السفير ماك:  ليبيا تحولت من كونها هدفا محتملا إلى دولة مارقة إلى دولة متعاونة دوليا

 

 

في خطوة مفاجئة أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية تغيير طبيعة علاقاتها مع ليبيا وقالت إن تلك العلاقات ستدخل مرحلة جديدة.  فبعد القطيعة التي استمرت على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية، قررت واشنطن شطب اسم ليبيا من قائمتها السنوية للدول الراعية للإرهاب وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة معها من خلال تبادل السفراء. وهكذا وبعد مرور أكثر من عقدين من المقاطعة الكاملة والحصار الاقتصادي وتجميد الحسابات المصرفية الليبية في الخارج يخرج مساعد وزيرة الخارجية الأميركية ديفيد ويلش ليقول إن ليبيا أصبحت نموذجا يجب أن تحتذي به دول أخرى مثل إيران وكوريا الشمالية فيما يتعلق ببرامج أسلحة الدمار الشامل.

وقالت وزيرة الخارجية كونداليزا رايس إن ذلك بمثابة إقرار من الحكومة الأمريكية بما وصفته القرارات التاريخية التي اتخذتها القيادة الليبية بنبذ الإرهاب والتعاون بشكل جيد مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي في التصدي للتهديدات الدولية المشتركة التي يواجهها العالم المتحضر خلال مرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر غير أن العديد من المراقبين يعتبرون أن تغير موقف واشنطن من النظام الليبي يعتبر بمثابة إعلان ضمني من طرف حكومة الرئيس بوش بالتخلي عن أجندة الإصلاح والديمقراطية في الشرق الأوسط، وذلك في إشارة إلى سجل ليبيا في مجال حقوق الإنسان ولتقييم مدى أهمية هذا التغير في طبيعة العلاقات الأمريكية الليبية أجرى تقرير واشنطن لقاء مع السفير ديفيد ماك David Mack  نائب رئيس معهد الشرق الأوسط the Middle East Institute في واشنطن. سبق للسفير ماك أن تولى منصب نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشئون الشرق الأدنى بين عامي 1989 و1993 في حكومة الرئيس بوش الأب. كما أنه كان يتولى منصب ملحق سياسي في السفارة الأميركية في ليبيا خلال الثورة الليبية التي تزعمها العقيد معمر القذافي عام 1969وهذا نص الحوار:

تقرير واشنطن :

أعلنت الخارجية الأمريكية شطب اسم ليبيا من قائمة الدول الراعية للإرهاب والعمل على تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وطرابلس من خلال تبادل السفارات. ما مدى أهمية هذا الإعلان؟

السفير ماك :

أعتقد أنه انتصار إستراتيجي مهم للغاية بالنسبة لكل من الولايات المتحدة وليبيا. الولايات المتحدة كانت بحاجة إلى مثال تستطيع أن تشير إليه خلال تعاملها مع بعض الدول مثل إيران وسوريا والدول الأخرى التي يمكن أن تفكر في الحصول بشكل سري على أسلحة الدمار الشامل، حول الكيفية التي يمكنهم من خلالها التعاون مع الولايات المتحدة. لأن الولايات المتحدة أظهرت في السابق مثالا سلبيا فقط وهو العراق وأفغانستان حول نتيجة عدم التعاون مع الولايات المتحدة في الحرب على الإرهاب ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل. أما الآن فقد أظهرت واشنطن مثالا إيجابيا حول نتيجة تغيير الدول لمواقفها من موقع الخصم إلى موقع الدول المتعاونة.

تقرير واشنطن :

تعني الإشارة إلى العصا والجزرة في التعامل مع الدول الأخرى؟

السفير ماك :

بالفعل، فالأمر مهم من الناحية الإستراتيجية أيضا بالنسبة لليبيا لأنها تحولت من كونها هدفا محتملا إلى دولة مارقة إلى دولة مندمجة بشكل كامل في المجتمع الدولي، كما أنه مهم بالنسبة لصناعة النفط الليبية التي كان يتعين عليها أن تتطور بشكل كبير أكثر مما هو الحال عليه الآن.

تقرير واشنطن :

كيف تفسر توقيت هذا الإعلان، فصحيفة واشنطن بوست قالت إن تطبيع العلاقات الأمريكية الليبية هي زواج مصلحة طبيعي بين حكومة أمريكية بحاجة ملحة إلى النفط وأنظمة صديقة في الشرق الأوسط وبين حكومة ليبية بحاجة إلى فتح اقتصادها على العالم؟

السفير ماك :

أعتقد أن صحيفة واشنطن بوست مخطئة في هذه القضية وأنا لا أتفق مع هذا الطرح. وأعتقد أن الناس لاحظوا أهمية الدافع الإستراتيجي والاقتصادي لتعزيز العلاقات الأمريكية الليبية منذ حوالي عام على الأقل، غير أنه كانت هناك عوائق ذات طبيعة سياسية أكثر من أي شيء آخر من جانب الولايات المتحدة، وفي نهاية المطاف وافقت واشنطن على أنها قد انتظرت ما يكفي من الوقت للإعلان عن ذلك.

تقرير واشنطن :

بعض المنتقدين يشككون في توقيت هذا الإعلان ويقولون إن حكومة الرئيس بوش بحاجة إلى إنجاز على صعيد السياسة الخارجية يمكن وصفه بالاختراق ...؟

السفير ماك :

إن حكومة الرئيس بوش كانت بحاجة إلى اختراق على صعيد السياسة الخارجية منذ سنوات عدة. وبصراحة أعتقد أنه من المؤسف أن المسئولين الأمريكيين انتظروا طيلة هذا الوقت، حيث خسروا بعض الزخم ووجهوا رسائل خاطئة لدول مثل إيران التي احتذت بمثال كوريا الشمالية والهند، أي الدول التي استخدمت وسائل سرية للحصول على الأسلحة النووية ونتيجة لذلك حصلت على تعامل تفضيلي، فتلك رسالة خاطئة وليست المثال الإيجابي الذي يجب الإشارة إليه.

تقرير واشنطن :

يشير البعض إلى أن حكومة الرئيس قامت بهذا الإعلان  لأنها بحاجة إلى أخبار إيجابية تنشرها وسائل الإعلام عن إنجازات واشنطن على صعيد السياسة الخارجية لصرف الانتباه عن الإخفاقات فيما يتعلق بملف إيران النووي والوضع في العراق وتولي حركة حماس الحكومة الفلسطينية بالإضافة إلى صعود نجم الحكومات ذات التوجه اليساري في أمريكا اللاتينية.  كما يشير البعض إلى تطبيع العلاقات مع حكومة طرابلس على أنه بمثابة إعلان رسمي من حكومة الرئيس عن تخليها عن مبادرة نشر وتعزيز الديمقراطية في الشرق الأوسط إذا ما أخذنا بعين الاعتبار سجل ليبيا في مجال حقوق الإنسان؟

السفير ماك :

حسنا، أعتقد أنه يتعين على الناس ألا يعيروا اهتماما كبيرا لما يصرح به الرئيس بوش وأن يعيروا اهتماما أكبر بما نقوم به على أرض الواقع. وأعني أن الأمر الواقع هو أن لدينا أولويات أخرى غير الديمقراطية حينما يتعلق الأمر بالدول التي لها أهمية إستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة، وعندما أقول ذلك فأنا لا أعني أن الديمقراطية ليست مطروحة على الأجندة، لأنه على الرغم من أن لدينا علاقات إستراتيجية وسياسية جيدة ومهمة للغاية مع مصر إلا أننا نواصل الضغط والتطرق لوضع الديمقراطية وحقوق الإنسان في مصر. ويتعين على الناس ألا يضخموا درجة أهمية هذه القضية في الدبلوماسية الأمريكية. وإنني أدرك أن الخطاب الذي ألقاه الرئيس بوش لدى أدائه اليمين الدستورية لتولي فترة رئاسية ثانية يمكن أن يكون قد أعطى ذلك الانطباع، وذلك لأن الرئيس بوش لا يدرك ما يقوله كما أنه لا يتصرف على أساس ما يقوله.

تقرير واشنطن :

كيف ذلك، هل يمكن أن توضح؟

السفير ماك :

حسنا، أنا لا أتفق مع وزيرة الخارجية كونداليزا رايس فيما يتعلق بالتركيز على الديمقراطية، فهذا الرئيس (بوش) لا يقول ما يعنيه ولا ينفذ ما يقوله.

دعني أسألك قبل أن نواصل اللقاء: هل ستقوم بنشر تصريحاتي هذه بكاملها أم أن الأمر مجرد مضيعة للوقت؟

تقرير واشنطن: بطبيعة الحال سننشر تصريحاتك كاملة ويمكنني أن أرسل إليك نسخة من المقال الذي سينشر على موقع تقرير واشنطن.

السفير ماك : هذا أمر جيد وأنا أتطلع لرؤية ذلك.

تقرير واشنطن :

كما يمكنني أن أخبرك عن موعد نشر اللقاء، إن ما نقوم به هنا هو عرض جميع الآراء في واشنطن بغض النظر عن اختلافها وكذلك لإظهار أن هناك أصوات متعددة داخل الولايات المتحدة؟

السفير ماك :

حسنا، ما أود قوله هو أن هذا هو الفرق بين الرئيس بوش ووالده. فبوش الأب لم يقل الكثير لكنه كان يطبق ما كان يصرح به، بخلاف الرئيس الحالي الذي يقدم دائما وعودا كبيرة غير أنه لا ينفذ حتى نصف ما يتعهد بالقيام به.

تقرير واشنطن :

لكنه ينفذ ما تعهد به فيما يتعلق بإيران، حيث انه أعلن منذ البداية أنه لا يريد التعامل مع النظام الحاكم في طهران، وبالفعل ما زال حتى اليوم يرفض التعامل معه على الرغم من الجهود الإيرانية والرسالة التي بعث بها الرئيس احمدي نجاد مثلا.

السفير ماك :

أعتقد أنك من خلال هذا الطرح ربما قمت بتبسيط الأمور أكثر من اللازم، لأن الرئيس بوش قام بالترخيص لسفيري الولايات المتحدة في كل من بغداد وكابول للتباحث مع نظرائهما الإيرانيين حول القضايا التي تتعلق بالعراق وإيران فيما يتعلق بالسفير في العراق، والقضايا المتعلقة بالعراق وأفغانستان فيما يتعلق بالسفير لدى أفغانستان. كما أنني أعتقد أنه من المحتمل أن نقوم خلال مرحلة ما بالانضمام إلى حلفائنا الأوروبيين لإجراء مباحثات مباشرة مع إيران حول نطاق واسع من القضايا.

تقرير واشنطن :

صرح مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية نيكولاس بيرنز بأن الانفتاح على ليبيا يمكن أن يكون نموذجا تحتذي به إيران وكوريا الشمالية، وهو نفس الموقف الذي أشرت إليه في بداية هذا اللقاء.  لكن الأمر الأساسي هنا هو أن الولايات المتحدة تعاملت مباشرة مع النظام الليبي، لكنها ترفض التعامل مع طهران، وهو فرق كبير وأساسي بين الحالتين. والسؤال هو كيف يمكن أن يكون الانفتاح على ليبيا نموذجا بالنسبة لإيران في غياب العامل الأساسي هو التعامل المباشر مع طهران؟

السفير ماك :

حسنا، أعتقد أن ذلك هو الواقع، فحقيقة انخراطنا في مفاوضات مع ليبيا على الرغم من أن تلك المفاوضات كانت في البداية سرية كان عاملا رئيسيا لإحراز تقدم مع ليبيا فيما يتعلق بالقضايا المتعلقة بالإرهاب وبأسلحة الدمار الشامل. وأعتقد أن الأمر سيتكرر حينما سنقوم في نهاية المطاف بالانخراط في مباحثات مباشرة مع الإيرانيين حيث سنحرز تقدما أكبر بكثير مما يمكن تحقيقه عبر تفادي إجراء مثل تلك المباحثات.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: تقرير واشنطن-20-5-2006