حوار مع السفير روبيرت أينهورن  كبير المستشارين في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية حول الملف النووي الإيراني

 

 

السفير أينهورن: يتعين على إيران وضع حد لسلسة الأخطاء التاريخية

عادت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس مرة أخرى لتفاجئ المراقبين السياسيين بتحول جديد في السياسة الخارجية الأمريكية لتعلن استعداد الولايات المتحدة المشاركة في محادثات مباشرة مع إيران شريطة تجميد طهران أنشطة تخصيب اليوارنيوم بشكل موثوق يتم التأكد منه. وهو ما يعتبر طفرة نوعية في سياسة واشنطن تجاه الجمهورية الإسلامية التي اعتمدت مبدأ المقاطعة الكاملة منذ عام 1979. وقالت رايس إن إعلان واشنطن استعدادها الانضمام إلى المفاوضات المتعددة الأطراف مع إيران يعتبر مؤشرا على رغبتها في إتباع المسار الدبلوماسي ولتأكيد التزامها بالتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة النووية وتعزيز آفاق النجاح. وقالت إن الخيار الإيجابي والبناء أمام إيران الآن هو أن يغير النظام الحاكم المسار الذي يسلكه حاليا وأن يتعاون لحل القضية النووية بدءا بتجميد جميع أنشطة تخصيب اليورانيوم بشكل فوري بالإضافة إلى التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وللإطلاع على خلفية هذا الإعلان أجرى تقرير واشنطن لقاء مع السفير روبيرت أينهورن Robert Einhorn  كبير المستشارين في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية  Center for Strategic and International Studies سبق  للسفير أينهورن أن تولى منصب مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشئون منع انتشار الأسلحة بين عامي 1999 و2001 وقبل ذلك كان يتولى منصب نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشئون منع التسلح بين عامي 1992 و1999.

- سؤال :

دعني أبدأ الحوار بالسؤال عن تقييمك لإعلان الولايات المتحدة استعدادها لإجراء مباحثات مباشرة مع إيران شريطة تجميد طهران أنشطة تخصيب اليورانيوم؟

- السفير إينهورن:

أعتقد أن الحكومة الأمريكية قامت خلال الفترة الأخيرة بالتفكير مليّا حول كيفية التعامل مع هذه القضية، وقررت في نهاية المطاف الأخذ بنصيحة أصدقائها الأوروبيين وعدد من أهم المسئولين الأمريكيين السابقين لكي تكون على استعداد للدخول في حوار مع إيران. وأعتقد أن الحكومة الأمريكية تؤمن بأنه ليس أمام المجتمع الدولي فسحة زمنية لا نهاية لها لحل هذه المشكلة، لذا تأمل حكومة الرئيس بوش منح إيران خيارا واضحا وعدم السماح بإضاعة الوقت، وأعتقد أن صبر حكومة الرئيس بدأ ينفذ.

- سؤال :

الشرط الذي حددته واشنطن لإجراء حوار مباشر مع طهران هو تجميد الأخيرة لتخصيب اليورانيوم، والهدف الأصلي من المفاوضات التي تجريها الدول الأوروبية الثلاث التي تقول الولايات المتحدة إنها قد تنضم إليها هو إقناع طهران بوقف تخصيب اليورانيوم. والسؤال هنا هو إذا وفقت إيران على تجميد تلك الأنشطة مسبقا فما الذي سيتم التفاوض بشأنه خلال المباحثات المباشرة؟

- السفير إينهورن:

من المهم في بداية الأمر أن يدرك المرء أن عودة إيران للعمل بقرار تجميد أنشطتها للتخصيب ليست مجرد شرط أو مطلب للولايات المتحدة بل هو مطلب للمجتمع الدولي. فمجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية سبق وأن أصدر عددا من القرارات التي تدعو إيران إلى وقف أنشطة تخصيب اليورانيوم بشكل فوري، كما أن مجلس الأمن الدولي دعا إيران في بيان رئاسي إلى القيام أيضا بشكل فوري بتجميد أنشطة التخصيب، فهذا ليس شرطا أمريكيا بل إنه مطلب للمجتمع الدولي كما أشار إلى ذلك مجلس محافظي الوكالة الدولية والطاقة الذرية ومجلس الأمن الدولي ولنفترض أن إيران ستكون على استعداد للقيام مرة أخرى بوقف أنشطتها لتخصيب اليورانيوم فإنها ستقوم بذلك بكل تأكيد، في حال قررت القيام بذلك فعلا، فإنها لن تتخذ قرار التجميد على أساس أنه سيكون دائما وغير محصور وإنني متأكد أن طهران ستقوم بذلك لكي تسمح بإجراء المفاوضات ولمنح فرصة لتلك المفاوضات. وأعتقد أنه يجب أن ندرك أنها إذا كانت مستعدة لتجميد أنشطة التخصيب مرة أخرى فإن ذلك سيكون من دون أحكام مسبقة ومجحفة بالنسبة للحل المحتمل للأزمة. وبعبارة أخرى سيبقى السؤال مفتوحا حول ما إذا كانت إيران ستستطيع في المستقبل العودة لاستئناف أنشطة التخصيب وتحت أي ظروف. غير أنني أعتقد أن الحكومة الأمريكية تعتقد أن قيام أحد الشركاء في المفاوضات بتقويض النتائج النهائية من خلال مواصلة أنشطة التخصيب سيؤدي إلى خلق مناخ غير لائق للمفاوضات، وهذا ليس موقف الولايات المتحدة لوحدها.

- سؤال :

هل تعتقد أن هناك علاقة بين التغير في الموقف الأمريكي بالرسالة التي وجهها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد للرئيس بوش؟

- السفير إينهورن:

أعتقد أن هناك علاقة بينهما على الأرجح. فقد نظرت واشنطن والغرب إلى الرسالة على أنها غير معهودة للغاية، غير أنه تم التعامل معها على أنها محاولة للتواصل والتعامل بشكل من الأشكال، وأعتقد أن طريقة رد حكومة الرئيس بوش يشير إلى أنها كانت بحاجة إلى الرد على الرسالة حيث كان من الممكن ترك المجال واسعا وبكامله أمام الحكومة الإيرانية لتستغله لصالحها، وأصبح يتعين على الحكومة الأمريكية أن تسعى بدورها لمحاولة التواصل.

- سؤال :

البعض ينظر إلى العرض الأمريكي المشروط على أنه مهلة نهائية لإيران، وأنه محاولة لوضع الكرة في ملعب الجمهورية الإسلامية خاصة وأن الولايات المتحدة تعلم جيدا أن طهران لن تتخلى عن أنشطتها النووية، وأن الأمر كله هو تكتيك دبلوماسي.

- السفير إينهورن:

كيف يمكن للولايات المتحدة أن تعلم أن إيران لن تستجيب لهذا المطلب؟ من الأكيد أنه في أي مفاوضات من هذا الشكل يتخذ المتفاوضون عادة مواقف صارمة وقوية يمكن في نهاية المطاف أن يتخلوا عنها إذا تبين لهم أن التخلي عن تلك المواقف سيخدم مصلحتهم الوطنية بشكل عام. وهذا هو المسار الذي تتم من خلاله المفاوضات، ولهذا أعتقد أنه من غير الممكن القول إن حكومة الرئيس بوش كانت تعلم مسبقا بأن هذا المطلب سيلقى رفضا من إيران.

- سؤال :

لكن الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد أكد خلال سلسلة خطابات ألقاها الشهر الماضي بأن قرار استئناف تخصيب اليروانيوم لا رجعة فيه، حتى أنه رفض المطلب ذاته الذي قدمته الدول الأوروبية لتجميد أنشطة التخصيب وسخر منه وقال إنه لا يمكن مطالبة إيران بمقايضة الذهب بالحلوى والجوز.

- السفير أينهورن:

لا أعتقد أن المقابل المعروض أمام إيران للتخلي عن أنشطة التخصيب هو الحلوى والجوز، وأعتقد أن مسار التعامل المباشر والانخراط مهم للغاية، وفي الوقت الذي يمكن أن يكون فيه نطاق الانخراط محدودا في بداية الأمر، من الممكن أن يتوسع مع مرور الوقت. وبالتالي لا يجب النظر إلى المسألة على أنها حلوى وجوز.

- سؤال :

ما قصدته في سؤالي السابق هو الشرط المطروح وليس مضمون العرض بذاته، فقد قلتَ في جوابك المنصرم أنه كيف يمكن لحكومة الرئيس بوش أن تعلم أن إيران سترفض الشرط...

- السفير إينهورن:

حسنا، دعني أتحول إلى الجانب الآخر من هذه القضية، لأقول كيف يمكن لإيران أن تعلم أن حكومة الرئيس بوش ستتراجع عن مواقفها السابقة والجلوس على الطاولة لإجراء اتصالات مباشرة مع إيران؟

فقبل شهرين، بل قبل شهر واحد فقط كانت حكومة الرئيس بوش تدلي بتصريحات قوية وصارمة بشان إيران تؤكد فيها أنها غير مستعدة للجلوس والتباحث بشكل مباشر مع إيران، والآن قامت بالعدول عن ذلك الموقف. فكيف كان بمقدور إيران أن تعلم ذلك مسبقا؟

ما أود قوله هو أنه خلال المفاوضات تقوم الدول بتقييم المقترحات المعروضة عليها بناء على مصالحها الشاملة. وحكومة الرئيس بوش قررت تغيير موقفها من خلال الأخذ بعين الاعتبار مصالحها الشاملة، ومن المحتمل أن تكون حكومة الرئيس بوش قد أدركت أن حكومة أحمدي نجاد ستغير موقفها بشأن تجميد أنشطة التخصيب لخدمة مصالحها الشاملة. وأعتقد أن هذا هو الإطار الذي يجب أن يُنظر من خلاله للمسألة. ويجب التذكير أن الأمر ليس مهلة أمريكية بل إنه طلب تقدم به مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومجلس الأمن الدولي.

- سؤال :

ألم تخشى واشنطن أن يستخدم الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد العرض الأمريكي ليقول للشعب الإيراني والمؤسسة الدينية في طهران إن التصريحات النارية والمواقف المتصلبة تؤتي أكلها وأنها هي الوسيلة الناجعة للتعامل مع الولايات المتحدة ؟

السفير أينهورن:

أعتقد وبكل تأكيد أن بعض المتشددين في حكومة الرئيس بوش عارضوا هذه المبادرة على أساس أن الموافقة على الجلوس على الطاولة والتباحث مباشرة مع الإيرانيين سيكون إشارة ضعف من قبل الولايات المتحدة ولن يسفر سوى عن إضفاء المصداقية على التكتيكات المتشددة التي تتبعها حكومة أحمدي نجاد. واعتقد أنه كانت هناك مناقشات معارضة للقيام بذلك. غير أنني أعتقد أن الرئيس بوش والوزيرة رايس والمستشارين الآخرين توصلوا إلى النتيجة الصحيحة وهي أنه يجب أن نتعامل بشكل مباشر مع إيران.

- سؤال :

سبق للحكومة الإيرانية إبان عهد الرئيس السابق محمد خاتمي أن قدمت عرضا شاملا للولايات المتحدة في خريف العام 2003 ينص على استعداد طهران التفاوض مع واشنطن بشأن البرنامج النووي والوضع في العراق وعلاقة إيران بالفصائل الفلسطينية واللبنانية المسلحة التي تعتبرها الولايات المتحدة منظمات إرهابية، غير أن الولايات المتحدة رفضت. وهو الأمر الذي يدعو البعض للاعتقاد بأن العرض الأمريكي جاء متأخرا.

السفير أينهورن:

حسب اعتقادي ارتكبت حكومة الرئيس بوش خطأ من خلال رفضها للمقترح الإيراني في عام 2003. لا أعلم خلفية المقترح ولا أعلم ما إذا كان من الممكن إجراء مباحثات بناءة في ذلك الحين أم لا، لكنني أعتقد أنه كان من الخطأ عدم محاولة القيام بذلك. وأنا أشيد بحكومة الرئيس بوش لتغيير موقفها اليوم بشأن الانخراط المباشر مع إيران وآمل أن تجد إيران فوائد ملحوظة في ذلك، وأن تدخل مسار الانخراط المباشر، فمن يعلم ما قد يسفر عنه ذلك؟ غير أنني أعتقد أنه في حال رفضت إيران هذا العرض، وبعبارة أخرى إذا قررت أنها لا تستطيع تجميد أنشطة التخصيب ولو بشكل مؤقت فإن ذلك سيكون خطأ كبيرا، أي خطأ آخر يمكن وصفه بالخطأ التاريخي، فالطرفان يواصلان بشكل متناوب ارتكاب تلك الأخطاء التاريخية. 

- سؤال :

سؤالي الأخير يتعلق بالتحول الذي تشهده السياسة الخارجية الأمريكية بشكل عام. كيف تفسر هذا التحول على ضوء قرار العدول عن المواقف السابقة والاستعداد للتباحث مباشرة مع إيران، والقرار الأخير الخاص بليبيا وشطب اسمها من قائمة الدول الراعية للإرهاب وربط علاقات دبلوماسية كاملة مع حكومة طرابلس؟

السفير أينهورن:

حسنا، هناك بطبيعة الحال العديد من الاختلافات بين القضيتين الليبية والإيرانية، وأعتقد أن الإيرانيين سيكونون أول من يشير إلى تلك الاختلافات العديدة. ففي القضية الليبية لم تكن الولايات المتحدة تطلب تغيير النظام الحاكم بل كانت تدعو الحكومة الليبية إلى تغيير تصرفاتها فيما يتعلق بالإرهاب وأسلحة الدمار الشامل ومسائل أخرى وأعتقد أن المنهج الذي تتبعه حكومة الرئيس بوش بالنسبة لإيران آخذ في التطور نحو أهداف مشابهة لمنهجها نحو ليبيا. فخلال العديد من اللقاءات الصحفية التي أجريت مع الوزيرة رايس كان أحد الأسئلة التي طُرحت عدة مرات هو هل أن سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران هي تغيير النظام الحاكم في طهران؟ فالوزيرة رايس لم تؤكد بأن السياسة هي تغيير النظام الحاكم، بل إن ما قالته بدلا من ذلك هو أن الولايات المتحدة تسعى لتغيير تصرفات النظام الإيراني في عدد من المجالات بما في ذلك القضية النووية. لقد أتيحت للوزيرة رايس فرصا عديدة خلال تلك اللقاءات الصحفية لكي تؤكد أن الولايات المتحدة تؤيد تغيير النظام الحاكم في إيران غير أنها لم تفعل ذلك. وهو الأمر الذي يشير إلى التحول في المنهج الذي تتبعه حكومة بوش في تعاملها مع إيران.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: تقرير واشنطن-4-6-2006