جوزيف سيرينسيون:  لم ترغم أي دولة على التخلي عن برامجها النووية في التاريخ

 

 

 

صعدت كل من إيران والولايات المتحدة مؤخرا من حدة لهجة التحدي والتهديد فيما يتعلق بالأزمة النووية الإيرانية وفي الوقت الذي أعلنت فيه إيران أنها أصبحت من الدول ذات التكنولوجيا النووية، تسعي الولايات المتحدة إلى دفع مجلس الأمن الدولي إلي تبني عقوبات قاسية ضد إيران. 

في هذا الإطار أجرى تقرير واشنطن لقاء مع جوزيف سيرينسيون Joseph Cirincione  مدير برنامج منع انتشار الأسلحة بمعهد كارنيغي لسلام العالمي في واشنطن www.ceip.org.

عمل سيرينسيون في مجلس النواب بالكونغرس لمدة 9 سنوات في لجنة القوات المسلحة ولجنة الشئون الحكومية. وكتب عدة كتب هامة عن قضية انتشار أسلحة الدمار الشامل.  ويعتبر سيرينسيون من أهم المعلقين الأمريكيين ومن أكثرهم ظهورا على شاشات التليفزيونات الأمريكية للتحدث عن قضية انتشار أسلحة الدمار الشامل.

حصل سيرينسيون على شهادة البكالوريوس من جامعة بوسطن، ثم حصل على شهادة الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة جورجتاون في الوقت الذي أفادت  بعض التقارير الصحفية بأن الحكومة الأمريكية تخطط لقصف المنشآت النووية الإيرانية بهدف الحيلولة دون حصول إيران على أسلحة نووية، عاد الرئيس بوش للتأكيد على أن جميع الخيارات مازالت مطروحة غير أنه شدد في الوقت ذاته على أنه سيواصل التركيز على المسار الدبلوماسي لإقناع إيران بالتخلي عن طموحاتها النووية. كيف تفسر تصريحات الرئيس بوش التي قد تبدو متعارضة؟

الرئيس بوش يعتقد على ما يبدو بأنه من خلال الإبقاء على جميع الخيارات مطروحة سيزيد ذلك من قوة موقعه التفاوضي، أي أنه من خلال التهديد بالقيام بضربة عسكرية سيزيد الضغط على الحكومة الإيرانية. غير أنني أعتقد أن فهمه للمسالة خاطئ ومغلوط، لأنه كلما زاد في تهديد إيران كلما تقلصت احتمالات انصياع طهران وامتثالها لتلك الضغوط. فسِجل إيران وتاريخها يدل على ذلك وكذلك تاريخ جميع الدول التي لديها برنامج نووي. وعبر التاريخ لم يتم التمكن من إرغام أي دولة على التخلي عن برامجها النووية، غير أنه تم إقناع العديد من الدول بالقيام بذلك. وأعتقد أنه لو قام الرئيس بوش بفتح مباحثات مباشرة مع الإيرانيين، بغض النظر عن الطبيعة القمعية للنظام الإيراني، وقام بوش بالتخلي عن بعض المطالب الحمقاء مثل قصف إيران بالأسلحة النووية المحدودة، أعتقد أنه حينها ستكون حظوظه أوفر لقد حذر الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد من استخدام القوة ضد إيران وقال إن الجيش الإيراني سيقطع يد كل معتد. فالتهديد باستخدام القوة على ما يبدو يزيد في تصلب الموقف الإيراني.

كلما تحدث الرئيس بوش عن الخيارات الأخرى المتاحة إلى جانب الخيار الدبلوماسي كلما زادت قناعة الإيرانيين بأن النية الحقيقية للولايات المتحدة هي قلب النظام الحاكم في طهران، وكلما زادت قناعتهم بأن الرئيس بوش غير مهتم في الحقيقة بالبرنامج النووي بل إنه يرغب في تغيير النظام  فسيزيد ذلك بشكل كبير في الشعور القومي الإيراني. إن شعبية النظام الحاكم في إيران متدنية لأن معظم الأشخاص داخل إيران يفضلون العيش في ظل نظام أكثر حرية وأقل قمعا وحكومة ديمقراطية، غير أنهم إذا شعروا بأن بلادهم مهددة وتتعرض لهجوم من الخارج فإنهم سيتوحدون ويلتئمون حول الحكومة الحالية، وإذا كان الرئيس بوش فعلا ذكيا لحاول التفكير في عدم حدوث ذلك.

على الرغم من أنه ليس هناك حوار مباشر بين الولايات المتحدة وإيران إلا أن الرئيس بوش والرئيس أحمدي نجاد يتحاوران عبر وسائل الإعلام، مثلما حدث خلال حرب الخليج الثانية بين الرئيس بوش الأب والرئيس العراقي السابق صدام حسين عبر الإعلام. ولقد أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أن أحد المسئولين الإيرانيين وهو محمد نهافانديان كان مؤخرا في واشنطن، وقالت إنها لم تصدر له تأشيرة السفر غير أنه كان في الولايات المتحدة بطريقة شرعية. وشددت على أنه لم يجتمع مع أي من المسئولين الأمريكيين. هل تعتقد أن هناك مباحثات بين الطرفين على الرغم من الخطاب المعلن؟

ما فهمته هو أن لديه البطاقة الخضراء، أي بطاقة الإقامة التي تمكنه من العمل داخل الولايات المتحدة، وهو أحد المسئولين الإيرانيين القلائل الذين بإمكانهم السفر إلى الولايات المتحدة بطريقة شرعية والتحرك داخلها بشكل غير محدود. فهو يستغل ذلك الوضع الفريد من نوعه في محاولة لفتح حوار دبلوماسي بين إيران والولايات المتحدة. ودعني أقول إن الرئيس بوش يقول إنه يتبع مسارا دبلوماسيا غير أنه ما يعني من خلال ذلك هو أنه يتحدث مع الدول الأخرى لزيادة الضغط على إيران. فهو لا يعني أنه يحاول التفاوض مع إيران لوضع حد للبرنامج النووي الإيراني مقابل تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران على سبيل المثال لقد قلت في المقال الذي نشرته في مجلة السياسة الخارجية  Foreign Policy بعنوان "اخدعني مرتين" Fool Me Twice قبل أن ينشر سيمور هيرش مقاله في مجلة نيويوركر، إن هناك خططا أمريكية لقصف منشآت نووية إيرانية. هل مازلت تعتقد أن حكومة  الرئيس مازالت تخطط لقصف تلك المنشآت؟

أعتقد أن بعض كبار المسئولين في حكومة بوش بمن فيهم نائب الرئيس ديك تشيني يعتقدون أن الخيار العسكري هو الخيار المفضل، وتوصلوا أصلا إلى خلاصة مفادها أن الدبلوماسية  لن تنجح مع إيران، وبالنسبة لهم الأمر لا يتعلق بالبرنامج النووي بل بالنظام الحاكم ذاته. فهم يرغبون في التخلص من النظام الحاكم في طهران بأكمله وليس فقط البُعد النووي للنظام. ولم يتضح بعد ما إذا كان الرئيس بوش يؤمن بذلك، على الرغم من أن سيمور هيرش أشار في مقاله بناء على المعلومات التي قدمتها مصادره إلى أن الرئيس يؤمن بذلك أيضا. الصعوبة بالنسبة للرئيس بوش والمحافظين الجدد الذين يؤيدون فكرة تغيير النظام الإيراني هي أنهم لا يستطيعون الإقرار بذلك بشكل علني. وبالنسبة لهم يجب أن تبدو المسألة على النحو التالي أي  أن الرئيس بوش يرغب في السلام وأنه يُرغم على الدخول في حرب، أي أنه يُرغم على التوصل إلى نتيجة أن الخيار العسكري هو الخيار الوحيد، لذلك لا يستطيعون الإقرار بأن ذلك هو هدفهم الحقيقي. ونحن كشعب أمريكي نجد نفسنا نبحث عن النوايا الحقيقية لحكومتنا، وهو أمر صعب للغاية عندما يكون هناك بيت أبيض مغلق ويتسم بالسرية التامة وتقوم بتسييره دائرة صغيرة من المسئولين البارزين.

لكن ألا تعتقد أن أولئك المسئولين والمحافظين الجدد يدركون العواقب التي يمكن أن تترتب عن قصف المنشآت النووية الإيرانية؟

من غير الممكن الاعتقاد بأن المسئولين الأمريكيين البارزين ينظرون للأمور وللعالم بالشكل الذي تنظر أنت إليه. فعلى الرغم من أنه يبدو من البديهي لغالبية الناس بأن هجوما ولو كان محدودا على إيران سيسفر عن وقوع حالة من الفوضى وردة فعل قوية والإضرار بالمصالح القومية والاقتصادية الأمريكية حول العالم، يعتقد بعض المسئولين والمحافظين الجدد الذين ينشرون دراسات ومقالات بهذا الشأن بأن الفوضى أفضل من السماح لإيران بالحصول على التكنولوجيا التي قد تمكنها من تطوير قدرات تسليحه نووية، فهم يفضلون حدوث الفوضى بدلا من وجود إيران ذات قدرات نووية.

لكن الأمر لا يقتصر على الفوضى ومسألة الاستقرار في المنطقة والمصالح الأمريكية، فأسعار النفط مثلا بلغت أرقاما قياسية، فقد بلغ سعر البرميل الواحد من النفط الخام حوالي اثنين وسبعين دولارا.

سعر اثنين وسبعين دولارا للبرميل سوف يبدو رخيصا للغاية في حال دخلنا في نزاع مع إيران. فالأسعار حينها ستصل بكل تأكيد إلى مائة دولار للبرميل وبعض خبراء النفط يقولون إنها قد تبلغ مائتي دولار. ويجب التذكير بأنه تم الوصول إلى سعر اثنين وسبعين دولارا حاليا بسبب مستويات الطلب على النفط بشكل أساسي خاصة الاقتصاديين الأمريكي والصيني. بالإضافة إلى وجود بعض القلق بشأن مستويات العرض. لكن إذا كانت هناك حرب أخرى في منطقة الخليج وإذا كانت هناك أي إشارات إلى احتمال استهداف المنشآت النفطية في مضيق هرمز، فحينها سيكون لدينا طلب متزايد على النفط مع انخفاض في كميات العرض وهو ما يمثل وصفة لبلوغ سعر مائتي دولار للبرميل مما سيؤدي إلى إدخال الاقتصاديات الغربية في مرحلة ركود اقتصادي حاد.

ويمكنك أن تعتقد بأن هذا العامل وحده قد يجعل الخبراء يستبعدون استهداف المنشآت النووية الإيرانية، لكن إذا كنت تمتلك شركة للنفط فإنك ستجني أرباحا طائلة من عواقب ذلك. انظر مثلا إلى ما حدث خلال الحرب في العراق أي خلال السنوات الثلاث الماضية حيث جنت شركات النفط أرباحا طائلة. فأنا لا أقول إن النفط هو العامل الذي دفع الولايات المتحدة لشن الحرب في العراق أو احتمال ضربها إيران، لكن ما أريد قوله هو أن ارتفاع أسعار النفط ليس عاملا رادعا، فالرئيس بوش ونائبه تشيني لديهما نفس ثقافة شركات النفط ولديهما مصالح في هذا القطاع، وارتفاع أسعار النفط هو مسألة إيجابية بالنسبة لهم لا سلبية.

هل تعتقد أن تصعيد حدة اللهجة بين المسئولين الإيرانيين والأمريكيين سيؤدي فعلا إلى حدوث مواجهة فعلية بينهم أم أنها مجرد تصريحات للاستهلاك المحلي؟

يجب التذكير بأن أي هجوم على إيران سيكون بداية حرب وليس نهاية النزاع، فبالنسبة للإيرانيين سيكون أي هجوم عليهم بمثابة هجوم "بيرل هاربر" سيقومون بالتوحد والالتفاف حول حكومتهم بغض النظر عن أن شعبيتها متدنية، وسيتصرفون كشعب تعرض للهجوم وسيقومون بالرد على ذلك الهجوم مثلما فعلت الولايات المتحدة عندما تعرضت لهجوم بيرل هاربر من قبل اليابانيين خلال الحرب العالمية الثانية. وإحدى الوسائل التي من المحتمل أن يستخدمونها للرد هي دعوة حلفائهم في العراق للتحرك ضد الولايات المتحدة. فمقتدى الصدر زعيم إحدى الميليشيات الشيعية المسلحة في العراق زار طهران مؤخرا وعندما طلب منه التحدث عما يعتزم القيام به في حال تعرضت إيران لأي هجوم كان جوابه أنه سيدافع عن الإسلام. فمن الممكن أن يقوم الشيعة في العراق بانتفاضة ضد الجيش الأمريكي وهو أمر لم يقوموا به حتى الآن، فما يجري في العراق هو حالة تمرد سنية أو أعمال عنف بين السنة والشيعة وليس تحركا للشيعة ضد القوات الأميركية، فإذا حدث ذلك فستكون نهاية الأمر، لأن الولايات المتحدة غير مجهزة لمواجهة تمرد شيعي وسني. وأحد الاحتمالات الأخرى هو أن تطالب الحكومة العراقية التي يسيطر عليها الشيعة بضرورة مغادرة الأمريكيين من العراق.

وإذا تعرضت إيران لهجوم فإن المعادلة بكاملها ستتغير، فحينها ستقوم إيران بالسعي بكامل قواها للحصول على سلاح نووي وليس الاكتفاء بالحصول على القدرات النووية. وإذا ما قام الإيرانيون بتكثيف كافة قواهم لهذا الغرض سوف يحصلون على قنبلة نووية في فترة وجيزة من الوقت. وسيستغرق الأمر بضعة أعوام لتطوير تلك الأسلحة أو ربما يلجئون إلى شرائها من جهة ما.

لو كان الأمر بيدك، أنت الدكتور جوزيف سيرينسيون، ما هي الوصفة أو الخطة التي ستتبعها لحل هذه الأزمة؟

يجب الجمع بين القوة والدبلوماسية، فالجانب الوحيد من سياسة الرئيس بوش الذي اتفق معه هو التعاون من الحلفاء والأصدقاء في الأمم المتحدة ليتم استصدار قرارات من شأنها تكثيف الضغوط على إيران وتهدد باحتمال فرض عقوبات على القيادة الإيرانية في حال استمرار برنامج تخصيب اليورانيوم. والأمر الذي يتعين القيام به هو منح مقابل للإيرانيين لكي يتم الخروج من الأزمة، فيجب أن نقدم لهم ما قدمناه لليبيا وكوريا الشمالية وهو التعهد بالتخلي عن خططنا لقلب النظام الحاكم في حال تجميدهم لبرنامجهم النووي، وفتح حوار دبلوماسي معهم والعمل باتجاه الاعتراف الدبلوماسي المتبادل. فالبرنامج النووي هو أحد القضايا موضع الخلاف مع إيران غير أن من الواضح أن المشكلة الأساسية ومن خلال العمل على حلها يمكننا محاولة حل مشكلة الدعم الذي تقدمه إيران للمنظمات التي تعتبرها الولايات المتحدة إرهابية بالإضافة إلى قضية إسرائيل. فالحل الرئيسي هو فتح قنوات الحوار.

وكل ذلك بحسب المصدرالمذكورنصا ودون تعليق.

المصدر: تقرير واشنطن-العدد56-29-4-2006