باتريك كلاوسن: موقف أمريكا من إيران هو نفس موقف محمد البرادعي

 

 

منذ إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران لم تتعاون ولم تعلق الأنشطة الحساسة في برنامجها النووي الذي يشتبه بأنه يخفي طموحات عسكرية وراء أنشطة مدنية، لا تزال الدول الخمس الكبرى منقسمة حول التدابير الواجب اتخاذها لكنها تقول أنها متحدة بشأن الهدف وهو منع إيران من امتلاك السلاح النووي وقال السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة جون بولتون أن أمكانية امتناع الصين وروسيا عن التصويت على قرار لمجلس الأمن يهدد إيران بعقوبات، لن يعرقل تطبيقه مع أن الولايات المتحدة تفضل صدور القرار بالإجماع أما إيران فما زالت تتحدى الجميع وتظهر تصريحات الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد  الأخيرة عدم اكتراث طهران بما يدور في أروقة مجلس الأمن، وهدد الرئيس الإيراني بانسحاب طهران من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية إذا أرادت بعض الدول حرمانها من حق امتلاك التكنولوجيا النووية.

تقرير واشنطن حاور الباحث الأمريكي باتريك كلاوسن Patrick Clawson الذي يعمل كنائب قسم البحوث بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى المعروف بتوجهاته المؤيدة لإسرائيل. حصل كلاوسن على شهادة الدكتوراه في العلاقات الدولية من مدرسة العلوم الاجتماعية بمدينة نيويورك.

سؤال:

صرح الرئيس بوش بأن جميع الخيارات مازالت مطروحة فيما يتعلق ببرنامج إيران النووي، غير أنه أكد في الوقت ذاته أنه سيواصل التركيز على الجهود الدبلوماسية الدولية لثني إيران عن طموحاتها النووية. وسؤالي هنا هو إلى أي مدى ستسير تلك الجهود وما هو الحد الذي ستقف عنده لكي يقرر الرئيس بوش اللجوء إلى الخيارات الأخرى؟

كلاوسون:

التصرفات الإيرانية هي التي ستدفع الحكومة الأمريكية إلى القيام بأي شيء آخر غير التصرفات الدبلوماسية. وإذا بدأت إيران بإطلاق تصريحات هجومية مثل التهديد بالانسحاب من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية أو إذا رفضت التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وعمليات التفتيش فحينها سيتم التفكير في اللجوء إلى فرض عقوبات صارمة. وحينئذ إذا قامت إيران بتصرفات أكثر خطورة، سيتم التفكير في القيام بإجراء عسكري، أي أن التصرفات الإيرانية هي التي ستحدد ما ستقوم به الولايات المتحدة في هذا الشأن.

سؤال:

سبق وأن حدد الرئيس بوش تخصيب اليورانيوم كخط أحمر بالنسبة لإيران وقامت إيران بتخصيب اليورانيوم، ثم طلب الرئيس بوش من مجلس الأمن الدولي التصرف، فصعّدت إيران من لهجة التحدي والتلويح بعدم التعاون. وعندما وردت التقارير الصحفية عن مخططات أمريكية لقصف إيران قال الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إن الجيش الإيراني سيقطع يد كل معتد. إلى أي حد ستتصاعد لهجة التحدي بين واشنطن وطهران؟ وهل هناك من مخرج؟

كلاوسون:

لقد كان الرئيس بوش والمسئولون البارزون في الحكومة الأمريكية حذرين في تحديد الأمر الذي لا يمكن السماح لإيران القيام به، وهو الحصول على سلاح نووي. ويجب الإشارة إلى أنه يتم استخدام مصطلح "غير مقبول" في الأوساط الدبلوماسية للدلالة على أنه في حال وقوعها فإن الولايات المتحدة ستفكر في استخدام القوة العسكرية لوقفها. وحتى الآن السلاح النووي هو الأمر الوحيد الذي تصفه الحكومة الأمريكية بالأمر غير المقبول. وهناك العديد من التصرفات الإيرانية التي وصفتها الولايات المتحدة بـ"غير المساعدة" و "خطوات في الطريق الخاطئ" و " تصرفات يجب التراجع عنها" غير أن الأمر الوحيد الذي حددته الولايات المتحدة كأمر يستدعي اتخاذ إجراء عسكري هو السلاح النووي. وهو موقف يتسم بضبط النفس من طرف الولايات المتحدة. الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدورها دعت إيران إلى تجميد جميع أنشطة التخصيب وتحويل اليورانيوم. والولايات المتحدة وخاصة الرئيس بوش لم يقل بأنه سيفكر في استخدام القوة العسكرية في حال استمرت إيران في نشاطات تخصيب اليورانيوم.

سؤال:

بعض المنتقدين يقولون إن المسألة لا تقتصر على النشاطات النووية الإيرانية التي هي مجرد جزء من المشكلة، وأن المعضلة الحقيقية هي أن حكومة الرئيس بوش لا تريد التعامل مع حكومة طهران وأن تركيزها ينصب على تغيير نظام الحكم الإيراني؟ 

كلاوسون:

إن هناك إجماعا كبيرا بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة على ضرورة أن نقوم جميعا بالترويج للإصلاح الديمقراطي عبر منطقة الشرق الأوسط بكاملها. وفي هذا الإطار قامت العديد من الدول في أوروبا بالإضافة إلى الولايات المتحدة بتشجيع القوى الديمقراطية داخل إيران. وبالفعل ذهبت العديد من الدول الأوروبية إلى أبعد مما قامت به الولايات المتحدة حيث قامت بتمويل نشاطات عدد من منظمات المجتمع المدني داخل إيران. كما اتفقنا جميعا على أن نقوم بالبث الإذاعي والإعلامي إلى المنطقة لإيصال المعلومات إلى الناس في المنطقة، وبالفعل قامت الدول الأوروبية ببث نشرات إخبارية بالفارسية في إيران. لذلك فإن ما تقوم به الولايات المتحدة هو الالتحاق بالدرب ومسايرة ما تقوم به الدول الأوروبية والقيام بالمزيد في هذه المجالات المتعلقة بدعم الجماعات الديمقراطية والبث الإذاعي إلى إيران. وهذا أمر يصفه النظام الإيراني بأنه سياسة لتغيير النظام. غير أنني أصفها بأنه سياسة لدعم الإصلاح الديمقراطي وهو أمر تقوم به الولايات المتحدة في مناطق عديدة من العالم بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط.

سؤال:

لكن ذلك يُفهم من قبل الإيرانيين والعديد في الشرق الأوسط على أنه محاولة لتغيير النظام الحاكم مما يدفع المسئولين في طهران إلى طرح السؤال التالي: كيف يمكن التعامل مع دولة تريد الإطاحة بك كنظام حكم؟ والسؤال هنا هو كيف يمكن للإيرانيين أن يثقوا بالولايات المتحدة عندما تدعوهم إلى التخلي عن برنامجهم النووي؟

كلاوسون:

ما تقترحه الولايات المتحدة هو دعم القوى الديمقراطية التي تعمل داخل إيران، والدستور الإيراني يدعي أنه دستور ديمقراطي، وإيران تدعي أنها تحترم بالمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان. وما نطلبه من إيران هو الالتزام بالاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها والالتزام بما نص عليه الدستور الإيراني. وإذا كانت الحكومة الإيرانية لا تعتقد بأنه يتعين عليها الالتزام بدستورها أو الاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها فسيكون هناك مشكل مع تلك الحكومة. ويتعين عليهم احترام دستورهم والاتفاقيات الدولية.

سؤال:

أنت تقول المجتمع الدولي، لكن بعض الدول ومن بينها روسيا والصين تعارض حتى فكرة فرض عقوبات دولية على إيران؟

كلاوسون:

في الوقت الذي تتعامل فيه الولايات المتحدة مع هذه المسألة كقضية دبلوماسية متعددة الأطراف، ترغب واشنطن في حل هذه القضية عن طريق الأمم المتحدة وعبر مسار متعدد الأطراف. والعديد من الأشخاص أعربوا عن احتجاجهم لأن الرئيس بوش تعامل مع قضية العراقية على أنها مسألة ثنائية بين الولايات المتحدة والعراق، عندما كان يتعين عليه العمل على حلها عبر الأمم المتحدة. وقد استفاد الرئيس بوش من تلك التجربة وهو يقوم حاليا بأخذ تلك الانتقادات بعين الاعتبار من خلال التعامل مع القضية الإيرانية عبر المسار المتعدد الأطراف عبر الأمم المتحدة ووكالاتها بدلا من المسار الثنائي.

سؤال:

نرى المسئولين في حكومة الرئيس بوش يتبعون نفس النهج الذي اتبعوه قبل الحرب في العراق، وعلى سبيل المثال نفس الشخصيات، نائب الرئيس ديك تشيني، ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، ووزيرة الخارجية كونداليزا رايس، الذين كانوا يحذون من الخطر الوشيك الذي يشكله العراق يحذرون بنفس الطريقة من الخطر الذي تشكله إيران...؟

كلاوسون:

لا، على العكس من ذلك، إن الحكومة الأمريكية تقول إن لدينا ما يكفي من الوقت للتعامل مع هذه القضية، في حين أن منتقديها هم الذين يحاولون الإدعاء بأنها قضية عاجلة وانه سيتم حلها على الفور. وحقيقة الأمر هو أن حكومة الرئيس بوش تشدد على أهمية الدبلوماسية عن طريق الأمم المتحدة والدبلوماسية المتعددة الأطراف، فيما يدعي منتقدو الحكومة بأن هناك خططا عسكرية آنية، وذلك لا يتطابق مع ما تقوم به حكومة الرئيس بوش. فهي تقوم بكل ما كان يطالب به المنتقدون، وهي تتعامل مع قضية إيران النووية في إطار متعدد الأطراف وتركز على الدبلوماسية وعلى نتائج عمليات التفتيش التي تقوم بها الأمم المتحدة. إذن هي تقوم بكل ما كان منتقدوها يدعونها للقيام به في قضية العراق.

سؤال:

إذا، هل الخيار العسكري ما زال بعيدا؟

كلاوسون:

موقف الولايات المتحدة من الخيار العسكري هو نفس الموقف الذي يتبناه ويحث عليه محمد البرادعي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية والحائز على جائزة نوبل للسلام، وهو أنه في آخر المطاف وكحل أخير يتعين الإرغام على تنفيذ القواعد من خلال استخدام القوة. لكن مع التأكيد أن ذلك هو حل أخير. وموقف البرادعي من استخدام القوة هو بالتحديد نفس الموقف الذي تبناه الرئيس بوش.

سؤال:

دعني أطرح عليك سؤالا افتراضيا، إذا طلب منك مثلا إيجاد حل لقضية إيران ما الذي ستقوم به؟ وما هي الخطة التي تراها ناجعة للخروج من هذه الأزمة؟

كلاوسون:

الخطة هي التريث بعض الوقت لتشكيل تحالف دولي للتعامل مع قضية إيران النووية في الأمم المتحدة، وفي الوقت ذاته بإمكان الولايات المتحدة والدول الأوروبية التفكير في اتخاذ خطوات بمفردهم لزيادة الضغط على إيران. وعلى سبيل المثال أن يصبح من الصعب على إيران الحصول على التكنولوجيا التي يمكن استخدامها في البرنامج النووي. أن يصبح من الصعب على إيران الحصول على المصادر المالية لتمويل برنامجها النووي. إذا هناك عدد من الخطوات التي يمكن أن يقوم بها الغرب بمفرده في انتظار تحرك الأمم المتحدة بهذا الشأن.

سؤال:

هل تعتبر مسألة فرض عقوبات على صادرات إيران من النفط إحدى تلك الخطوات؟ ألا تعتقد أن ذلك سيزيد في ارتفاع أسعار النفط التي بلغت أصلا مستويات قياسية مؤخرا؟

كلاوسون:

أعتقد أن سبب ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية يرجع إلى التهديدات الإيرانية وتدريباتها العسكرية باحتمال إغلاقها مضيق هرمز، فمرة أخرى دعني أقول إن إيران التي تقوم من خلال تصرفاتها الهجومية بتهديد الاقتصاد العالمي والسلام العالمي. فالتهديدات الإيرانية هي التي تثير قلق المتعاملين في الأسواق العالمية.

سؤال:

لكن المسئولين الإيرانيين قالوا مرارا بأنهم لا يعتزمون استخدام النفط كسلاح خلال هذه النزاع مع الغرب؟

كلاوسون:

لكنهم يقولون أيضا وبشكل مستمر إنه في حال واجهتهم أي مشاكل فإنهم سيقومون بالحيلولة دون تصدير دول أخرى للنفط عبر منطقة الخليج الفارسي. وتلك التصريحات غير متطابقة، وهي عادة قديمة لدى المسئولين الإيرانيين حيث يطلقون تصريحات متضاربة ومختلفة من قبل مسئولين في أجهزة حكومية مختلفة.

سؤال:

هناك الكثير من التقارير الصحفية واستطلاعات الرأي العام في الشرق الأوسط تشير إلى أن العديد من سكان المنطقة يؤيدون حصول إيران على برنامج نووي للأغراض السلمية. إذا ما هي المشكلة في حصول إيران على البرنامج؟

كلاوسون:

لقد وافقت الولايات المتحدة على تأييد فكرة حصول إيران على برنامج للطاقة النووية، لكن المشكلة تتمثل في أن إيران تريد الذهاب أبعد من الحصول على برنامج للطاقة النووية والحصول على دورة للوقود النووي التي ستمكنها من تصنيع الوقود النووي. ومثلما أقر كبير المفاوضين الإيرانيين علي لاريجاني بأنه حالما تحصل إيران على دورة للوقود النووي سيصبح بمقدورها تصنيع أسلحة نووية. إذا فإن إيران تدرك بأن دورتها للوقود النووي ستمكنها وبكل سهولة من تصنيع الأسلحة النووية. هناك عدد محدود من الدول عبر العالم، وهي عشر دول لديها دورة للوقود النووي وإيران ترغب في الانضمام إلى تلك الدول في حين أن هناك عشرين دولة أو أكثر لديها برامج للطاقة النووية من دون أن يكون لديها دورة للوقود النووي. وليس هناك أي سبب اقتصادي يدعو لحصول إيران على دورة للوقود والدافع الحقيقي بالنسبة للإيرانيين هو أن حصولهم عليها سيجعلهم على حافة الحصول على سلاح نووي.

سؤال:

ألا تعتقد أن من الممكن مراقبة ذلك والسيطرة عليه من خلال عمليات التفتيش التي تقوم بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية؟

كلاوسون:

حسنا، كما قال محمد البرادعي الحائز على جائزة نوبل للسلام إذا كان لدى دولة ما دورة للوقود النووي فإنها على بعد بضعة أشهر من الحصول على سلاح نووي. وقد اقترح البرادعي أن يكون هناك حظر دولي لإقامة أي برنامج لدورة الوقود النووي إلى حين التفاوض بشأن اتفاق دولي حول كيفية مراقبة تلك البرامج. وهذا هو تقييمه لخطورة الحصول على برنامج لدورة الوقود النووي.

وكل ذلك بحسب المصدر نصا ودون تعليق.

المصدر: تقرير واشنطن-7-5-2006