، أضاف نــزار حيدر، احتوى على جل المواد والنقاط التي وردت في وثيقة المشروع المطروح للنقاش، فما هي الاجراءات اللازمة والضرورية التي اتخذتها الحكومة العراقية لحد الآن لتطبيقها وتنفيذها على أرض الواقع، للحد من ظاهرة العنف والارهاب؟.

وأضاف نزار حيدر يقول؛ طيب، سنقبل بالجمل الانشائية التي ملآتها الوثيقة هذه المرة كذلك، ولنعتبرها آخر فرصة يمنحها العراقيون لزعمائهم وقادتهم، لنرى من ثم ما الذي سيتغير على أرض الواقع، متمنيا أن يتحمل من يقف وراء هذه الوثيقة، المسؤولية كاملة، وأن لا يسعى للتهرب منها عندما يتبين للعراقيين أنها وثيقة خطأ قدمت في الوقت الخطأ؟.

من جانب آخر، قال نزار حيدر، ان على الولايات المتحدة الأميركية والحكومة العراقية، اذا أرادتا أن تثبتا للعراقيين بأنهما جادتين في محاربة الارهاب في العراق، أن يكشفا عن كل الأسرار والخفايا التي تم العثور عليها في المخبأ الذي قتل فيه كبير القتلة والمجرمين.

وأضاف نزار حيدر متحدثا الى قناة (العراقية) الفضائية؛ ان على الحكومة العراقية أن تكشف المستور عن كل ما يخص الارهاب في العراق، فالتستر على اسرار الارهاب والارهابيين، بمثابة ممارسة الارهاب ذاته، فالمتستر شريك الارهابي في جرائمه، ولذلك يجب على الحكومة العراقية أن تميط اللثام عن الأسرار التي قالت انها عثرت عليها في مخبأ زعيم الارهابيين، ليعرف العراقيون من هي الدول التي تدعم الارهابيين في العراق، ومن هي أجهزة المخابرات الاقليمية والدولية التي تدعمهم بالمعلومات، وما هي الجهات التي تدعمهم بالمال الحرام ليقتلوا به الابرياء، ومن هم فقهاء العنف والتكفير الذين يمدونهم بفتاوى القتل ويحللوا لهم دماء العراقيين تحت مسميات عديدة، وما هي الأسر الحاكمة في المنطقة التي تحرض على القتل والتدمير في العراق، وأسماء وسائل الاعلام التي تحرض على العنف والارهاب، ولماذا، وما هي الحواضن المحلية التي تتستر على الارهابيين، ومن هي الزعامات السياسية والدينية التي تهئ للارهابيين المظلة السياسية والدينية التي يحتاجونها؟.

يجب أن تذهب الحكومة بالتحقيق الى نهايته، فلا تتوقف أو تتلكأ اذا ما اصطدم في طريقه باسم معين أو بجهة ما فلماذا يغلق ملف التحقيق بمثل هذه الحالات، عندما يرد اسم هيئة علماء السنة مثلا، وتسجل الجريمة ضد مجهول؟ ولماذا تصدر الأوامر من الجهات العليا عندما يتم العثور على اسم أحد الزعماء السياسيين ممن التحقوا بالعملية السياسية مؤخرا، ويباع حق الضحية بحفنة من المال أو يقايض بسكوت هذا أو اغلاق ملف ذاك؟

أما اذا خافت الحكومة العراقية من كشف كل ذلك، سواء بسبب التهديد من قبل من سيتضرر بنشر مثل هذه المعلومات، أو بسبب الضغط الذي قد يمارسه الأميركيون عليها، بحجة أنهم لا يريدون اغضاب اصدقائهم في المنطقة، أو أنها معلومات يمكن المساومة عليها مع أصحاب الشأن، فعلى الحكومة العراقية في هذه الحالة أن تعلن للعراقيين عن الحقيقة، والا فستكون شريكة في كل قطرة دم تراق من عراقي على أرض العراق الطاهرة.على الحكومة العراقية أن تتعامل بشفافية مع ملفات الأمن، لتضع كل المتورطين في مواجهة مع العراقيين، فتلك هي احدى أكثر وسائل الضغط فاعلية للجم الارهاب.